عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الأولى، فكرة شراء غرينلاند، تفاعل العالم بدهشة وعدم تصديق. بدا الأمر عبثيًا بالكامل، أقرب إلى الكوميديا: خيال إمبراطوري يتنكّر في هيئة تفاوض عقاري؛ ومع ذلك، فإن غرينلاند مهمة فعلا، ووضعها قد يترتب عليه أثر بعيد المدى.

إن تجدد الاهتمام بأكبر جزيرة في العالم يعكس تصورًا يرى أن العالم يتجمع تدريجيًا في ثلاث مناطق نفوذ، تتمحور حول الولايات المتحدة وروسيا والصين. وبينما يرفض بعضهم هذه الرؤية الجيوسياسية باعتبارها سوقية على طريقة ترامب، فإن الحقيقة المقلقة أنها ليست حكرًا عليه، وليست ـ بالكامل ـ بلا منطق.

ومع انحسار حقبة ما بعد الحرب الباردة، تعود إلى الواجهة بنية أكثر إقليمية وتنافسية للنظام الدولي. فالقوى الكبرى تُشكّل محيطها القريب لا بدافع الطموح وحده، بل لأن لها قيودا أيضا. وكلما امتد النفوذ إلى الخارج، بدأت الجغرافيا والقدرة الداخلية أو مقاومة الخصوم تفرض ثقلها. وروسيا والصين والولايات المتحدة، كل منها قوة نووية عظمى وأكبر دولة في نطاقها الجغرافي، لكن كلا منها مقيد بعوامل كثيرة خارج سيطرة حكومتها.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، أعاد الكرملين تثبيت نفوذه على جيرانه عبر السيطرة الإقليمية، والصراعات الهجينة والمجمّدة، وأدوات الضغط الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، ظلت بيلاروسيا مرتبطة بروسيا منذ زمن عبر الاعتماد على الطاقة والتكامل الأمني، إلى حد أنها فقدت سيادتها عمليا دون أن تُضم رسميا.

كما دعمت روسيا جيوبًا انفصالية في مولدوفا وجورجيا، وساعدت في ترسيخ حكومات استبدادية في أفريقيا، وضمّت شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم بدأت حربا واسعة النطاق في أوكرانيا.

غير أن هذه الجهود جاءت بكلفة استثنائية، وما تزال نتيجة حاسمة بعيدة المنال. وقد لا يبعث ذلك على كثير من الطمأنينة لدى جيران روسيا الأصغر في شرق أوروبا، لكنه يشير إلى أن مجال نفوذ الكرملين له حدود واضحة ونهائية.

الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تميل إلى الاعتماد على الأدوات الاقتصادية أكثر من العسكرية، ويبدو أن امتدادها أكثر عالمية من امتداد روسيا.

وقد وظّفت روابط التجارة والاستثمار لتحقيق مكاسب جيوسياسية؛ فعلى سبيل المثال، عمدت كمبوديا ـ التي تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والاستثمارات الصينية ـ إلى تعطيل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مرارا عن انتقاد المناورات الصينية في بحر الصين الجنوبي عامي 2012 و2016. وبالمثل، بعد أن استحوذت شركة «كوسكو» الصينية المملوكة للدولة على حصة أغلبية في ميناء بيرايوس عام 2016، استخدمت اليونان حق النقض ضد بيان للاتحاد الأوروبي ينتقد الصين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

لكن نفوذ الصين له حدود أيضًا؛ فمبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقتها لتمويل مشروعات بنية تحتية خارج حدودها تسببت في كثير من الأحيان بضغوط ديون، وأثارت مقاومة سياسية.

وإضافة إلى ذلك، تواجه الصين في الداخل تحديات عديدة، منها تباطؤ النمو، والانكماش الديموغرافي، ونقاط ضعف هيكلية في الاقتصاد والقطاع المالي. وعلى غرار روسيا، تبقى قدرتها على إسقاط القوة خارج جوارها المباشر محدودة.

وقد صُوّر اندفاع إدارة ترامب في الآونة الأخيرة داخل الأمريكيتين على نطاق واسع بوصفه قطيعة مُربِكة مع السياسة الخارجية الأمريكية السابقة. غير أن الواقع أنه يعكس، بقدر ما يعكس مزاج ترامب، حوافز بنيوية كامنة. فرؤساء أكثر تقليدية ـ بلغة ألطف ودبلوماسية أكثر انضباطًا ـ سعوا إلى الغايات نفسها، وواجهوا القيود نفسها.

لننظر، على سبيل المثال، إلى أن دوريات الحدود الأمريكية سجّلت قرابة سبعة ملايين «واقعة مواجهة» مع مهاجرين (أي عندما يُوقَف شخص عند الحدود أو يُطرَد منها) خلال الفترة 2021-2024، وأن نحو 86% من الهيروين و93% من الكوكايين المستهلكَين في الولايات المتحدة يدخلان عبر المكسيك.

في عالم مثالي، كانت الولايات المتحدة ستتجه إلى إجراءات داخلية تقلّص استهلاك المخدرات والطلب عليها داخل المجتمع الأمريكي، وتحدّ من الهجرة عبر جعل دول المنشأ أكثر أمنا وازدهارا، لكن ذلك لم يحدث. إجمالا، ما يزال تعاطي المخدرات غير المشروع واسع الانتشار، وحتى الجهود حسنة النية لدفع نمو اقتصادي مستدام وإصلاحات مؤسسية متينة قد تحتاج أجيالًا كي تُنتج ثمارها.

وبدلًا من ذلك، حاولت الولايات المتحدة (في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين على السواء) كبح التدفقات غير المرغوب فيها من الأشخاص والسلع عبر ممارسة الضغط على جيرانها – وخصوصا المكسيك.

فعل الرئيس باراك أوباما ذلك من خلال دبلوماسية هادئة وتعاون مؤسسي، مُؤطِّرًا إنفاذ القوانين بوصفه شراكة، مع توسيع ضبط الحدود خلف الكواليس. أما ترامب، فعلى النقيض، فيعتمد المواجهة العلنية والإكراه، مستخدما الرسوم الجمركية وغيرها من التهديدات لفرض امتثال سريع وردع من يفكرون في الهجرة.

وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب، يبقى الهدف الكامن ـ تشكيل سياسات الجيران بما يخدم المصالح الأمريكية ـ ثابتا.

وهذا يعيدنا إلى غرينلاند؛ صحيح أن الغضب من تهديدات ترامب مفهوم، لكن الصدمة تنطوي على قدر من السذاجة. فهذه ليست المرة الأولى التي تُظهر فيها الولايات المتحدة علنا اهتماما بغرينلاند، أو تُثبت أنها تريد هامشا أوسع للتصرف الأحادي في القطب الشمالي. لقد استكشفت خيارات شراء الإقليم في القرن التاسع عشر، واحتلته خلال الحرب العالمية الثانية، وعرضت شراءه مباشرة عام 1946، ثم رفضت بعد ذلك التخلي عن وجودها العسكري هناك.

كما دفعت الولايات المتحدة باتجاه تجاوز القيود التي يفرضها «اتفاق الدفاع عن غرينلاند» المبرم بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951، وذلك عبر مبادرات أحادية مثل «مشروع آيس وورم»، وهي خطة لنشر صواريخ نووية تحت الغطاء الجليدي. وبالمثل، تعاملت الولايات المتحدة مع «الممر الشمالي الغربي» باعتباره مضيقا دوليا، وتسببت في أزمات دبلوماسية مع كندا التي ترى أن هذا الممر جزء من مياهها الداخلية.

لقد هدأت توترات الولايات المتحدة مع حلفائها في القطب الشمالي بعد الحرب الباردة. لكن مع ذوبان الجليد بما يفتح مسارات بحرية جديدة في المنطقة القطبية، ويُكثّف منافسة جيوسياسية متجددة على النفوذ هناك، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لغرينلاند، ولم تعد عودة الاحتكاكات أمرًا مفاجئًا؛ فروسيا راسخة بالفعل في القطب الشمالي، بينما تضع الصين الأسس عبر أبحاث علمية مزدوجة الاستخدام، وكاسحات جليد، وتقنيات قادرة على العمل في البيئة القطبية، وتعاون متزايد مع روسيا.

مسرحيات ترامب صدامية، لكن الدافع الكامن خلفها مألوف: ضمان حضور أمريكي وقدرة على اتخاذ قرارات أحادية، وحرمان الخصوم من الوصول، والسيطرة على نقاط استراتيجية في الخريطة. وربما كان رئيس آخر سيعتمد دبلوماسية أهدأ وإدارة أفضل للتحالفات، إلا أن الهدف ـ تعظيم هامش الحركة العملياتية لحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية ـ سيبقى على الأرجح هو نفسه.

قد تكون الجغرافيا والأمن والاقتصاد تعيد تشكيل العالم إلى ثلاث مناطق نفوذ متنافسة. لكن أحداثا حديثة تُظهر أن للقوة حدودًا. توسّع روسيا كان باهظًا إلى حد مُدمّر. والصين مقيّدة بضغوط داخلية متصاعدة. أما التحوّل الأمريكي نحو «الأميركيتين» – رغم الضجيج – فقد ينطوي على اعتراف بأن التفوق لا يمكن استدامته من دون حلفاء.

الانشغال بترامب يُفوّت الصورة الأكبر؛ فالقوى البنيوية، أكثر من الشخصيات، هي التي تدفع التغير الجيوسياسي. والإقرار بذلك شرط أساسي للعثور على مساحة للتسوية، وتجديد التحالفات اللازمة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي.