عاد الملف النووي الإيراني إلى جنيف أمس محمولا بمفارقة ثقيلة؛ مفاوضات تبحث عن أمل «اتفاق عادل»، فيما ترفع واشنطن لغة الإنذار. يكرر ترامب أن على إيران أن تبرم اتفاقا جديدا وإلا «ستتحمل النتائج». وفي خلفية المشهد حشد عسكري أمريكي يتضخم كأنه جزء من تعريف الاتفاق نفسه، لا ورقة ضغط عابرة. وهذا الأمر يفقد الدبلوماسية معناها وينزلها إلى دور ثانوي.
تستند إيران في هذه المفاوضات إلى تجربة قريبة؛ حديث عن تقدم سابق في مسار التفاوض، ثم قطيعة، ثم عودة إلى الطاولة تحت سقف تهديد أعلى. ومع ذلك تحضر مجددا، وتلمح إلى استعدادها لتقديم تنازلات مقابل رفع العقوبات وفتح باب الاستثمار. في الظروف العادية كان يمكن قراءة هذا الميل نحو التسوية بوصفه مكسبا للمنطقة وللاقتصاد العالمي، وفرصة لخفض التوتر في واحدة من أكثر الجبهات قابلية للاشتعال. لكن «العادي» لم يعد قاعدة في لحظة تتصرف فيها القوة كأنها معفاة من منطق السياسة نفسه.
وفي كل الأحوال تبقى العقدة واحدة، حتى لو خرجت جنيف بنتائج إيجابية، لا شيء يضمن أن ذلك سيقنع واشنطن بإخراج الحرب من الحساب؛ لأن الأمر لا يتوقف على نص الاتفاق بقدر ما يتوقف على المزاج الذي تدار به القوة.
المشكلة لا تخص إيران وحدها؛ إنها تخص العالم كله. غياب المعايير عن السياسة يجعلها تتحول إلى استعراض، وعندما يتكرس هذا الاستعراض ويصبح هو القاعدة فإن التهديدات تكون هي لغة السياسة اليومية والطبيعية. نحن أمام نموذج قوة لا يكتفي بأن يلوح بقوته من أجل الضغط. نموذج يسعى إلى تثبيت سلطته عبر إظهار أنه يستطيع فعل ما يريد، وتبديل موقفه متى شاء.
عندما كان النظام العالمي أقرب للتماسك ـ حتى لو لم يكن عادلا ـ كانت هناك قيود تضبط الإيقاع: حلفاء يضعون أثمانا، ومؤسساتٌ وأسواق تمنع المغامرات، وتوازنات تمنع الانزلاق إلى الفوضى. أما اليوم فالعالم يبدو أكثر تفككا من أن يفرض على واشنطن اتساقا في خطابها. أوروبا غارقة في انقساماتها وقلقها الأمني، والصين مشتغلة بصراع طويل على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، واليابان تتحرك بحذر داخل حسابات تاريخية صارمة، والمنطقة نفسها تتأرجح بين الخوف من الحرب والرغبة في تجنب دفع كلفتها. وفي قلب ذلك يقف الخليج بوصفه خط تماس بين الاقتصاد والطاقة واحتمالات الشرارة.
تحتاج تهديدات ترامب اليومية لإيران أن تقرأ بما هو أكبر من ملف نووي؛ إنه رسالة إلى العالم تقول: المركز هنا، والقواعد تكتب هنا، ومن لا يملك قوة الردع السياسية والاقتصادية والأخلاقية سيجد نفسه تابعا لمزاج لحظة واحدة في واشنطن. الأخطر أن هذا المنطق لا يعمل حتى بمنطق الهيمنة التقليدية التي كانت تسعى إلى «نظام» يخدم مصالحها. ما نراه أقرب إلى هيمنة بلا هندسة، قوة تراكم أدواتها، لكنها لا تبني استقرارا يمكن أن تعيش داخله.
أمام إيران، الصورة قاسية وواضحة في آن؛ أي حرب ـ مهما كان مسارها ـ لن تكون في صالحها. صحيح أن السيادة قيمة مركزية، لكن حماية الناس ومكتسبات الدولة وقدرتها على البقاء والعمل ليست هامشا في معادلة القرار. تحتاج طهران إلى قدر أعلى من الذكاء والمرونة في هذه اللحظة. والمرونة لا تعني التنازل عن الحق، ولكن تعني تجنب تحويل البلد إلى ساحة اختبار لإرادة طرف آخر.
لكن المسؤولية لا تقف عند طهران. العالم كله معني بأن يستيقظ، لا لأن إيران قضية أخلاقية مجردة، بل لأن ترك دولة ذات جذور حضارية وسياسية لتدار كملف تهديد دائم يعني أن النموذج سيتكرر. اليوم إيران، وغدا قد يكون غيرها. ومنطق الأشياء يقول إن ما يحاك لبلد واحد، إذا نجح، يصبح جسرا لغيره.
الضعف الذي يفتح الباب لهذا المسار ليس ضعفا عسكريا فقط. الضعف الأخلاقي والثقافي والسياسي لا يقل أثرا. ولهذا يحتاج العالم إلى صحوة تبدأ بإعادة بناء عناصر القوة التي تمنع الانفراد بالقواعد، وتعطي للدبلوماسية دورها وتمنع أي طرف من تحويل العالم إلى ملحق لقراره الداخلي.
وإذا كان العالم أمام لحظة تشكل نظام جديد، فالمطلوب استعادة القدرة على الفعل عبر تنسيق سياسي حقيقي وفعال. أوروبا معنية بهذا بصورة مباشرة لأنها أول من سيدفع ثمن الفوضى قرب حدودها. والصين واليابان معنيتان لأن اقتصاداتهما تقوم على استقرار لا ينتجه المزاج. والقوى الإقليمية معنية لأن الحرب في الخليج ستكون زلزالا تتشقق معه الأسواق والخرائط معا.
نجاح جنيف لن يقاس بتوقيع اتفاق، بل باختبار واحد: هل ما زال العالم قادرا على منع القوة من أن تتحول إلى معيارها الوحيد؟