يتميز الوجود البشري بقلق ضخم تجاه حقيقة فناءه، ويمتلأ التاريخ بمحاولات البشر المختلفة للتعامل مع هذا القلق من الفناء، بدءًا من أول مرّة رسم فيها إنسان الكهف مشهد الصيد ليخلد ذكراه، مرورًا بكتب التاريخ التي توثق الأحداث التاريخية الكبيرة، والآثار الضخمة التي بناها البشر لتكون علامة لا تُغفل عن وجودهم. لم يعرف القلق البشري أن آثار وجود البشر قد خُلدت بالفعل، وأن البشر الآن يعيشون في كوكبٍ يحمل آثار وجودهم في كل بقعةٍ منه، حتى تلك التي لم يستوطنوها قَط.
في عام 2018 قام علماء في جامعة أريزونا الأمريكية بتوثيق تاريخ البشر من عام 1100 قبل الميلاد إلى عام 800 بعد الميلاد – وهي الفترة التي تغطي قيام الإمبراطورية الرومانية وسقوطها – بالاعتماد على آثار الرصاص الذي تركه البشر آنذاك. يُمثل الرصاص جزءًا من عملية تعدين الفضة، التي تدخل في صناعة العملات والتجارة، مما يعني أنها تعكس صعود وانحدار النشاطات الاقتصادية. عندما أنتج العلماء رسمًا بيانيًا لنسب الرصاص على مدار المدة الزمنية المحددة، وجدوا توافقًا مذهلًا بين الأحداث التاريخية المعروفة وبين نسب الرصاص. فعلى سبيل المثال، ارتفعت معدلات الرصاص بشكل متسارع في عام 1000 قبل الميلاد، وهي نفس الفترة التي حدثت فيها التوسعات الفينيقة ونمت فيها التجارة في البحر المتوسط، وظلت المعدلات مرتفعة بشكلٍ متناسب مع نمو الإمبراطورية الرومانية، لكنها أيضًا انخفضت عندما تخلى الرومانيون عن منطقة السار ناحية شرق نهر الراين بعد خسارتهم لمعركة غابة تويتوبرغ. ومن المذهل أن قرارات الرومان في العملة كانت منعكسة بشكلٍ واضح في الرسم البياني، عندما قرر الرومان أن يتوقفوا عن صك عملات جديدة والتحول لإعادة استخدام ذات العملات، انخفضت نسب الرصاص بشكلٍ حاد، وعندما رجع الرومان بشكلٍ مؤقت لصك عملات جديدة، ارتفعت النسبة بشكلٍ موجز، ثم عادت بعدها إلى أقل المستويات عندما تحول النظام المالي الروماني إلى عملتين من الذهب والنحاس.
استخرج العلماء كل هذه المعلومات التاريخية من قطعة من جليد مستخرجة من جرينلاند، لكنها ليست أي قطعة، فهذا النوع من الجليد يُعرف بنواة الجليد (الإنجليزية: Ice core)، وهو كما يظهر من الاسم، قطعة مستخرجة من قلب طبقات الجليد. من المُثير للتأمل أن كل هذا التاريخ مستخرج من قطعة جليد لم تقترب منها قط أيًا من الحضارات التي ازدهرت واضمحلت، وهو ما يدل على قوّة تأثير الوجود البشري.
عادةً ما تستخرج نواة الجليد من أحد القطبين، لأنها المناطق الأبعد عن الحرارة، وهو ما يجعل استخراجها عملية مُعقدة وغير سهلة. بالإضافة إلى ذلك، فاستخراج نواة الجليد يحدث عادةً في مناطق مُخصصة معروفة بالـ Ice divide، وهي المناطق التي تقع عادةً في منتصف المرتفعات الجليدية، تقع هذه المناطق بعيدًا عن المُحيط وعن قواعد البحث المنصوبة بالفعل في القطبين، ما يتطلب فريقًا كاملًا في بعثة مخصصة تقوم برحلة عميقة في أحد القطبين. عندما تصل البعثة لموقعها، تنصب المخيمات ومن ضمنها مخيم آلة الحفر المصنوعة خصيصًا لاستخراج أنوية الجليد، وتستغرق العملية مجهودًا ضخمًا يجعل البعثات في المتوسط تصل إلى شهور بما يقارب عشرات المشاركين من العلماء والعمّال وغيرهم.
في عزلتهم عن العالم الخارجي، يقوم العلماء باستخراج أنوية الجليد، وهي عبارة عن عواميد طويلة قد يصل بعضها إلى ثلاثة وأربعة أمتار. تعتمد عملية تكون أنوية الجليد على تراكم طبقات من الثلج فوق بعضها، ومع التراكم يزداد الضغط حتى يتحول الثلج إلى جليد صلب مضغوط تمامًا. لأن الثلج المتراكم هو بالأساس عبارة عن مياه مُتكثفة سقطت من السحاب الذي حملها من أماكن بعيدة، تحمل المياه المكونة لكل طبقة نسبة معينة ومميزة من المواد التي تعكس تكوين المياه وبالتالي البيئة وقت تكون الجليد، ومع الوضع في الاعتبار أن تراكم الجليد في القطبين حدث لملايين السنين، يُمكن للعلماء أن يرجعوا بالزمن إلى ما يصل 800 مليون سنة كاملة عن طريق أنوية الجليد.
تُقطع أنوية الجليد بعد أن تُعلّم وفقًا للعُمق المستخرجة منه، على مدار الفترة الزمنية التي تقضيها البعثات العلمية، يقوم العلماء بتجميع عينات أنوية الجليد المختلفة وتخزينها لكي تُنقل فيما بعد للمعامل حيث تُجرى عليها الاختبارات. قد يبدو أنه من السهل حفظها أخذًا في الاعتبار الأجواء القطبية ودرجات الحرارة تحت الصفرية، لكن الغازات المحفوظة في نواة الجليد قد تبدأ في التحلل منها عند درجات حرارة أزيد من -18، وهو ما يحدث عندما يحل الصيف في القطبين. بشكلٍ يدعو للسخرية، تحتاج البعثة لأجهزة تبريد في القطبين، وتقوم بتشغيلها في أنفاق مخصصة لحفظ أنوية الجليد.
تحتوي بعض الأنوية على علامات بُنية مميزة، تدل هذه العلامات على نسبة من الكبريت وبالتالي حدث انفجار بركاني، لكن باقي النواة الشفافة ستكون مصدرًا على نفس الأهمية لمعلومات تمتد لآلاف السنين عن بيئة الأرض، وسيكون في المستقبل مصدرًا لورقة بحثية تنضم لأوراق كثيرة تؤكد على أثر البشر على البيئة والجو في كوكب الأرض. أخيرًا عندما تنتهي البعثة العلمية، تُشحن نواة الثلج على متن طائرة هيليكوبتر وتُخزن في بنوك حفظ أنوية الجليد، ثم يطلبها العلماء فيما بعد، لإجراء أبحاث مثل البحث الذي حدد فيه العلماء نسبة الرصاص ومنه التطورات على النشاط البشري. تجري هذه الأبحاث في غرف مُعقمة تمامًا، تُمثل النواة تاريخ ملايين السنين، وذرة تراب واحدة خاطئة قد تؤثر بالكامل على صحة كل هذا التاريخ. تؤرخ أنوية الجليد لطقس كوكب الأرض على فترات طويلة، قبل أن يبدأ البشر في تسجيل درجات الحرارة باستخدام التيرمومتر بدءًا من القرن التاسع عشر. يعتمد العلماء في تقدير الطقس من أنوية الجليد على نظائر الذرّات، وهي الذرات التي تختلف في عدد النيوترنات. على سبيل المثال، يتكون الأكسجين الشائع من 8 بروتونات و8 نيوترنات ويُعرف بالأكسجين 16، لكن نظائره قد تحتوي على 9 حتى 10 نيوترنات، وتُسمي تلك النظائر على الترتيب أكسجين 17 وأكسجين 18.
يصف العلماء ذرّة الأكسجين 16 بالـ«خفيفة» ونظائرها بالـ«ثقيلة»، وهي تسميات راجعة إلى الفرق في الكتلة. عندما يتبخر الماء ويتحول إلى سحاب، تكون المياه المحتوية على ذرّات الأكسجين – وكذلك نظائر الهيدروجين - الأخف أسرع من نظائرها الثقيلة، يتنقل السحاب في الغلاف الجوي نحو القطبين، ومع انخفاض درجات الحرارة، يبدأ الماء بالتكثف والتساقط، هنا تسقط الذرّات الثقيلة أكثر من الخفيفة، وتُستنفد سحابة الماء من النظائر الثقيلة حتى تصل إلى القطبين وتتساقط في شكل ثلج يحتوي على نسب قليلة من النظائر الثقيلة. لكن درجات الحرارة تختلف من فصلٍ لآخر ومن سنةٍ لأخرى، ما يعني أن نسب الثلج من النظائر الثقيلة مختلفة بالتبعية، وهو ما يستخدمه العلماء في تقدير درجات الحرارة القديمة من أنوية الجليد.
مع المعلومات التاريخية عن تغير درجات الحرارة، يستخرج العلماء سجلّات مشابهة لنسب الغازات وتوزعها، خصوصًا غاز ثاني أكسيد الكاربون، لفهم العلاقة بينه وبين الاحتباس الحراري.
على العكس من تقدير درجات الحرارة، الذي يرجع إلى طبقات الثلج نفسها، تُقدر نسبة الغازات من الجيوب الهوائية التي احتبست في طبقات الثلج، لكن هذا يخلق تحديًا تجاه دقّة التقديرات الزمنية.
لأن الثلج يتساقط على طبقات، فتضغط كل طبقة الأسفل منها. في الأول تتحول إلى طبقة من الجليد الخفيف، وبعد فترة من تراكم الطبقات وزيادة الضغط، يتحول هذا إلى جليد مُغلق تمامًا بما فيه من الغازات المحتبسة. في الفارق الزمني بين تحول الثلج إلى جليد مضغوط، يمتلأ الثلج بالفراغات التي تسمح للهواء القديم والجديد بالانتشار والاختلاط بين الطبقات المختلفة.
يعني هذا أن بعض الطبقات قد تكون من وقتٍ قديم بينما الغازات التي تحتوي عليها ترجع إلى أزمنة حديثة. لحل هذه المشكلة، يقوم العلماء بتأريخ الثلج، أحيانًا ما تكون الطريقة بسيطة معتمدة على ملاحظة الحلقات المتكونة عن التغيرات الموسمية لكنها ليست طريقة موثوقة دائمًا، أحيانًا أخرى يستخدم العلماء النظائر المشعة مثل مجالات الحفريات. أيضًا يعتمد العلماء على الظواهر الخارجية في نسب طبقات الثلج، مثل الانفجارات البركانية المعروف تاريخها والتي تركت بقايا منها في طبقات الثلج. إجمالًا، يستخدم العلماء مجموعة من الحوادث الخارجية بالإضافة إلى المعلومات الممكن استخراجها من النواة نفسها لتأريخه.
بعد أن تُنسب أنوية الجليد، يبني العلماء سجلًا تاريخيًا طويلًا يُمثل نسبة ثاني أكسيد الكاربون وغيره من الغازات. لا تقتصر أهمية السجلات على المعلومات التاريخية التي توثقها، فذات الأبحاث تُساعد على مُقارنة التأثير البشري الحالي بما كانت عليه الأرض من ملايين السنين، خصوصًا في علاقتها بالظواهر التي تُهدد البيئة وأهمها بطبيعة الحال الاحتباس الحراري. أظهرت السجلات التاريخية لثاني أكسيد الكربون أن كوكب الأرض يمر بالتناوب بين فترة جليدية وفترة غير جليدية، ويُعتقد أن سبب هذا التناوب هو التغيرات الطفيفة التي تحدث في مسار الأرض حول الشمس، فتقرّب كوكب الأرض إليها بشكلٍ بسيط. لكن ثاني أكسيد الكربون يُشارك في هذه العملية بالإيجاب ويُضاعف تأثيرها، ومن المعروف أن ثاني أكسيد الكربون يحتفظ بالحرارة ويُقلل من قدرة الغلاف الجوي على تشتيتها.
وهو ما انعكس فعلًا في سجلّات التي جمعها العلماء عن حرارة كوكب الأرض، كانت نسب ثاني أكسيد الكربون عالية دائمًا في الفترات غير الجليدية وقليلة في الفترات الجليدية. لاحظ العلماء في ذات السجلّات وجود فارق زمني بين صعود نسبة ثاني أكسيد الكربون وحدوث الذوبان وانتهاء العصر الجليدي، حيث يصعد ثاني أكسيد الكربون قبل حدوث الذوبان بفترة، وهو ما يعني أن ثاني أكسيد الكربون يُشارك بشكل فعّال في التأثير على مُناخ وحرارة كوكب الأرض.
مع اقتراب السجلّات الزمنية من التواريخ الحديثة، بالتحديد في وقت الثورة الصناعية، تبدأ معدلات ثاني أكسيد الكربون بالقفز بسرعة شديدة، حتى تتخطي أعلى نقطة على مدار السجل التاريخي الذي جمعه العلماء عن كوكب الأرض، وهي الآن في تزايد بشكلٍ واضح لم يقل منذ حدوث الثورة الصناعية. في مفارقة لافتة للنظر، تتوافق زيادات العناصر الأخرى مع الثورة الصناعية، مثل الكبريت الناتج عن احتراق الوقود، وهو السبب في أن قياسات الكبريت القادمة من الفترات إياها صارت أقل دقّة، لأن نسب الكبريت الناتج عن البشر أثّر وغطى على الكبريت الطبيعي.
لم يعش الجنس البشري على كوكب الأرض سوى 200 ألف عام، وهي نسبة ضئيلة تكاد تكون معدومة بالقياس إلى عُمر كوكب الأرض.
لكن هذه الفترة البسيطة، بل جزء من هذه الفترة البسيطة هو بالتحديد منذ بداية الثورة الصناعية أو ما يُقارب 300 عام فقط، كانت أكثر من كافية ليكسر البشر الأرقام القياسية التي سجلتها الطبيعة، ويتركوا بصمتهم الخاصة على السجلات التي تحتفظ بهذه الأرقام، حتى تلك الموجودة في أقصى الكوكب والتي لم يعش البشر فيها مطلقًا.