في عام 2019 بينما كانت مريم -وهو اسم مستعار- تنتظر اتصالا لمتبرع لها بالكلى إذا بالإنترنت ينقطع بشكل كامل عن كل بلادها إيران، ووصل المتبرع فعلا للمستشفى وتبرع، غير أن الوصول إلى مريم كان صعبًا في ظل قطع الإنترنت والتشويش شبه الكامل حتى على الاتصالات. تلقت مريم الخبر، وهرعت إلى المستشفى غير آبهةٍ بالاحتجاجات التي ملأت البلاد. غير أن انقطاع الإنترنت حال دون وصولها؛ نظرًا لاعتمادها على خدمة الخرائط العالمية التي لا تعمل بلا إنترنت. كما فشل نظام إدارة المستشفى في سرعة التواصل مع المريض والمتبرع؛ نظرًا لأن أجزاء من هذا النظام كانت تعتمد على الإنترنت كذلك. هذه قصة واحدة من التقارير التي نشرت في وكالات عالمية إبان قطع الإنترنت الكامل في إيران عام 2019.
وفي أواخر العام الماضي 2025 اندلعت احتجاجات أخرى في إيران استمرت لعدة أسابيع في يناير، وهي تعد الأكثر حدة وخطرًا منذ قيام النظام الإيراني الراهن في 1979، وكانت تلك الاحتجاجات مصحوبةً بضغوطات شديدة الحدة من الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الثامن من يناير الماضي قرر النظام في إيران قطع الإنترنت كذلك، في عملية دقيقة ومعقدة أكثر من كل سابقاتها، واعتبرها الكثير من المراقبين أنها أعقد عملية قطع للإنترنت في العالم. وهي لا تزال مستمرة في فبراير الحالي مع تخفيف بعض القيود، وقد تستمر إلى مارس. وفي هذه المرة أضحت إيران أكثر استعدادا من ذي قبل؛ حيث إن الخدمات الأساسية كأنظمة الصحة والتعليم والبنوك وغيرها تعمل وفق نظام تقني مغلق يعمل فقط في إيران.
هذا الإنترنت الذي ظن الكثيرون أنه العالم الجديد -العالم الرحب الحر- رجع لتقييد الناس وحرياتهم وربما حياتهم. هذا الإنترنت اعتقد الكثيرون أنه محايد للكل، وأنه شبكة ليست مركزية ليتم التحكم بها. غير أنه في الأصل منذ نشأته لم يكن محايدًا؛ فحين طورته وزارة الدفاع الأمريكية -أو وزارة الحرب؛ حيث إن ترامب غير اسمها مؤخرا- ظل هذا الإنترنت تحت سيطرتها وخضع لقوانينها؛ يكفي أن نعرف أن توزيع أسماء النطاقات (عناوين المواقع الإلكترونية) يتم عبر منظمة أمريكية ICNN. لذا فالكثير من الدول تعتبر الإنترنت سلاحًا وموردًا استراتيجيا يجب عليها أن تستخدمه لصالحها قبل أن تستخدمه دول معادية ضدها، وهنا نشأ ما يعرف بـ«الإنترنت السيادي»، وذهبت فيه الدول للرغبة في السيادة الكاملة -قدر الإمكان- على كل ما يدور في فضائها من إنترنت، وهذا ما قامت به إيران هذا العام. حين قطعت إيران الإنترنت هذا العام، قامت بإجراءات تقنية عميقة ومعقدة. في البداية صممت إيران شبكتها بشكل مختلف؛ حيث إن كل البيانات الدولية التي تخرج من إيران تكون عبر شبكة اتصالات واحدة فقط تابعة لشركة واحدة، وهي شركة الاتصالات الإيرانية. وقامت بإعطاء أوامرها لكل مزودي خدمات الاتصالات بقطع كل مسارات البيانات القادمة من الخارج إلى إيران، أي أن كل من يحاول الوصول إلى موقع إلكتروني إيراني -مثلا- لن يستطيع العثور عليه، وكأن هناك جيشًا يحرس إيران عبر حدودها الفضائية لمنع الآخرين من دخولها، وهو ما يعرف ببروتوكول بوابة الحدود. أما حين يحاول من هم داخل إيران الوصول إلى الإنترنت في العالم خارج إيران فإنهم لا يستطيعون كذلك؛ لأن عناوين المواقع العالمية مشوشة تماما، فقد استخدم النظام تقنيات تشويش أسماء النطاقات، وتحويل طلبات المواقع الخارجية لمواقع أخرى داخل إيران. كما قام النظام بفك حزم البيانات التي يرسلها الناس فيما بينهم في إيران، والاطلاع على ما فيها من معلومات وصور ومقاطع فيديو ويقوم بحجب ما يريد. وهكذا تم عزل إيران عن العالم، واختفت 99% من حركة الإنترنت فيها. ولتبسيط الصورة لك أن تتخيل أنك في منزل كبير به الكثير من الناس في هذا المنزل مكتب للتحكم في الاتصالات، أي هاتف يأتي أو يصدر من البيت يمر بهذا المكتب. حينما يتصل أحدهم من الخارج يقول له المكتب بشكل آلي: تعذر الحصول على المشترك المطلوب، أما حين يتصل أحد من داخل البيت إلى الخارج فيتم تحويل اتصاله إلى داخل المنزل مجددا. أما إذا اتصل سكان البيت ببعضهم فإن الاتصال يمر عبر المكتب؛ ليفحصه ويفتشه، ويسمح به أو يحجبه حسب محتواه. رغم هذا التعقيد والتشديد في قطع الإنترنت، إلا أن الخدمات الأساسية في إيران تعمل كما هي، أي أن الخدمات الحيوية كالتواصل الداخلي وأنظمة الصحة والتعليم والبنوك وغيرها تعمل في داخل حدود إيران كما هي؛ وذلك لأن إيران استثمرت فيما تسميه شبكة الإنترنت المحلية NIN، إنترنت داخلي ضخم، أو الإنترنت الحلال حسب تشريعات الدولة، وهو إنترنت يعمل في إيران حتى لو قطعت كابلات الإنترنت البحرية الدولية عنها. فقد عملت إيران بشكل مكثف مع حليفتها الاقتصادية الصين، وبالتحديد مع شركات عملاقة مثل ZTE و هواوي التي وفرت معدات الشبكات التي تمنح للنظام كامل الرقابة والتحكم وتوجيه البيانات أيضا. وعلى الصعيد المحلي كانت الشركة التي طورت الهيكليات وأنظمة التخزين هي شركة أبر أروان (ArvanCloud) التي طورت بنية تحتية متكاملة لشبكة الانترنت المحلية؛ لتسهيل عملية فصل إيران عن الإنترنت الدولي. كما ترتبط العديد من شركات التقنية في إيران بهياكل تابعة للمقر التنفيذي لأمر الإمام أو مؤسسات يديرها الحرس الثوري؛ لضمان السيطرة الأمنية المطلقة على تدفق البيانات.
رغم كل هذه الجهود والاستثمار الهائل في تقنيات عزل إنترنت إيران، فقد نجح بعضهم -ولو رمزيا- في كسر هذه العزلة؛ حيث حاول بعضهم الاتصال مبدئيا بشبكات افتراضية خارجية عبر تطبيقات الـVPN غير أنها لم تكن تعمل. كما لجأ عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الإنترنت الفضائي، الذي تقدمه شركة ستارلينك التابعة لسبيس أكس لصاحبها إيلون ماسك، والوصول لهذا الأنترنت يتطلب وجود أجهزة استقبال له في الأرض ليتصل بالقمر الاصطناعي في الفضاء، الذي بدوره يقدم خدمة الأنترنت الدولي «بدون قيود»، وقد حصل بعضهم فعلا على هذه الأجهزة، التي يبدو أنه تم تهريبها في قطع منفصلة عبر الحدود مع العراق أو الخليج، غير أن النظام الإيراني كان متوقعا لذلك، لذا قام بتفعيل تقنيات التشويش الأرضي التي تصدر موجات راديوية قوية، نفس التي تستخدمها أجهزة استقبال ستارلينك وهكذا فإنها تشوش الإشارات وتعطلها وتمنع هذا الاتصال. كما أنها قامت بإجراء أكثر صرامة؛ حيث إن السلطات التقطت أماكن بث إشارات ستارلينك في إيران وقامت بالهجوم المباشر على معظم هذه الأماكن ومصادرة الأجهزة، واعتقال أصحابها أيضا.
وفي ظل هذه العزلة والرقابة الخانقة، لجأ الكثير من الإيرانيين إلى تطبيق للتواصل بعيدا عن الإنترنت، فقد استخدموا تطبيق يدعى Noghteha (نقطة ها) وهو يعتمد على تقنيات البلوتوث والواي فاي المباشر Wi-Fi Direct الذي لا يحتاج إلى اتصال بالإنترنت، بل تنتقل الرسائل بين الأجهزة القريبة فيما بينها حتى تصل للجهاز المرسل إليه. استخدموا التطبيق في بعض المناطق لتنظيم تجمعاتهم والمظاهرات بشكل محدود.
ما تقوم به إيران حاليا، هو مزيج بين ما تقوم به كوريا الشمالية والصين. فالصين تستخدم ما يدعى بالجدار الناري GFW لتكون على رقابة تامة على البيانات مع بقاء الاتصال بالإنترنت الدولي المقيد. وفي كوريا الشمالية فإن الإنترنت مغلق تماما. أما في إيران فهو متاح للمواقع والخدمات داخل حدود الدولة فقط، حتى الآن. مع وصول طفيف جدا ومقيد للإنترنت الدولي بدأ في أواخر يناير بعدما هدأت حدة الاحتجاجات. وتخطط إيران لتوسيع هذه الشبكة من حيث الاعتماد على تصنيع الأجهزة والعتاد داخل إيران، والاعتماد على أقمار اصطناعية إيرانية كذلك لتضمن حسب خططها سيادتها على الإنترنت في حدودها بعيدا عن السيطرة والثغرات والرقابة والتوجيه الغربي، وبمساعدة وثيقة من روسيا في مجال الفضاء والصين في مجال العتاد والبرمجيات.
بعد كل هذا، ربما لم يعد العالم قرية صغيرة متصلة بالإنترنت، وذلك في ظل الظروف التي تعصف بالعالم حاليا، وتوجه الكثير من الدول للانعزال، وبناء أنظمتها المعتمدة فيها على نفسها فقط؛ كي لا تُستخدم الخدمات والموارد والتقنيات كأسلحة ضدها، ربما لم يعد هناك إنترنت واحد للعالم، بل جزر تقنية معزولة تحكمها السياسة قبل أي شيء آخر. وربما على الأفراد أن يفكروا ويخططوا خارج نطاق السيطرة التي قد تضيق عليهم حياتهم يوما ما.