كيف يُصنع الاتقان في السلوك اليومي

رمضان مدرسةٌ يتربّى فيها المنتسب إليها على أجلّ المقاصد وأعظمها؛ فينال العروج بنفسه إلى أعلى مراتب التزكية، وأسمى مقامات الخير والبر والإحسان؛ إدراكًا منه بأنها مدرسة لرفع الدرجات، وتكفير السيئات، وكسر الشهوات. فهي وإن كانت مدتها قصيرة إلا أنها بمثابة دورة تدريبية يمكن من خلالها صياغة ملامح الشخصية الإسلامية؛ تلك الشخصية الصانعة للإتقان، الحاملة للرسالة الإيمانية، وخليفة الله في أرضه، قال تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ " [النور: 55].
فإنَّ رمضانَ أيامٌ معدوداتٌ، وفرصٌ سانحاتٌ، ومدرسةٌ إيمانيةٌ تتهذبُ فيها الأرواحُ، ويسمو فيها سلوكُ الإنسانِ، فيتقوّمُ اعوجاجُه ويصطلحُ شأنهُ وتستقيمُ حياتُه؛ وهو يقفُ بين يدي مولاه مستشعراً فضائلَه، وفي الحديث: «وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فِي فَضْلِ رَمَضَانَ لَتَمَنَّيْتُمْ أَنْ يَكُونَ سَنَةً» (أخرجه الربيع)؛ فلو كُشِفَ الغطاءُ، وعلمتُم ما في هذا الشهرِ المباركِ من الخيراتِ والأجورِ والنفحاتِ، ومن العتقِ من النيرانِ؛ لتمنيتم أن يبقى العامَ كلَّه، تصومون نهارَه وتقومون ليلَه.
وإن اغتنام هذه الأيام لدليلُ الحزم، وإنَّ انتهاز تلك الفرص لعنوانُ العقل؛ ذلكم أن الوقت رأسُ مالِ الإنسان، وساعات العمرِ هي أنفسُ ما عني الإنسان بحفظه، ولقد تجلَّى هديُ الأئمةِ في رمضانَ باتِّباعِ سُنَّةِ المصطفى ﷺ وسِيَرِ أصحابِهِ في تعميرِ أوقاتِ الشهرِ بالطاعات؛ ومن ذلك ما يُحكى عن الشيخِ حمد بن عبيد السليمي (ت: 1390 هـ)؛ فقد كان لا ينامُ في رمضانَ إلا ثلاثَ ساعاتٍ فقط: ساعةً قبل الظهرِ وساعتينِ في الليلِ، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ يضيقُ المقامُ عن حصرِها، فما أحوجنا اليومَ إلى بذلِ النفسِ وحملِها حملاً على المعالي؛ فرمضان برنامج تربوي، وروحي، واجتماعي، وصحي كذلك؛ لإعداد الأمة وتربيتها وتأهيلها؛ لتكون الأمة الرائدة في كل مجالات الحياة المختلفة من خلال ما يغرسه فيها رمضان من هداية للناس تحمل في طياتها استدعاء الإيمان ومقتضياته، وتمثّل القيم العليا، والمبادئ المثلى، وغيرها من الجوانب التربوية السامية، قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ " [البقرة: 185]، فإذا تمثلت الأمة تلك الجوانب الآنفة الذكر، وشرعت في التحلي بها، وغرسها في الناشئة؛ لعادت لسابق عهدها ومجدها؛ وعليه؛ فإن رمضان يجب أن يتحول في عقلية البعض من مجرد مناسبة دينية إلى مدرسة للإتقان، والتربية الإيمانية الأولى.
ولا يتسع المقام لتعداد حصاد ما ينهله المسلم الصائم بإتقان من هذه الدورة التدريبية القصيرة وأثنائها، ولكن سأكتفي بذكر أبرز العِبر التي لا يخفى على أحد أنها بمثابة وقود وشحن إيماني وروحي لبقية أشهر العام، وهي في الآتي:
-تقوى الله عز وجل: وهي جماع كل خير دنيوي وأخروي، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183]، وهي درس الصيام الأعظم؛ فهي الغاية من شرعية الصيام، إذ تورث المراقبة لله "؛ فيستجيب القلب، وتتبعه الجوارح في الإمساك عن الشهوات والذنوب، بل وعن المباحات أيضا في نهار رمضان؛ فلا يجتمع العصيان والصيام في آن واحد، «وَلاَ صَوْمَ إِلاَّ بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ». (أخرجه الربيع)، فيجب على الصائم أن يتجنب كل ما يسخط ربه؛ فلا يدع مأمورًا به إلا وفّاه حقه، ولا منهيًّا عنه إلا جعل بينه وبينه حاجزًا منيعًا من الحوم حول حماه، وإذا ما سوّلت له نفسه المعصية؛ تذكر الصيام؛ فيترك المعصية. وإذا ما تعوّد تركها سهل عليه تركها بعد ذلك، فمدرسة رمضان تصقل نفس المؤمن، وإذا لم يجعل العصاة هذا الشهر لترك الحرام، والالتزام بدين الله " فمتى سيتوبون! فمراقبة الله تُنمِّي صفة الإخلاص التي هي روح الدين وأصله، وتثبتها في المسلم قال تعالى: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" [البينة:5]، وهذه المراقبة تستمر معه حتى بعد الفطر، فمن اعتاد على شيء هان عليه؛ وبالتالي سيراقب حركاته، وسكناته، وخلواته؛ وبهذا سيحصل على الغاية الأساسية التي شُرع من أجلها الصوم مستحضرًا بأن الصوم جُنّة، وأنه لله وحده، وأن الله -تعالى- من سيجازيه عليه، فلا يعلم ثوابه إلا هو. وعليه فإن من مقتضيات التقوى الإتقان في القول، والعمل، ومراجعة الملفات، والمسارعة إلى التوبة، والإنابة لله "، فلعله آخر رمضان له؛ لذا وجب استشعارُ نِعَمِه وفتوحاتِه، والتنافسُ على نيلِ أجورِه وحسناتِه؛ وذلك بالتخلي عن المعاصي والتحلي بالطاعات. يقول المصطفى ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (أخرجه الربيع)، وكلمة (مَنْ): جاءت هنا في سياق الشرط لتفيد العموم، فهي تشمل كلَّ صائمٍ كائناً مَن كان، و(إِيمَانًا): أي تصديقاً بقلبه، واعتقاداً جازماً بفرضية الصوم ووجوبه، أمّا (احْتِسَابًا): فتعني الرغبة في الأجر بنفسٍ طيبة، طلباً للثواب الجزيل من الله تبارك وتعالى، لا رياءً ولا سمعة.
-التكافل: التكافل ركيزة أساسية يقوم عليها المجتمع الإسلامي؛ فهو ينظم الحياة بين أفراد المجتمع، ليجعلها حياة متزنة يشعر فيها الفرد بالسعادة، والطمأنينة، والعيش الكريم، فالتكافل يولد التراحم والتآخي بشتى صوره: المادي، والتعليمي، والإعلامي، والصحي، وغيرها. وإذا كان التكافل مطلباً شرعيا، فإنه آكد في هذا الشهر الفضيل؛ فالمجتمع المسلم مجتمع متماسك تسوده الرحمة، والمودة، والتلاحم، والتكافل بين أفراده. ويأتي شهر الصيام ليعزز هذه القيم الإيجابية في نفوس الصائمين من خلال المظاهر التي يتميز بها مثل: صلاة الجماعة، وزكاة الفطر، وصلاة التراويح التي تتيح للمسلمين اللقاء المتكرر الذي يثمر التعارف، والتجانس، وإحساس كل منهم بآمال الآخر وآلامه، ففي الحديث «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» (أخرجه البخاري). ومن مظاهر التكافل كذلك الإنفاق في سبيل الله؛ فقد حثت آيات كثيرة عليه، مركزة على جودة الإنفاق وإتقانه من خلال تطبيقه حسب ضوابط الشرع الحنيف، ومنها: الإنفاق بالأجود. قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ"[البقرة:269]: فبين نوع ما يبذل، واصفًا إياه بالطيبات، والطيب هو الجيد المستطاب، وضده الخبيث المستكره، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الشرع راعى المتصدق عليه بحفظ كرامته، وعدم إحراجه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ" [البقرة: 264]. وشهر رمضان فرصة ذهبية للحرص على نيل الأجور، والحسنات، والخبيئات، والسباق في ميدان البر والخير، والتنافس في ذلك اقتداء بفعل النّبي ﷺ؛ فكان أجود ما يكون في رمضان؛ إذْ كان كالريح المرسلة. فأما الغني فالشرع يقرّ بأن العائد عند إنفاقه من ماله لأخيه الفقير يكون لصالحه: "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ" [البقرة: 272]، وقوله "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ" [فصلت: 46]، وفي الحديث: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (أخرجه مسلم)، وأما الفقير فلا يجد حرجًا في أخذ حقه؛ وبهذا يطمئن كل من الفقير والغني، وبهذا تسود أواصر الأخوة ومعاني الصداقة والمحبة في المجتمع الإسلامي.
ومن مظاهر التكافل كذلك الحث على فعل الخير، وتوجيه النصح والإرشاد للآخرين في حال عدم الاستطاعة على الفعل، كما حدث في غزوة تبوك، في الفئة المتخلفة عن الغزوة بأعذار مقبولة، فقد بذلوا النصح لله ولرسوله، وشجعوا الآخرين على السير للجهاد، وكفلوا أسرهم، وبذلوا أموالهم، فقد قال ":" لّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"[التوبة: 91]، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا، ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا. وتتوسع دائرة التكافل لتشمل التأكيد على صلة الأرحام، وزيارة الأقارب، وعيادة المرضى، والاجتماع والائتلاف على موائد الإفطار، وغيرها مما يجسّد معاني الوحدة والألفة بين المسلمين.
-ضبط النفس: ومن مدرسة رمضان نتربى على ضبط النفس وعدم الاسترسال معها في انفعالها، والسير بها إلى الاتزان، والاستقامة الحقيقية، فلا يرد الصائم على من سابّه، أو شاتمه إلا بالرد النّبوي الشريف: « إِنِّي صَائِمٌ » (أخرجه البخاري)، وليذكّر نفسه بعظم ما هو فيه، وبقداسة الشهر الفضيل فلا يلتفت للرد، وبهذا تتربى نفسه على السلوك السّوي، والترفع بنفسه عن الدنايا من الأمور، فلا يقابل الإساءة إلا بالإحسان ولا يتخذ من الجوع والعطش ذريعة لسوء الخلق فيطلق العنان للغضب، بل عليه التحلي بصفاء النفس وتهذيبها، ويكون مثالًا في ضبط انفعالاته، وتسامحه، وعدم الانجرار وراء المشاحنات، والتخلي عن الضغائن، والمسارعة للعفو، والصفح، وليكن حديث النّبي ﷺ نصب عينه، ويسترشد بما جاء فيه: « كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ » (أخرجه البخاري).
-التحلي بصفة الصبر: الصبر أعظم خلق يكتسبه المسلم، ومن صوره: الصبر على الطاعات، والصبر على ترك المنكرات. والصبر على الصوم عبادة للروح والجسد، فحينما يمسك الصائم عن المفطرات وما أبيح له من المطعومات، ويحرص على عدم اقتراف المنهيات، ويكابد نفسه، ويغالب هواه، ويدفع شهواته حرصًا منه على صحة صومه يخرج من رمضان منتصرًا قويًّا، وقد تحصل على سبل الهداية تحقيقًا لوعد الله تبارك وتعالى:"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت:69]. وفي مدرسة رمضان نتربى على الصبر وتحمل المشاق كذلك حينما نذوق مرارة الجوع والعطش من غير ضجر ولا صخب، وهنا نستشعر حال إخواننا الفقراء والمساكين الذين لا يجدون كفاف العيش، ولا يتيسر لهم قوام أبدانهم، وهذه المشاعر لا بد أن تكون حاضرة في البال طوال العام، وإنما تتأكد في رمضان لأجل مضاعفة الأجور، والسعي الدؤوب لرضى الله، ونيل غفران الذنوب، والعتق من النيران – والعياذ بالله – فلا بد من هذه المشاعر أن تثمر برًّا وإحسانًا إلى هؤلاء الفقراء، وهذا كله يؤدي إلى نشر الرأفة، والرحمة بين أبناء المجتمع، واستحضار أجر تفطير الصائم فـ «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» (أخرجه ابن ماجه)، فكيف إذا كان هذا الصائم من الفقراء والمساكين! فإن إطعامه يضاعف الأجر، ويغرس الحب في قلبه، ويقارب بين القلوب لتحيا النفوس بروح الإسلام وتعاليمه السمحة.
وما كان ذلك إلا تطوافًا سريعًا بين بعض ما يناله الصائم ويكتسبه من مدرسة الصيام إن أتقن العمل الذي مبدؤه صلاح النية في تثمير ما لديه من طاقات وإمكانات لاستغلال الشهر الفضيل فيما يحبه ربه ويرضاه، ويعود بالنفع والفائدة له ولأبناء مجتمعه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.