ثريا بنت ناصر الراشدية

يقول الله تعالى: "إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ"[البقرة: ٢١٧]. إن الصدقة من أعظم صنائع المعروف التي تتسارع إليها النفوس السخية والأيادي الندية، طمعا في ثواب الله وابتغاء لمرضاته، وهي عبادة عظيمة تقوم على الإخلاص وحسن الإتقان، ووضع العطاء في موضعه الصحيح؛ ليكون رحمة لا شقاء، وأملا لا ألما، وإحياءً للكرامة لا مساسًا بها. ومن هنا كان أصل السؤال: هل كل معروف نصنعه نمنحه بحب وعدل وحكمة؟؟، ويصل حقا إلى حيث أراده الله؟ ويلاقي أوجه البر التي أذن بها الشرع؟ فكم من معروفٍ ضاع أجره بالمنّ! وكم من صدقةٍ أُبطلت بالأذى! وكم من عطاءٍ لم يُحْسِن صاحبه توجيهه، فكان عاقبته خسرا، لا بركة فيه ولا نماء.
لقد حثنا ديننا الحنيف على الصدقات، وضاعف لنا فيها الأجور والحسنات، يقول الله جل في علاه:"مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"[البقرة: ٢١٦]، ويقول الرسول الكريم ﷺ:«ما نقصَ مالٌ من صدقةٍ»(أخرجه مسلم)، فما أنفقناه في سبيل الله لا يذهب هدرا، إن الله يخلفه في الدنيا والآخرة وما عند الله خير وأبقى ، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}[ سبأ: ٣٩]، وقد فتح لنا الله أبوابا كثيرة للبر والإحسان ننفق فيها من أموالنا ونبذل فيها أنفسنا و جهدنا ومشاعرنا الصادقة كل حسب سعته ومقدرته، فعن النبي ﷺ قال:«مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، » وقوله ﷺ:«تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدَقةٌ، وأمرُك بالمعروفِ ونهيُك عن المنكرِ صدَقةٌ، وإرشادُك الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالةِ لك صدَقةٌ، وإماطتُك الأذى والشَّوْكَ والعظْمَ عن الطَّريقِ لك صدقةٌ، وإفراغُك من دلْوِك في دلْوِ أخيك لك صدقةٌ» فإن دروب الخير كثيرةٌ، وحوائجُ الناس متفاوتة ، منهم من يعان بالمال لسد حاجته كإطعام جائع، وكِسوة عارٍ، وكفالة يتيم، وإعانة طالب علم فقير، ومنهم من تغنيه الابتسامة الصادقة ويُسَرّ بالكلمة الطيبة فتطرد عنه هما وتزيل عنه غما، فيا أيها الناس أعطوا من أنفسكم كما تعطون من أموالكم، فرب بسمة مع العطاء تنقذ السائل وتنعش روحه أكثر من العطاء، ورب كلمة خير تحيي الجار والقريب، ورب ابتسامة في وجه ذي الحاجة خير من قضائها مع الكبرياء والاستحقار، والمن عليه بعد النوال، قال تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة :263]
ومع هذه الوجوه الكثيرة فإن بذل المعروف لم يقتصر على بني آدم فحسب، حتى البهائم والحيوانات لنا فيها نصيب وافر من الإحسان والأجر، قال رسول الله ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلا هِي أَطْعَمَتْهَا وَلا هِي أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا» (صحيح البخاري).
وكما أن الإسلام رغب في الإنفاق وحث على صنائع المعروف المختلفة فقد وضع قيودا وآدابا عامة تحفظ للمنفق عمله وتضاعف أجره وتُحَسِّن معروفه، أّهمها الإخلاص لله، فهو أساس قبول الأعمال { إنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[البقرة: ٢٧]، والإنفاق من الكسب الحلال الطيب { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: ٢٦٧]، والإنفاق بما أحبته النفس وظَنَّت به، لا بما أرادت الخلاص والتخلص منه. قال تعالى:{ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ } [ آل عمران ٩٢ ]، وعدم المن والأذى على الفقير بعد النوال، فإن هذه الأمور تبطل الصدقات ، قال تعالى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ} [البقرة: ٢٦٤]
كذلك من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان عند الصدقة والإحسان أن لا ينفق ماله على حسب ما تملي له نفسه أو ما تفرضه عليه عادات الناس ومجاملاتهم، وإنما ينفقه فيما أذن به الشارع، فهو مالك للمال والعبد مستخلف فيه ويحاسب يوم القيامة على إنفاقه وكسبه. فلا يطلق يده في الإنفاق ويضر بنفسه، ولا يمسكها فيبخل على غيره، وإنما يكون وسطا في إنفاقه لا مبذرا ولا مقترا، فلا يعد معروفا من أنفق ماله مخيلة وإسرافا ووصل إلى حد الترف والبذخ، كمن يكرم ضيوفه ويفطر الصائمين بصنوف الأطعمة التي قد لا تمتد إليها يدٌ وإنما تلقى في المزابل، فإن الإسراف والترف سببٌ للهلاك وحلول النقم، ومنذرٌ بزوال النعم، أذل الله به أقواما، وأفقر به شعوبا، وأفنى به أمما. فليست العبرة بكثرة العطاء والإنفاق، ولكن بحسن النية وإتقان المعروف، ووضعه حيث أراده الله. فداوم يا أخي على صنع المعروف وكن متقنا في أدائه، فخير الأعمال أدومها وإن قل، وجمالها في إحسانها، وكما قال الشافعي:
لا تحقرن من المعروف أصغره
أحسن فعاقبة الإحسان إحسان