عبدالله بن علي الرويشدي
قد أنزل الله -تبارك وتعالى- أعظم كتبه (القرآن الكريم) على أعظم رسله محمد -عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم- معجزةً خالدة، وآيةَ صدقٍ مشاهدة، باقية بقاء الدهر، نبراسا للموحدين، وهداية للمتقين، فبزغ بزوغ الفجر الساطع يبدد حنادس الظلمات، ويسري في أنحاء الوجود سريان أشعة الشمس في أرجاء البسيطة، فتستضيء بأنواره القلوب المؤمنة، وتتطهر بهداه النفوس من أدرانها، وتنشط في عبادة ربها، لاهجة بذكره وشكره، ومسبحة بالثناء عليه وحمده، فهو كما قال بارئه العليم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52)
ولقد تلقاه نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشغف بالغ، فأخذ يسارع في تحفظه، حتى خاطبه ربنا -سبحانه- بأن يتمهل ولا يتعجل في تلقي ما يلقى عليه منه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ (القيامة: ١٦ – ١٩)، وهذه الآيات الكريمات تصف حالة نفسية عاشها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أول تلقيه للوحي، حيث كان حريصا على أن يتحفظ الآيات في عجلة بالغة فأُمِر بالرفق، ثم أُمِر بأن يرتل القرآن ترتيلا بكل هدوء وسكينة: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤)، فسواء في حالة تحفظ القرآن الكريم أو في حالة تلاوته عليك أن تراعي التأني وعدم الاستعجال.
وكفى بهذا دلالة على أهمية العناية بتجويد تلاوة القرآن الكريم، وألا يجعل القارئ للقرآن همّه في ختم الحروف بسرعة مهملا أحكام التلاوة، فإن هذا أمر يستطيعه كل قارئ، ولقد أثنى الله -عز وجل- على أولئك الذين يراعون حق تلاوة كتاب ربهم فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ١٢١) ، ولقد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عندما سُئلت عن قراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولها: "كانت قراءة مفسرة..حرفاً حرفاً"، وهذا يدل على أن تحسين القراءة سنة فعلية ثابتة، وورد أن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع رجلا يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ٦٠، مقصورة من غير مد، فأنكر عليه قائلا: "ما هكذا أقرأنيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"، ثم قرأها بالمد، وهذا دالّ على أن القراءة المجودة هي سنة متوارثة، كان بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقريء أصحابه، ويعوّدهم عليها، وهي الباب الواسع الذي يلج منه تالي القرآن الكريم إلى ساحة التدبر الأمثل لكتاب الله العزيز.
فالمميزون من التالين لكتاب الله -تعالى- هم أولئك الذين يتمهلون ولا يتعجلون، فيقرؤونه بتؤدة، ويتلونه بتدبر وتأمل، ويتوسلون -بطريق إحسان التلاوة- إلى فهم مقاصد القرآن الكريم، والكشف عن أسراره ومعانيه، يقول الحق تعالى﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) ، هؤلاء الموفقون هم الذين أتقنوا الانتقال من ختم الحروف إلى فهم مقاصد القرآن الكريم، فإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وفقها في دينهم، وحرصا على طاعة ربهم، يتعبدون لله -تعالى- حق التعبد بتلاوتهم المرتلة لكتابه، فيحرصون على التدبر والتفكر فيما يقرَؤُون، حتى إن أحدهم ليصف تنقله بين سور القرآن الكريم بتطوافه في بستان مليء بأنواع الزهور والأشجار المثمرة والورود والرياحين، وآخر يعيش المشاهد التي يرسمها القرآن الكريم للنعيم وللجحيم، فلا يزال أثناء قراءته ما بين خوف ورجاء، ورغبة ورهبة، وإشفاق ووجل، ولقد أجاد الإمام أبوحمزة الشاري رحمه الله وهو يصف تفاعل أصحابه مع آيات كتاب الله -تعالى- نتيجة تدبرهم في التلاوة بقوله: "ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه"، ذلكم التفاعل الإيجابي إنما هو ثمرة تلاوتهم المتدبرة، وحرصهم على قراءة القرآن الكريم بعلم وفهم، وتركيز وتأمل، مع إيمان راسخ باليقينيات التي جاءت في الكتاب المبين.
وحتى يكون تالي القرآن الكريم مؤهلا للوقوف على مقاصده يأتي تحفظ القرآن وحمله في الجوانح في مقدمة وسائل تفهم المقاصد القرآنية، وقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ”إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، أي كالبيت الذي أصابه الخراب فلا ينتفع به من يسكنه الانتفاع الملائم، لا يقي حرا ولا يدفع بردا ولا يكنّ من احتمى به من مطر، بعكس من حمل القرآن بين جوانحه، واهتم بتحفظه عن ظهر قلب، يقول الله -تعالى- مثنيا على أمثال هؤلاء: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٩).
وهكذا يتوسل المسلم بما استطاع تعلمه من العلوم النافعة إلى مقام فهم المقاصد القرآنية، من مثل النحو والصرف والبلاغة واللغة والفقه والأصول ومصطلح الحديث والسيرة النبوية وغيرها؛ حتى يترقى الفهم عنده لكتاب الله -سبحانه وتعالى- ويسمو، فإن مدارك الإنسان تتسع باتساعه في العلم، وغير خاف أن بيننا وبين فهم القرآن الفهم التام مراحل، يقول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩)، قدّم -سبحانه- ذكر النتيجة قبل المقدمة؛ للفت الانتباه إلى فائدة التعلم الحقيقية المرتكزة على تدبر المقاصد القرآنية، والتي تظهر في إقبال العبد على العمل الصالح، وقيامه بالمندوبات فضلا عن قيامه بالمفروضات.
ونقف وقفة الآن مع تعداد أهم مقاصد القرآن الكريم والتي يأتي في مقدمتها: غرس العقيدة الحقة؛ من توحيد الله -عز وجل- وعدم الإشراك به، ومن الإيمان به وبرسله الكرام، وفي مقدمتهم نبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام-، ومن الإيمان بملائكته، وكتبه، واليوم الآخر وما ينتظر المكلفين من جمع للحساب، وثواب وعقاب، ومن الإيمان بقضاء الله -تعالى- وقدره، ومن ولاية أولياء الله، والبراءة من أعدائه، ومن تصديق الإيمان بالعمل الصالح، ومن وجوب شكر الله -تعالى- على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا تستقصى، ومن التجافي عن دار الغرور، ومن الحذر من ألاعيب الشيطان ومكايده، ومن وجوب الدعوة إلى دين الله الحق، والحذر من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن الصبر على فعل الطاعة وترك المعصية، ومن المسارعة إلى الخيرات، ومن تفنيد أباطيل أعداء الله -تعالى- على اختلاف توجهاتهم، ومن العمل على إعلاء كلمة الله، وإسكات لغط أهل الباطل، وإخماد نار أهل الشرك والكفر والعناد والشقاق والنفاق، ومن تربية الأهلين والأولاد على الخير، وعشرة الأهل بالمعروف، ومن القيام بالمندوبات فضلا عن الواجبات، ومن الابتعاد عن المكروهات فضلا عن المحرمات، ومن التخلق بمحامد الأخلاق والبعد عن سفاسفها. والخلاصة أن مقاصد كتاب الله -تعالى- تدور حول ستة محاور رئيسة؛ وهي: العقيدة، والتشريع، والقصص، والأخلاق، والإعجاز، والتزكية.
ومقصد التزكية من أعظم المقاصد التي تدور حولها أكثر آيات القرآن الكريم، وقد صرح كتاب الله -تعالى- بهذا المقصد المبارك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:9) ، ويقول: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ الأعلى: ١٤ - ١٥ ، ويقول ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ – ١٠)، وفي سبيل تقرير هذا المقصد العظيم نوّع القرآن الكريم أساليب خطابه ما بين ترغيب وترهيب، وإطناب وإيجاز، وحقيقة ومجاز، وقصص وأمثال، وإغراء على فعل الخير، وتحذير من فعل الشر، وبيان لأحوال النفس وتقلباتها، وكيفية معالجة صفاتها المذمومة، وتحفيزها على الاقتداء بالصالحين الأخيار، والبعد عن مساوئ الفجار، الذين يدعون سرا وعلانية إلى النار، أجارنا الله منها وهو الرحيم الغفّار، والحمد لله على ما يسر وأعان من الحديث عن الانتقال من ختم الحروف إلى التدبر المقاصدي، والفهم المحمود لآيات الكتاب المبين، والحمد لله رب العالمين .