الخبر الجيد الصادر عن مؤتمر ميونيخ للأمن هو أنّ العلاقة عبر الأطلسي لم تشهد تدهورًا دراميًا. فبعد صدمة العام الماضي، حين أذهل جي دي فانس الحضور بهجوم أمريكي مباشر على الديمقراطيات الليبرالية الأوروبية، استُقبلت النبرة التي بدا ماركو روبيو أكثر تصالحًا من خلالها بوصفها «مطمئنة» من كثيرين في القاعة، بينهم فولفغانغ إشينغر، الدبلوماسي الألماني المخضرم ورئيس المؤتمر. بل إن وزير الخارجية الأمريكي نال تصفيقا وقوفا ـ إيماءة ربما كانت أقرب إلى التنفّس الصعداء منها إلى الإعجاب.
لكن هل تختلف رسالة إدارة ترامب إلى أوروبا اليوم حقا عن تلك التي تضمّنها هجوم فانس قبل 12 شهرا؟ وما الأفخاخ التي يجري نصبها؟ وأي دروس ينبغي للأوروبيين أن يستخلصوها؟
قبل عام، اتّهم فانس أوروبا بأنّها ترضخ ـ بحسب زعمه ـ لطغيان «الليبراليين المستيقظين» ورقابتهم، وبأنّها فقدت البوصلة تجاه الروابط الثقافية التي تصل بين ضفّتي الأطلسي. وقد أربك هجومه القادة الأوروبيين الذين، وإن كانوا يميلون أحيانا إلى اجترار أزماتهم الداخلية، لا يرون في تقييد حرية التعبير مصدر القلق الأول لديهم.
صدم نائب الرئيس الأمريكي ميونيخ بإصراره على أنّ أكبر تهديد تواجهه أوروبا هو تهديد «الاستيقاظ» القادم من الداخل، في الوقت الذي كان يبارك فيه قوميين من اليمين المتطرف، بينهم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD).
وكانت الإهانة عميقة إلى الحد الذي دفع المستشار الألماني هذا العام، فريدريش ميرتس، إلى استغلال خطابه الافتتاحي لتوجيه تحذير فظ من القيم الأميركية الأحادية، معلنا بوضوح أنّ «الحرب الثقافية لحركة ماغا ليست حربنا».
ومع يأس الأوروبيين بحثا عن الطمأنة، كانوا مستعدين لالتقاط أي إشارة تضامن أطلسي في خطاب روبيو. وقد قدّم وزير الخارجية كلمات دافئة، احتفى فيها بالإرث الثقافي والتاريخ المشتركين، وبالتحديد بالمسيحية بوصفها مكوّنا من مكوّنات الغرب. وادّعى أنّ الولايات المتحدة، «طفلة أوروبا»، لا تنوي إدارة انحدار الغرب، بل هي مصمّمة على قيادة نهضة حضارية غربية.
غير أنّ ما تحت السطح يكشف شيئا آخر: خطاب روبيو هذا العام وخطاب فانس في 2025 وجهان لعملة واحدة. كان خطاب فانس فظا وصادما، بل ساذجا. وفي زمن تتراجع فيه الديمقراطية في معظم مناطق العالم، يصبح الادعاء بأنّ مشكلة أوروبا الأكبر هي نقص حرية التعبير أمرًا عبثيًا بكل معنى الكلمة.
كان خطاب روبيو أكثر مراوغة وتماسكا، لكنه في الجوهر أنشد من الكتاب نفسه: رسالة واشنطن ما تزال تقول إنّ أوروبا والولايات المتحدة ينبغي أن تُعرفا بمنظومة قيم إثنو-سياسية قوامها الثقافة والتقاليد والدين.
أمّا حقيقة أنّ هذا التاريخ نفسه أنجب أيضا القومية والعنصرية والفاشية والاستعمار، فذلك ـ على ما يبدو ـ مما لا يدعو إلى الخجل.
في أوروبا، قد نكون ظننا أننا طوينا الصفحة، وأننا نعرّف القارة على النقيض من ماضيها: تبنّي قيم مدنية وتنويرية تتمثل في الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون وتعدديّة الأطراف والشمول والاندماج، ورفض آفة القومية.
لكن بالنسبة لحَمَلة لواء حركة «ماغا»، فالقومية هي ما ينبغي الاحتفاء به. والنظام القائم على القواعد ليس ميتا فحسب، كما يعترف قادة أوروبيون أنفسهم؛ بل هو، وفق توصيف روبيو، «أمرٌ أحمق صراحة».
لكن إذا كان المطلوب رعاية «الحضارة الغربية» بينما لا تُرعى القواعد، فإن الرؤية التي رسمها روبيو هي، في أساسها، رؤية إمبراطورية. في هذا التصوّر، تُربَط الأمريكتان وأوروبا بسلسلة النسب وبالدين؛ «متصلتين روحيًا»، على حد تعبير روبيو. وعلى القوى القومية المتباهية على ضفّتي الأطلسي أن تخوض معا معركة ضد العولمة، وثقافة الإلغاء، و«المحو الحضاري» الذي يُزعم أنّ الهجرة الجماعية تهدّد به.
لكن «القرن الغربي» ـ وفق هذه الرؤية ـ سيُوسَم بقوةٍ عارية تُمارَس أولًا وقبل كل شيء داخل الإمبراطورية نفسها، من القوي ـ الولايات المتحدة ـ ضد الضعفاء: دول أوروبية صغيرة ومتوسطة، وكندا، ودول أمريكا الجنوبية.
داخل الإمبراطورية، يمكن أن توجد ـ بل ينبغي أن توجد ـ مؤسسات، بدءا من حلف شمال الأطلسي. غير أنّ نية الولايات المتحدة واضحة تماما: عليكم أن تدفعوا ـ وهو أمر عادل ـ لكننا نحن من يقرّر ـ وهو ليس كذلك.
وستوجد إمبراطوريات أخرى في العالم، من بينها روسيا والصين، وستتنافس معها الإمبراطورية الأمريكية. لكنها أيضا مستعدة للتعاون، وربما حتى للتواطؤ، ولا سيما إذا كان ثمن هذا التواطؤ سيدفعه «رعاياها» الاستعماريون.
كانت رسالة روبيو أكثر رقيًا واشتغالًا على الاستراتيجية من رسالة فانس؛ لكنها كانت بالقدر نفسه خطِرة، وربما أشد خطرًا، تحديدا لأنها خفّضت حرارة التوتر عبر الأطلسي وقد تكون أغرت أوروبا بإحساس زائف بالطمأنينة. وكما قال بنجامان حدّاد، وزير شؤون أوروبا في فرنسا، في ميونيخ، قد تميل أوروبا مرة أخرى إلى إغراء الضغط على زر الغفوة.
ثمّة أسباب وجيهة للاعتقاد بأن ذلك لن يحدث؛ فقد تحدّث ميرتس، إلى جانب إيمانويل ماكرون، وكير ستارمر، وبيدرو سانشيز، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، جميعا عن ضرورة الاستقلال الأوروبي، وعن إعطاء مضمون عملي للمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي ـ وهي تعهّد بالمساعدة المتبادلة في حال التعرّض لهجوم ـ وعن «أطلسيّة» مُؤورَبة.
وكما صاغتها فون دير لاين: الخطوط التي جرى تجاوزها لا يمكن «إلغاء تجاوزها» والعودة عنها. حرب روسيا على أوكرانيا ـ التي تقترب من ذكراها السنوية الرابعة ـ أضافت عنصر الاستعجال. وكذلك فعل التذكير الرصين من رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، بأنّ تهديد الولايات المتحدة لغرينلاند لم يختفِ.
ومع أنّ العزم الأوروبي والعمل الجماعي سيستمران على الأرجح، فإن معظم الطاقة ستُكرس للعمل داخل الأطر الأطلسية القائمة، ولا سيما «الناتو»، وهذا بالفعل ينبغي أن يكون مسارا أساسيا؛ فكون المملكة المتحدة وإيطاليا ستتوليان، كل منهما، قيادات داخل «الناتو» بدلا من الولايات المتحدة، يشير إلى خطوة مهمة نحو تأسيس «ركيزة» أوروبية داخل الحلف الدفاعي. وستظل الولايات المتحدة عنصرا حاسما، إذ توفّر القيادة والسيطرة، والقدرات المتخصصة، وفوق ذلك المظلّة النووية.
ويعتقد دبلوماسيون أنّ «الناتو» عند نهاية هذا المسار سيبدو مختلفا جدا، بحيث تمثل الولايات المتحدة نحو خُمس قدرته العسكرية أو أقل، بعد أن كانت تمثل ما دون النصف بقليل اليوم.
غير أنّ السؤال الجوهري يبقى: إذا كانت الولايات المتحدة مدفوعة برؤية إمبراطورية تتباعد فيها مصالحها الاستراتيجية عن مصالح أوروبا ـ وإذا لم تعد واشنطن ترى في روسيا فلاديمير بوتين تهديدا للأمن القومي ـ فهل ينبغي للأوروبيين أن يعلّقوا آمالهم الأمنية حصريا على «ناتو» مُؤورَب؟
إنّ قيام ركيزة أوروبية داخل «الناتو» هو الطريق الأكثر فعالية نحو أوروبا آمنة، مع تقليص الولايات المتحدة لمسؤوليتها عن دفاع القارة. وهو، بالتأكيد، أكثر قابلية للتحقق بكثير من تحويل الاتحاد الأوروبي إلى حلف عسكري، أو حتى الدفاع عن أوروبا عبر «ائتلافات إرادة وقدرة» مُقنّنة ورسميّة.
لكن عمليا، لا يمكن لهذا المسار أن يضمن أمن أوروبا إذا مضت الولايات المتحدة في منحاها الإمبراطوري الحالي. فإذا غادر الأوروبيون فندق «بايريشر هوف» المزدحم في ميونيخ وهم يشعرون بطمأنينةٍ زائفة، فإنهم يخاطرون بالسير مباشرة إلى الفخ الذي نصبته لهم «أمريكا ماغا».
ناتالي توتشي كاتبة عمود أوروبا في صحيفة الغارديان
تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي