رمضان هو موسم النور الذي يرسم للأرواح مسارها الإيماني لترتوي من شرابه كأسا يروي ظمأها الذي طال انتظاره أحد عشر شهرا، ولكن هل كل من يمر بهذا الموسم العظيم سيرتوي؟ أم أن أناسا يخرجون منه كما دخلوا، فلا هم ارتووا ولا هم استيقظوا من غفلتهم، وهنا لا بد من وقفة وإحداث يقظة للذات تخرجها من غفوة العادة التي تعيشها إلى يقظة الوعي بمقام القصد والمعنى، وإصلاح هذا الخلل سنتبينه من المنهج النبوي الذي لا يبدأ بضجيج الأفعال وإنما بهمس النيات، أي من البقعة الخفية التي تخفى على العين، ولكنها المحرك الحقيقي للجوارح، فهي الربان الذي يقود دفة السفينة وسط الأمواج.
إنها النية (بوصلة المقصد وهندسة الدوافع)
ففي ميزان النبوة تعتبر النية هي الهوية العميقة للفعل، أي أنها القوة المحركة التي تمنح لحركة العمل الإنساني معناها الحقيقي؛ فهي روح وبدونها جسد تتقاذفه الرياح بلا مسار، وقد اختصر من أعطي جوامع الكلم ﷺ فلسفة العمل في قوله: ((إنما الأعمال بالنيات))، وبيان ذلك أن الناظر في الأعمال يراها متشابهة في صورتها الظاهرة، ولكنها تتباين في قيمتها وقمتها ما بين السماء والأرض، والفيصل في ذلك وعيُ المقصد؛ فنحن في رمضان أمام محفزات كبرى تدفع إلى أداء عالٍ، غير أن هذا الأداء قد ينزلق إلى آليةٍ جوفاء، وهنا يكمن الخطر؛ إذ تُستنزف الأعمال دون أن ترفع صاحبها مقامًا. ولا مخرج من هذا المسار إلا بإعادة ضبط بوصلة النية، لتبقى حاضرة متقدة، على هدي المنهج النبوي.
الإيمان والاحتساب: ميثاق الإدارة النبوية
((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))، هذا الحديث يؤسس إطارا متكاملا لإدارة النفس، فقد قرن رسولنا الكريم ﷺ الصيام بالإيمان والاحتساب؛ ذلك أن:
•الإيمان هو الوقود الذي يغذي النية، ويبقي جذوة المراقبة متقدة.
•أما الاحتساب فهو يوجه جهد العامل نحو الغاية الكبرى، نحو ابتغاء الثواب والأجر والسعي لنيل رضا الله تعالى، وهذا يحفظ تعب العامل أن يتبدد في هباء العادة.
وبهاتين الكفتين - كفة الإيمان وكفة الاحتساب- نحقق التوازن، ويكون الصائم مديرا لذاته، يعرف موضع خطواته، ويحسن ادخار طاقته نحو مسارها الصحيح، فيسير في رمضان بثقة واطمئنان، محددا أولوياته التي تحدث أثرا.
النية أداة لفرز الأولويات:
التحدي الأكبر أمام الصائم هو تحصيل الأثر، فكثيرا ما نشهد في رمضان لهف الناس نحو الكم، فازدحام في الأوراد، وضغط وتشتت في الأعمال، واضطراب في الأثر، فلا تغيير حقيقي في النفس، ولا تحول نحو الأحسن، وهنا يأتي دور النية الواعية بصفتها مرشحًّا داخليًّا للأولويات؛ ذلك أن النية الصادقة تحرك صاحبها نحو سؤال عميق: ما الذي تحتاجه نفسي لتستقيم؟
أفي خُلُقٍ يحتاج إلى تهذيب؟ أم في قلبٍ يحتاج إلى جبر؟ أم في لسانٍ يحتاج إلى كفّ؟ وهنا يضع المرء النفس أمام تلمس النية الصحيحة، فيصنع وعيا داخليا يوقف به طاقته عن التبدد في المسارات الجانبية، وعليه يركز قوته النفسية في نقطة التغيير الحقيقية التي تورث أثرا. وهذا تغذيه الرقابة الذاتية المنطلقة من ((الصوم لي وأنا أجزي به))، وهنا لا بد أن نستعرض فلسفة الصيام ودوره:
من الرقابة الظاهرة إلى القيادة الباطنة
الصيام عبادة خفية يختبر فيها صدق الإنسان مع نفسه، إنها تدريب مكثف وعميق على أن يستقل الإنسان عن رقابة البشر أو مراءاتهم، إنها ترتقي بالعبد الصائم إلى مستوى عال من الالتزام الأخلاقي في الخلوة، وهذا المعنى كفيل بتزكية النفس البشرية لتصعد نحو كمال معناها. وهذا هو التجلي للقيادة الذاتية في أبهى صورها، أليس من أسمى النتائج أن يحكم المرء نفسه بدافع داخلي وفاء لميثاقه مع الله، لا يخشى عينا تراقبه ولا يخضع لدواعي النفس الدنية، إنه مقام يبنى باستحضار المراقبة الربانية حتى صارت سمة دائمة للسلوك.
وفي ختام هذه المقالة يتبين أن النية جسر الاستمرار؛ فالنية التي كتبت للإصلاح تمد جسورها إلى بقية العام، فلنجعل من رمضان منصة إقلاع، ولنعلم أن من أحسن هندسة داخله بالنية استقام خارجه بالعمل، وكان له من رمضان زادا يبقى معه ما بقي القلب نابضا بالإيمان.