الوقت أهم ما ينبغي على الإنسان أن يحفظه ويعتني به، فبحسن إدارته ينال محاسن الدنيا، وخيرات الآخرة، ومن بين أستار ليله ونهاره، ينتزع العباد خيرية امتداد أعمارهم بتثميرها في إحسان أعمالهم:
«خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (أحمد: 17680) فلا ينال فضل الزمان إلا من فهم جوهر معناه، وجعل ما يفنى من عمره معمورًا باغتنامه لحقيقة الوقت، فتجده قد أدرك أن الوقت لا يختزل في عقارب الساعة، إنما هو أنفاس العباد، ما يمر منها تقريب في الآجال، وتضييق لفسحة الآمال، ونقص في الأعمار، وهي نعمة مخدوع بها كثير من العباد، فكما قال صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغ» (البخاري: 6412)، والغبن هو الخديعة، ويحصل عندما تأتي الفرصة ويضيعها ، فتخسر من حيث يأتي الربح، ولقد ورد عن الحسن البصري: " لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمال وتقريب الآجال" فالحرص على الزمن من صفات المفلحين، ومن سير العلماء العاملين، ومن دلائل هممهم العالية التزامهم بالمواقيت وحفاظهم عليها.
لما فهموا عميق معنى الأوقات، ارتقوا المجد بسعة العلم، وقد أرشدهم لهذا الفهم ما جاء من قَسَمٍ بالأوقات في القرآن الكريم، فقَسَمُه -سبحانه- بمواقيت وأزمنه متعددة، هو إشارة لعظمة دلالة المقسم به؛ فالعظيم لا يقسم إلا بعظيم. فيقسم -سبحانه- بالليل وتارة بالعصر وتارة بالفجر، ثم تأتي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لتبين لنا أن ما من عبد يوم القيامة إلا ويسأل عن ساعات عمره فيما قضاها وأفناها، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: « لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَن أَربع» ثم ذكر من الأربع «وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ» ( الترمذي، 2417)، ومما يرشدنا لحسن استغلال علماء الأمة على أهمية الوقت وإتقان ثوانيه، ما نجده من تراث علمي عظيم، وهذا الإمام السالمي -رحمة الله عليه- ترك كمًّا علميا لا يستهان به رغم قصر عمره، ولا يدرك هذه المنزلة إلا من فهم حقيقة الوقت وأحسن التعامل معه، بإتقانه لدقة المواعيد.
تربية رمضان في إتقان دقة المواقيت:
ومن أراد أن يسلك مسلك الصالحين في إتقان المواقيت، وتربية نفسه على دقة المواعيد، له في شهر رمضان الكريم فرصة حَرِيَّة بالاغتنام، فقد اقترنت عبادة الصيام بزمن معين وحددت بميقات دقيق.
فالصيام ليس مجرد طقس تعبدي، بل هو مدرسة أخلاقية ومحضن تربوي يهذب النفس ويصقل السلوك. ففي دقة مواقيته—بين إمساك عند الفجر وإفطار عند الغروب—درس بليغ في الانضباط وإتقان الالتزام بالوقت؛ إذ يدرك الصائم أن اللحظة الواحدة قد تفصل بين صحة العبادة وفسادها. ومن هذا الانضباط يكتسب المرء القدرة على التحرر من العادات التي تستهلك العمر في التوافه، ليجد في يومه بركة وفائضا من الوقت، موجها طاقته نحو الإنتاجية السامية وإعلاء شأن الروح والعقل وفق فقه ناضج للأولويات.
نماذج من العلماء في إتقانهم لدقة المواقيت:
فهذا المحقق الخليلي الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي -رحمه الله- عرف بدقته المتناهية في كل شؤون حياته، من تدقيق المسائل الفقهية إلى انضباطه الشخصي، ومما أثر عنه انضباطه الشديد في بدء وقت الدرس؛ لأنه كان يرى إضاعة وقت الطالب هي إضاعة لعمره. ومثله الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، كان مثالا يحتذى به في دقة المواعيد، فكان إذا حدد موعدا يحضر قبل الموعد بدقيقة ويقف عند الباب، فإذا دقت الساعة تماما دخل وبدأ، ويذكر أنه في إحدى المرات تأخر بعض الأعيان عن مجلسه، فبدأ الشيخ الدرس في وقته دون انتظارهم، فلما حضروا وسألوه:" لماذا لا تنتظرنا؟ قال: (الوقت ملك لله والانتظار ضياع لحق من حضر في موعده).
المؤمن لا تمر عليه التكاليف مرورا عابرا، بل يتعلم منها وينظر لعمق تفاصيلها، فيخرج بصياغة أفضل لشخصيته، فرمضان ليس مجرد طقوس يمتنع فيها العباد عن ملذات الطعام والشراب، بل هي مدرسة في فقه الدقائق، وتظهر حقيقة تثمير الوقت في تلمس بركته، وذلك لا يكون إلا بالانضباط على المواعيد، فمن يقدر على ضبط غريزته بالثانية خلف نداء "الله أكبر"، هو قادر بلا شك أن يضبط فوضى حياته، ويحترم مواعيده. فلا بد أن يكون انضباطنا في رمضان انطلاقًا لنهج دائم، نقدر فيه قيمة الزمن، ونبني من خلاله حضارة تحترم المواعيد، فيلتزم الموظف ساعات عمله، ولا يخل بها، فهو حق الوطن الذي استؤمن عليه، وإهداره مرتبط بحرمة ماله، وله من سير العلماء والصالحين الذين أدركوا أن ما يضيع من الوقت لا يمكن استدراكه، فكيف له أن يعوض حق الوطن الذي أضاعه، وهو قد أبرم عقدا بالتزامه ساعات معينة، والمؤمنون على عقودهم، فإن لم يقدر حقيقة الوقت التي استؤمن عليها، فهو عرضة لتضييع الأمانة، فلزاما على صاحب الأمانة أن يعي بأن الزمن وعاء لا يقبل أن يملأه إلا بما استخلفه الله فيه، ويظهر ذلك بالتزامه دقة الوقت، وبإتقانه صنيع ما يعمر به وقته، ليتبارك رزقه، ويحسن عمله، وتسلم آخرته، وتشمله خيرية العاملين المحسنين.