في الكتب الفكرية ألتزم تماما بمحاولة نقل النص إلى عربية مضبوطة -
أصعب ترجمة قمت بها لكتاب«مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى»
كنت شديد الحساسية لملاحظات المحررين والمدققين لكني الآن أتقبلها -
يعد الشاعر عبد الرحيم يوسف أحد المترجمين المصريين البارزين، وهو صاحب إنتاج غزير، فقد صدرت له مؤخراً ثلاث ترجمات، الأولى لديوان الشاعرة المالطية ليان إللول "القصائد البيضاء"، والثانية لكتاب الفلسطينية الألمانية نجاة عبد الحق "مجتمعات اليهود واليونانيين في مصر"، والثالثة لكتاب الباحثة الأمريكية جيسيكا وينيجار "حسابات الإبداع". في هذا الحوار يحدثنا عن تحديات الترجمة وعقباتها وكيف تغلب عليها وهو ينقل تلك الأعمال وغيرها إلى العربية، وكيف يترك أصوات المؤلفين الذين يترجم لهم ويعود إلى صوته الخاص حينما ينظم قصائده.
_____________
كيف تنظم وقتك لتتمكن من إنجاز كل هذه المشروعات المتنوعة بين الترجمة والكتابة؟
في عام 2018 أنهيت خدمتي في وزارة التربية والتعليم المصرية معلماً للغة الإنجليزية بعد عشرين عاماً من العمل بهذه الوظيفة المهلكة والمؤذية والممتعة معاً! كنت قد حصلت قبلها بعام على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب فرع ترجمة الأعمال الفكرية، وزادني هذا عزماً على الخروج المبكر على المعاش والتفرغ للترجمة. بعد خروجي في أكتوبر 2018 شعرت بفائض كبير من الفرحة والحرية، وبدأت على الفور في تنظيم يومي، أنا الذي اعتدت طوال عشرين عاماً على كراهية النظام! لكني في الحقيقة أنظم يومي بطريقة حرة. أنا أحب السهر جداً وأعمل كثيراً في الليل في صحبة الموسيقى، أستيقظ في الظهيرة حيث أمارس روتيناً يومياً من التمارين الرياضية ثم قراءة ملخص إخباري لجريدة النيويورك تايمز، وبعدها أبدأ العمل على الترجمة حتى المساء. ثم أخرج للتمشية والجلوس على المقهى والقراءة وأعود في الليل لأكمل العمل والقراءة. هكذا تسير أغلب أيامي، لكني أنقطع أحياناً عن العمل في حالة الاستعداد لندوة أو الذهاب في رحلة أو أجازة. يمكنني القول إن جدولي منتظم وفي الوقت نفسه مرن جداً.
_____________
هل التنظيم هو سبب غزارة ترجماتك؟
أظن ذلك. يسمح لي وقت العمل الكبير بإنجاز المطلوب مني في وقته، وأحياناً كثيرة قبل موعده. لم أتأخر حتى الآن عن موعد تسليم كتاب اتفقت عليه، وهذا من فضل ربي!
_____________
كيف توازن بين لغة المترجم التي تلتزم بنص الآخر وبين لغة الشاعر التي تمثل روحك؟
يتوقف هذا على نوعية العمل الذي أترجمه، في حالة ترجمة الأعمال الفكرية وغير الأدبية ألتزم تماماً بمحاولة نقل النص إلى عربية مضبوطة ومفهومة بالطبع لكن دون إبراز تفضيلاتي اللغوية والأسلوبية لو جاز القول، أما في حالة ترجمة الأعمال الأدبية فأسمح لنفسي بحرية ضبط إيقاع الجملة والاجتهاد مع المجازات والأخيلة لكن دون شطط أو ابتعاد عن النص الأصلي.
_____________
وفقاً لأي معايير تختار الأعمال التي تقرر نقلها إلى العربية، هل تخضع لذائقتك الخاصة أم لاحتياجات المكتبة العربية أم يقترحها عليك الناشر؟
في الحقيقة أغلب ترجماتي جاءت باقتراحات من ناشريها، أحياناً تسمح لي الثقة التي بنيتها مع ناشرين معينين باقتراح كتب معينة، أو إبداء رأيي في مشروعات مختلفة يستشيرني فيها أحدهم. وأنا في الحقيقة محظوظ باقتراحات الأصدقاء الناشرين التي تثير حماسي أولاً كقارئ أو تجعلني أتعامل مع منطقة في الأدب أو الفكر جديدة عليَّ. أنا أيضاً قارئ أسعى وراء المتعة إلى جانب الفائدة والعمق.
_____________
ما هو أجمل كتاب ترجمته وما هو أصعب كتاب؟ وكيف تغلبت على تلك الصعوبة؟
السؤال الأول صعب، استمتعت كثيراً أثناء ترجمتي لعدد من الكتب، وحتى لا أبدو متهرباً من السؤال سأضرب بعض الأمثلة: من أمتع تجاربي في الترجمة تجربتي مع كتب الباحثة والروائية الهولندية مينيكه شيبر التي ترجمت لها أربعة كتب منذ عام 2017 وحتى الآن. أخص بالذكر كتابيها "المكشوف والمحجوب: من خيط بسيط إلى بدلة بثلاث قطع" و"تلال الفردوس: تاريخ الجسد الأنثوي بين السلطة والعجز". في كل كتبها تأخذنا شيبر في رحلة معرفية هائلة لتتبع ظاهرة ما: مثل فكرة الملابس والخجل من الجسد في المكشوف والمحجوب، أو التعامل مع الجسد الأنثوي اشتهاءً وازدراءً وستراً وكشفاً في تلال الفردوس، متنقلة بين القصص التاريخي والديني والأدب والصحافة باعتبارها متخصصة أصلاً في الأدب المقارن والدراسات الثقافية. وأنا ممتن للصداقة التي انعقدت بيني وبين الكاتبة والبروفيسورة الكبيرة بسبب هذا التعاون في الترجمة.
أما عن أصعب الكتب فكانت ترجمتي لرواية الشاعر والكاتب الفلبيني ألفريد يوسون "مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى" المكتوبة في الأصل بالإنجليزية لكنه يمزجها مع كلمات إسبانية وأخرى من لهجات الفلبين وثالثة من اختراعه هو! كما يقوم باستدعاء هائل للتراث الأسطوري الفلبيني وتراث الألعاب والطعام والتاريخ الأدبي والثقافي للفلبين. تعرفت على الكاتب في القاهرة أثناء مهرجان القاهرة الأدبي عام 2019 وبدأت أراسله لأستشيره فيما غمض عليَّ من نقاط، وأحياناً كان يرد عليَّ بإيموجي ضاحك معتذراً بأن هذه الكلمة من اختراعه! وكذلك كانت ترجمتي لرواية "طين المقابر" للروائي الأيرلندي مارتين أوكاين (1906-1970) المكتوبة في الأصل بالأيرلندية وصدرت لأول مرة عام 1949. قمت بترجمة هذه الرواية عن ترجمتين إلى الإنجليزية. الأولى قام بها الكاتبان الراحلان ليام ماك كون أومري وتيم روبنسون، والترجمة الثانية قام بترجمتها إلى الإنجليزية الكاتب آلان تيتلي. وبالتالي فهذه الترجمة مدينة لعمل ثلاثة مترجمين كبار بذلوا جهداً كبيراً في نقل هذا العمل الضخم والاستثنائي إلى الإنجليزية بعد ما يقرب من خمسة وستين عاماً على نشره لأول مرة بالأيرلندية ليمثل علامة هامة في حياة كاتبه وفي تاريخ الأدب الحديث المكتوب بالأيرلندية.
كانت المقارنة بين ترجمة كل جملة تساعدني كثيراً في الوصول إلى معنى أوضح وربما إلى صياغة أقرب. رغم أن الترجمتين كانتا أحياناً تختلفان في مواضع -قليلة- إلى حد التناقض؛ لكني في ذلك كنت أميل إلى الأكثر منطقية منهما في سياق الموضع نفسه. بشكل عام كانت ترجمتي لهذه الرواية شديدة الإرهاق والإمتاع.
_____________
كيف تتعامل مع ملاحظات محرري دور النشر وهل تقبل بتدخلهم في صياغتك للترجمة؟
كنت في البداية شديد التعنت والحساسية، لكني الآن أتقبل وأنتظر ملاحظات المحررين والمدققين، أتقبل بامتنان كبير تصحيحاتهم حال الخطأ وأحاول إقناعهم باختياراتي في حالة الضرورة.
_____________
ترجمت مؤخراً ديوان "القصائد البيضاء" للشاعرة المالطية ليان إللول، فما الذي جذبك إلى هذه المغامرة الجمالية؟
هذا أول ديوان شعري يصدر بترجمتي رغم أني ترجمت الكثير من القصائد عبر السنوات الطويلة الماضية ونشرت ملفات عن شعراء في جريدة "أخبار الأدب" المصرية ومجلة "إبداع" وغيرهما. عندما اقترحت عليًّ دار النشر الديوان تحمست لأكثر من سبب: هذه أول مرة تقترح عليَّ دار نشر ترجمة ديوان شعري، وترجمة الشعر تسمح لي بأكبر نقطة التقاء بين المترجم والشاعر فيَّ. زاد حماسي بعد قراءة ترجمة القصائد إلى الإنجليزية، الديوان مكتوب أصلاً بالمالطية، وإحساسي بجودة التجربة وتميزها.
_____________
في "القصائد البيضاء"، تشتبك الشاعرة مع تفاصيل يومية وعائلية دقيقة، كيف استطعت نقل هذه التفاصيل دون أن تفقد شعريتها في اللغة المصدر؟
اجتهدت بالطبع ولا أزعم أني نقلت الشعرية الأصلية، رغم اطلاعي بالمناسبة على النص بلغته الأصلية التي صرت أجيد قراءتها وفهمها لأن أغلبية مفردات المالطية عربية الأصل مع مزيج من الإيطالية والإنجليزية! استعنت بالشاعرة نفسها لاستيضاح بعض النقاط، وبالمترجم الصديق ألبرت جاتّ مترجم القصائد إلى الإنجليزية. وفي النهاية حاولت كما كتبت في كلمتي أن ألتزم قدر الإمكان بلعب الشاعرة بترتيب الجمل وتشكيل السطور. وأزعم أني استمتعت بالتجربة في المقام الأول.
_____________
كتاب الفلسطينية الألمانية نجاة عبد الحق "مجتمعات اليهود واليونانيين في مصر" يتناول تاريخاً اقتصادياً شائكاً، ما هي الصعوبات التي واجهتك في ترجمة المصطلحات التاريخية والأرشيفية الدقيقة؟
انتهيت من ترجمة هذا الكتاب عام 2019 بتكليف من الكاتبة نفسها، وشاركنا الصديق نائل الطوخي العمل كمحرر للنص حتى قبل الاتفاق مع دار النشر. كل المصطلحات التي مثلت مشكلة لي ناقشتها مع الكاتبة التي تجيد العربية بالطبع ومع نائل. المشكلة الحقيقية في الكتاب بالإضافة إلى ضخامته كانت ضخامة جداوله وكثرة رسوماته البيانية. وقد خضع لمراجعات وتعديلات كثيرة، وأنا سعيد لخروجه أخيراً إلى النور.
_____________
بماذا خرجت من تجربة ترجمة هذا الكتاب فيما يخص رؤيتك للتحولات التي طرأت على الشخصية المصرية؟
سأقتبس هنا من كلمة القيادية النسوية الفلسطينية عايدة توما–سليمان: "السرديات الصهيونية الساعية إلى اقتلاع اليهود من المجتمعات التي كانوا جزءاً منها واستقدامهم للاستيطان في فلسطين شوهت تاريخ شعوب المنطقة العربية، فوصفتها بالعنصرية والملاحقة لليهود، ويأتي هذا الكتاب تصحيحاً لغبن تاريخي، بحيث يعيد إلى مجتمع الشعب المصري صورة بهية من تاريخه تكشف جوانب التعددية والتسامح التي كانت حية تنبض".
_____________
في كتاب "حسابات الإبداع" تناقش الباحثة الأمريكية جيسيكا وينيجار عالم الفن المصري، كيف ساعدتك خلفيتك الثقافية في ترجمة الأسئلة المحورية حول الحداثة الفنية في مصر؟
هذا كتاب آخر ترجمته بالاتفاق مع الكاتبة وانتهيت منه في 2023 وظهر إلى النور مع معرض القاهرة للكتاب. وفي الحقيقة كنت قد شاركت في هذا الوقت بترجمة فصلين إضافيين في الطبعة الجديدة لكتاب الباحث الفرنسي الكبير ريشار جاكمون "بين كتبة وكُتَّاب" الذي صدرت طبعته الأولى بترجمة الراحل الكبير بشير السباعي. ورأيت أن الكتابين معاً يمثلان مشروعاً مهماً لدراسة الواقع والتاريخ الثقافي والأدبي والفني لمصر. أعتقد أن أي مهتم بالمشهد الثقافي المصري سيجد فائدة كبيرة في قراءة هذه المتابعات والقراءات والتحليلات المعمقة، وهو ما وجدته أنا عن نفسي.
_____________
هل هناك مشروع ترجمة جديد يشغلك الآن ويمكننا اعتباره مكملاً لهذه السلسلة من التحولات المصرية؟
صدرت لي العام الماضي ترجمة لكتاب الباحثين صامولي شيلكه ومختار سعد شحاتة "هوامش مشتركة: دراسة إثنوجرافية مع كُتاب في الإسكندرية بعد الثورة"، وحالياً هناك مشروع جارٍ الاتفاق عليه لترجمة كتاب لباحثة أمريكية عن المشهد الأدبي المعاصر في مصر لم يصدر بعد في أمريكا، يصدر أغسطس القادم، وأتمنى أن ننجح في الاتفاق على ترجمته.