يعد العسل المحلي ذا شهرة كبيرة ومن الأغذية المفضلة في أوساط العمانيين وغيرهم، في هذه المقالة نحاول أن نسلط الضوء على الدراسات العلمية حول العسل المنتج محليا بأصنافه المختلفة، لنطلع على ما توصلت له هذه الأبحاث العلمية من تقييم لأصناف العسل المحلي.
لكن وقبل البدء في استعراض هذه الدراسات سنتحدث عن العسل ومكوناته وآثاره الغذائية بشكل عام، إذ يعد العسل من أقدم وأشهر المنتجات الطبيعية التي عرفها الإنسان منذ القدم، وهو مادة لذيذة ومغذية يجمعها النحل من رحيق الأزهار، فهو خليط معقد من مكونات طبيعية تعطيه خواصه الفريدة وفوائده الصحية العديدة.
عسل النحل من الناحية العلمية هو خليط طبيعي معقد من السكريات البسيطة مثل: الجلوكوز والفركتوز اللذين يشكلان حوالي ٧٠٪ من محتواه، بالإضافة إلى نسبة ماء تتراوح بين ١٥ و٢٠٪ تؤثر على قوامه وصلاحيته، ويتضمن العسل أيضا أحماضا عضوية، فيتامينات ومعادن، مضادات أكسدة وإنزيمات طبيعية تساعده في مقاومة البكتيريا، إن هذه التركيبة تجعل من العسل غذاء غنيا ومصدرا سريعا للطاقة، لكنه يحتاج إلى التعامل معه بحذر خاص لمرضى السكري، وكذلك الذين يقضون أوقاتا طويلة جالسين على مكاتبهم فالأفضل لهم تناول كميات محددة منه، والخلاصة إذا كنت ترغب في تناول كميات كبيرة منه، فتأكد قبل البدء بتناوله، بأنك ستستهلك الطاقة الناتجة من تناوله بممارسة الرياضة أو بعض الأعمال البدنية الشاقة والتي ستقوم باستهلاك الطاقة الناتجة من تناول العسل، وبحسابات تقريبية إذا كان وزنك ٧٠ كغم فعليك أن تجري ما بين ٣.٥ إلى ٤.٥ كم لكي تستهلك الطاقة التي اكتسبتها من تناولك ١٠٠ جرام من العسل.
الدراسات العلمية التي تناولت العسل العماني كشفت عن تنوع ملحوظ في الجودة حسب النوع والمنطقة والظروف البيئية، ومن أبرز هذه الدراسات كانت دراستان للدكتور م. الفارسي وزملائه عام ٢٠١٨، والتي نشرت في مجلة (Food Chemistry )؛ حيث تم تحليل ٥٨ عينة من ١٨ منطقة مختلفة في عمان، ركزت على ثلاثة أصناف رئيسية: عسل السدر، عسل السمر، والعسل متعدد الأزهار.
أظهرت الدراسة أن عسل السدر والذي ينتج عادة في فصل الخريف يمتاز بجودة عالية، مع مستويات رطوبة معتدلة، حموضة ضمن الحدود المقبولة، وانخفاض في مركب 5 هو اختصار لـمركب يسمى 5-هيدروكسيل ميثيل فورفورال (-Hydroxymethylfurfural5) (HMF)، الذي يعد مؤشرا على تعرض العسل للحرارة أو التخزين السيئ، كما لوحظ في بعض عينات السدر زيادة في نسبة السكروز، مما قد يشير إلى تغذية النحل بالسكريات الصناعية أو تلاعب في المنتج، إضافة إلى انخفاض نشاط إنزيم دياستاز، مؤشر آخر على تعرض العسل للحرارة أو التخزين لفترة طويلة.
أما عسل السمر، فكان له وضع مختلف، فهذا العسل الذي يُنتج في حرارة الصيف العالية، عانى من ارتفاع ملحوظ في الحموضة، مما قد يشير إلى تخمر أو تحلل جزئي، إضافة إلى ارتفاع كبير في مركب HMF ونشاط إنزيمات متغير، مع وجود عينات دون الحد الأدنى، مما يوحي بسوء المعالجة أو التخزين، أما العسل متعدد الأزهار أظهر جودة أقل مقارنة بالسدر، مع مشكلات في الحموضة، نشاط الإنزيمات، وارتفاع HMF .
استنادا إلى هذه النتائج، فسّر الفارسي وزملاؤه ارتفاع الحموضة وHMF في عسل السمر كمؤشرات لسوء الحصاد، المعالجة، والتخزين، لكن هذا التفسير، رغم أنه منطقي، لا يأخذ في الحسبان الخصائص الطبيعية لعسل السمر المرتبطة بأصالته النباتية والبيئة الحارة التي يُنتج فيها.
من منظورنا، وبالاستعانة بدراسات أحدث، نرى أن ارتفاع الحموضة في عسل السمر هو سمة طبيعية مرتبطة بالأصل الزهري للعسل ودرجة الحرارة المرتفعة في موسم الإنتاج، وليس بالضرورة علامة تدل على فساد أو سوء تخزين، وهذا يتفق مع دراسات في مناطق أخرى مثل السعودية؛ حيث عسل الطلح
يحمل حموضة مرتفعة بسبب أصله الزهري، وليس نتيجة سوء المعاملة، لكن ارتفاع تركيز HMF مازال أمرا مقلقا، ويشير بوضوح إلى تعرض العسل إلى الحرارة العالية أو إلى التسخين وربما سوء التخزين، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن البعض يسوق لعسل السمر بأنه يحتوي على سكريات أقل من عسل السدر ولذا فهو أنسب لمرضى السكر مثلا، إلا أن ذلك غير صحيح فتراكيز نسب السكر لا تختلف كثيرا بين هذين الصنفين، والإحساس بأن حلاوة السمر أقل من حلاوة السدر ليس بسبب انخفاض تراكيز السكريات فيه بل بسبب ارتفاع الحموضة الحرة .
فضلاً عن ذلك، أظهرت دراسة ثانية للفارسي وزملائه نفس العام نشرت في مجلة (Heliyon ) تقييمًا لمحتوى الفلافونويدات والفينولات ومضادات الأكسدة في ٢٦ عينة من العسل العماني، وقد وُجد أن عسل السمر يحمل أعلى تركيزات من مضادات الأكسدة، تفوق عسل السدر ومتعدد الأزهار، ويتميز بلونه الداكن المرتبط بمستوى عالٍ من الفينولات والفلافونويدات، ما يعزز قيمته الصحية.
دراسة أقدم أجراها السجواني وزملاؤه عام ٢٠٠٨ نشرت في مجلة (International Journal of Food Properties.) وركزت الدراسة على محتوى السكريات والبروتينات في ٥١ عينة من العسل العماني، حيث تبين أن السكريات المختزلة مثل الفركتوز والجلوكوز هي المكون الأساسي، مع نسب منخفضة من المالتوز والسكروز، معظم العينات لم تتبلور بعد ١٨ شهرًا، ما يشير إلى خصائص فيزيائية مميزة، كما لاحظت الدراسة اختلافات بين مواسم الصيف والشتاء في محتوى السكريات، مع عدم وجود فروق كبيرة بين المصادر النباتية وأنواع النحل.
على مدار سنوات طويلة، أجرى فريق بحثنا دراسات متعددة على مضادات الأكسدة في العسل العماني، مع التركيز على مقارنة العسل المحلي بأنواعه المختلفة والعسل التجاري المستورد، وقد تم تحليل ٢٣ عينة من مناطق متعددة أظهر تفاوتًا كبيرًا في مضادات الأكسدة، حيث وصل عسل السمر إلى مستويات مرتفعة جدًا تجاوزت ٦٠٠ ملغ/كغ في بعض العينات، مقارنة بعسل السدر الذي تراوحت فيه المستويات بين ١٦ و٢٠٨ ملغ/كغز
كما شملت الدراسة مقارنة مع ست عينات من العسل التجاري المستورد من دول مثل المملكة المتحدة، السعودية، الولايات المتحدة، أستراليا، والهند، وقد تراوحت تراكيز مضادات الأكسدة في هذه العينات التجارية بين ٣٦ و٩٥ ملغ/كغ، مما يجعلها في الغالب أقل من مستويات مضادات الأكسدة في عسل السمُر المحلي، وبعضها يقارب أو أقل من عسل السدر.
مع ذلك، لوحظ أن بعض الأنواع التجارية قد تحتوي على تركيزات مضادات أكسدة أعلى من بعض العينات المحلية الأقل جودة، على سبيل المثال، عينة من العسل التجاري السعودي سجلت ٩٥ ملغ/كغ، وهي قيمة أعلى من عدة عينات من عسل السدر المحلي التي كانت ضمن نطاق أقل من ذلك، وهذا يشير إلى أن الجودة من حيث تراكيز مضادات الأكسدة ليست محصورة فقط في العسل المحلي، وأن بعض العسل التجاري يمكن أن يكون منافساً جيداً.
دراستنا الأحدث عام ٢٠٢٥ قامت بتقييم مجموعة متنوعة من أنواع العسل العماني، بما في ذلك أنواع نادرة مثل «الزهرات الأربع» و«القصّم»، وقد كشفت الدراسة تباينًا ملحوظًا في محتوى السكريات، حيث سجل عسل «العيطمان» محتوى منخفضًا بشكل غير معتاد من السكر (حوالي ٣٠٪) مقارنة بالنطاق الطبيعي ٤٥-٧٥٪، مما يثير تساؤلات حول تصنيفه كعسل. ومع ذلك، تميز العيطمان بمحتوى عالي من مضادات الأكسدة، مما يجعله فريدًا.
أبرزت الدراسة أيضًا الفارق الكبير في محتوى مضادات الأكسدة بين أنواع العسل، حيث تميزت الأنواع النادرة الأصلية بمستويات عالية جدًا من مضادات الأكسدة، تراوحت بين ١١٧ و٣٢٥ ملغ/كغ، مقارنة بأنواع أخرى تراوحت بين ١٠٢ و١٩٧ ملغ/كغ، ويعكس هذا الفارق القوة المضادة للأكسدة التي تتمتع بها بعض أنواع العسل النادرة، مما يمكن أن يكون له تأثيرات صحية مهمة.
اشتملت الدراسة على تقييم ثمانية أنواع مميزة من العسل العماني الأصلي، حيث وصف كل نوع بمصدره النباتي، موقع تواجده، ووقت إزهاره، إلى جانب محتوى مضادات الأكسدة الخاص به، ومن بينها عسل «الزهرات الأربع» المستخرج من نبات Boswellia sacra في جبال الحجر والذي يتميز بأعلى محتوى لمضادات الأكسدة (٣٢٥ ملغ/كغ)، وعسل «القصّم» من نبات Ziziphus hajarensis الذي سجل أيضًا محتوى مرتفعًا جدًا (٣٠١ ملغ/كغ)، أما عينة العيطمان والتي لوحظ فيها انخفاض بمحتوى سكري منخفض، فقد لوحظ فيها أنها تحتوي على مضادات أكسدة عالية نسبياً، مما يجعله فريدًا بين العينات.
تقدم هذه النتائج رؤية معمقة عن جودة العسل العماني وتنوعه، مع تأكيد خاص على الخصائص الفريدة للأنواع النادرة من حيث القوة المضادة للأكسدة، التي تعزز من قيمتها الصحية والتجارية، وتشير الدراسة إلى أهمية هذه المعطيات في دعم صناعة العسل في عمان، من خلال تحسين إنتاج عسل عالي الجودة قادر على المنافسة محليًا ودوليًا، مما يرفع من مكانة العسل العماني في الأسواق.
إن هذه الدراسات العلمية التي تناولت العسل العماني المحلي تشير إلى تنوعٍ واضحٍ في جودة وخصائص الأصناف المختلفة، مع تميز واضح لعسل السدر من حيث نقاوته واستقراره، بينما يتميز عسل السمر بارتفاع تراكيز مضادات الأكسدة لكن هناك بعض التحديات، وذلك لأنه يتم إنتاجه صيفا حيث ترتفع درجات الحرارة بصورة كبيرة جدا، لذا فهناك تحديات متعلقة بالتخزين والمعالجة والتي قد تؤثر على جودته، كما أكدت الأبحاث الحديثة المحتوى العالي من مضادات الأكسدة في بعض الأصناف النادرة مثل «الزهرات الأربع» و«القصّم»، مما يعزز من قيمتهما الغذائية والتجارية.
كما تشير الدراسة إلى صعوبة باللغة في معرفة جودة العسل بالطرق التقليدية المتعارفة، أو من خلال الاعتماد على مصدر العسل أو نوعه، فالعسل يتأثر بالبيئة وطريقة التخزين بصورة كبيرة، لذا فلابد من ربط الجودة والسعر بعملية التحليل لمكونات العسل حفاظا على الموارد المالية للمستهلك، فليس من الإنصاف أن يدفع المستهلك مبالغ كبيرة لعسل ذا جودة متدنية.
إن فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية المتنوعة للعسل العماني، إلى جانب التركيز على الأنواع النادرة، يفتح آفاقًا لتعزيز مكانة العسل العماني في الأسواق المحلية والعالمية، ويدعو إلى المزيد من البحوث لدعم تطوير هذه الصناعة الحيوية.