صدر مؤخرا عن دار المتوسط مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني مهيب برغوثي، المجموعة جاءت تقريبا بمائة صفحة من القطع المتوسط وبغلاف فاتن للشاعر خالد الناصري.( لولا هذه الحرب اللعينة لكان كثير من الأطفال يلعبون تحت نافذتي) هذا ما نقرؤه على غلاف المجموعة الخلفي، حتى الشعر الفلسطيني المتمرد على الثيمات المتكررة لا يستطيع أن يلغي الحرب من شعره، لكنه له طريقته في كتابتها، مهيب بلغته الصاعقة وخياراته الجمالية المنفلتة من عقال الانفعال، وصوره المفاجئة المرتبطة بحياته الشخصية ما زال متمسكا بفضاءاته ومفاتيحه الأثيرة حتى لو دق الشهداء على بابه طالبين منه أن يستيقظ ويتفاعل مع دم شعبه المسفوك، سيبتسم مهيب للشهداء، سيطلب منهم بأدب أن يدخلوا، سيصنع لهم الشاي بالنعناع، سيحترم قهرهم، ويبكي معهم، سيدخل في نقاش معهم: هل تريدوني أن أكتب لكم الان قصيدة مباشرة واضحة أمجد فيها حزنكم وأتضامن مع يأسكم؟ حسنا سأفعل ذلك إن كان هذا سيشفي غليلكم، لكن مهلا هل تدركون أن نصي هذا سينسى بعد ربع ساعة فيما لو كتبته بطريقة تقليدية؟ ولماذا ينسى؟ شعبنا لا ينسى القصائد المقاتلة؟ قال الشهداء.
الشهداء يليق بهم فقط لغة راقية خالدة وصورة متماسكة وأفكار عميقة لا تذروها رياح ملل القارئ، أنا لا أستطيع تجاهل دمكم حتى لو كنت حرا من الالتزام، وخارج كل الخيارات التقليدية في الكتابة والحياة، فأنا فلسطيني ودمي هو دمكم وهمي هو همكم، ولي أصدقاء شهداء، وأهلي يعانون من الاحتلال، لكني أريد أن أذكركم أنني شاعر ولست كاتب مقال أو باحث أو مقاتل في معركة أو ناشط حزبي أو حتى صحفي، أنا شاعر، يعني لدي عقد مع قصيدتي عقد أبدي، بأن احترم مطالبها قصيدتي تحبكم، لكنها تحب نفسها أيضا. قال مهيب للشهداء. فابتسموا وخرجوا يقفزون.
في هذا الكتاب لا يكتب مهيب برغوثي شعره من لا شيء، هو لا يتسلى، لا يدمر وقتا، لا يصفّي حسابات، الشعر يخرج من قلب البرغوثي دون تشنج أو ضغط، حتى الشاعر نفسه، لا يفكر في آلية خروج الشعر منه، إنها عملية حياة، تصير فيها الوساوس وتحدث الأشياء والصور بشكل غير مفكر فيه، كما العطش تماما، نشعر في العطش فنفتح أفواهنا، هذه الطريقة المجنونة في الكتابة لها أبعادها، فهي مغامرة غير مفكر فيها، أن نقول للشعر، تدلى تدلى، ويسقط منا حين نشعر به، تماما كما نهز كتفنا لرمي قطة ملحة تقف على الكتف، القصة كلها تتلخص دون فلسفة أو فذلكة في ذهن مهيب: إن ندع الشعر يسقط منا على ورقة بيضاء تقع تحتنا مباشرة. مهيب لا ينظر إلى القصيدة، لا يسائلها ولا يقول لها حمدا على سلامتك يا صديقتي، قصائده في كل مكان على طاولات المقاهي والمطاعم، يكتبها على محارم الطاولة أو على الورق الخفيف الذي يوضع تحت صحن الحمص. لم يعد زبائن المطاعم يتفاجؤون، لقد تعودوا، ثمة شخص أصلع وأشقر ببطن كبير، يترك مطعمهم بعد الأكل تاركا قصائده على ورق الطاولة ومحارمها. تلك هي طريقته في ترك وصاياه وممتلكاته ورائحته، نهبا للريح وحيرة متشرد يفكر كثيرا: هل يمكن أن أبيع هذه القصائد وأشتري بها خبزا.. الذي يريد أن يبحث عن الالتزام الخشبي والحشمة اللغوية بحجة دم الوطن في قصائد مهيب فلن يجد كل ذلك، لكننا سنجد شيئا آخر لا يقل هيبة وأهمية، أنه الإنسان، في شعره هناك شخص يضخ بوحه الشخصي ويومياته الحزينة والغريبة وأسرار قلبه وجسده وحيرته المتطلبة، كائن يؤمن بحقه، في التذمر وفي شتيمة السيئين وفي التعبير عن قرفه من جواربه وفي فضح الكذابين في عالميّ السياسة والأدب.. لا يكترث مهيب بالمقاييس المتعارف عليها للفظة الشعرية، أحيانا يدس لفظة قد يراها البعض منفرة، لكنها ليست من (أحبائنا الذين يجب قتلهم) على رأي العظيم حسين برغوثي، فهذه اللفظة في سياقها تماما، المهم أن تشعر الفكرة الشريدة أن ثوبها اللغوي مناسب لها. يراقب مهيب بعينيه الوغدتين علاقة الفكرة باللغة، يتنصت على أحاديثهما معا، وهما نائمين في سرير واحد، حين يلحظ انسجاما، يطلق طلقته الشعرية.
في آخر طلقات مهيب، (طلقة في الاسم) نرى فلسفة جديدة في تأمل الوجع، الشخصي والوطني، أيها الوجع أنت صديقي فكن قريبا من فطوري، نرى موتا أقل وحبا خاسرا أكثر وتساؤلات، تتكثف في سؤال مرعب: كيف أعبر يا الله عن لغزية العالم وعن ضياعي البهيج، بلغة أنام بعدها مرتاحا؟ أو أتوقف عن الكتابة.
الكتاب مملوء بالغناء الكامن، الإيقاعات فيه وكأنها تدريبات على أغان، ويظل مهيب بضياعه وأسئلته المغامرة وجمال قلبه ثابتا في كل القصائد.
طلقة مهيب دوّت في فضاء الشعر، والتفتت نحوها أعناق الكثيرين.

**media[3300159]**