إذا كان الفقهاء يؤكدون في كل عام أن ليالي شهر رمضان المبارك ليست للتسابق على الأكل والشرب على حساب الطاعات والنوافل، فإن الشهر، أيضا، ليس موسما للربح التجاري السريع استغلالا لسلوكيات الكثير من الناس في استهلاك أنواع من الأطعمة خلال الشهر الفضيل.

بل إن الشهر يمكن أن يكون مؤشرًا لمستوى الرقابة والمتابعة من قبل الجهات المعنية بذلك في لحظة يرتفع فيها الاستهلاك اليومي لسلع محددة، في مقدمتها الخضروات والفواكه واللحوم والألبان وبعض المواد الأساسية. وتتجاوز الرقابة على السوق في رمضان الإجراء الإداري الروتيني إلى حماية المنافسة ومنع الاستغلال وضمان أن تتحول زيادة الطلب إلى حافز للإمداد لا ذريعة لرفع الأسعار.

الفكرة الشائعة بين التجار أن الطلب إذا زاد عن معدله الطبيعي ارتفعت الأسعار. لكن هذا الطرح لا يعمل وحده، ولا يفسر وحده ما يحدث في رمضان خاصة وأن سلاسل الإمداد مفتوحة بحرا وجوا وبرا، وزمن التوريد لا يعاني ـ في الغالب ـ من عقبات جوهرية.. هذه المعطيات عندما تجتمع من شأنها أن تساهم في ضبط الأسعار. وقد يسمح ارتفاع حجم المبيعات بتحقيق ربح إجمالي أكبر حتى مع هوامش أقل، بشرط وجود منافسة تمنع تحويل الشهر إلى فرصة لرفع الهامش.

الذي يحول الطلب المرتفع إلى أسعار مرتفعة ليس الطلب وحده إنما اختلالات السوق عبر قلة التوريد وتعمد التخزين لصناعة «الندرة» في السوق. وهذا الحديث يتكرر كل عام مع دخول شهر رمضان المبارك. والحديث عنه يأتي في سياق التذكير حتى لا تتحول الشائعات إلى عامل إضافي يربك السوق وحركة الإمداد فيه.

لا شك أن دور حماية المستهلك كبير جدا في بناء انضباط في الأسواق خاصة وأن آليات العرض والطلب لا تعمل بكفاءتها المتوقعة دائما، خصوصا حين يضيق هامش المنافسة وتتركز حلقات الاستيراد والتوزيع. وفي ظل إمكانية حدوث التجاوزات المتعلقة بالاحتكاك والقدرة على التخزين.. إلخ

ولذلك تتجه الأنظار إلى هيئة حماية المستهلك لتعزيز الرقابة على الأسعار ومناسبتها للتكلفة الحقيقية، وإلى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار لتأمين احتياجات السوق وتسهيل انسياب الإمدادات.

والرقابة الفعّالة تبدأ قبل رمضان بأسابيع، تُراقب حركة الأسعار يوميا، وتقارنها بتكاليف الاستيراد والنقل والتخزين. وتتتبع الفروق بين أسعار الجملة والتجزئة. ففي هذه الفجوة غالبا تُصنع الزيادات غير المبررة. وتعرف أين يحدث «الانفصال» بين التكلفة والسعر. وتعالج جذور المشكلة الحقيقية.

وتتبع الكثير من الأسواق في سلطنة عمان بما في ذلك سوق «سلال» مستوى معقولا من الشفافية حيث تصدر عنها نشرات شهرية تقرأ السوق بشكل دقيق. وهذه النشرات تحمي المستهلك وتضعه في تطورات ما يحدث في السوق. لكن لا يشترط أن يكون المستهلك عالما أو قارئا لهذه التقارير حتى تبقى حقوقه محمية من قبل الجهات المعنية، فهناك من يقوم بهذا الدور بالنيابة عنه أو بدعم منه.

وقد تتراجع فرضية الندرة كسبب عام، مع انفتاح التوريد، لكن تبقى قابلة للظهور مؤقتا بفعل اختناقات لوجستية أو سلوكيات احتكارية في بعض الحلقات.

ثم إن أكثر السلع التي يدور حولها الحديث كل عام سلع سريعة التلف كما هو الحال في الخضروات والفواكه ولذلك فإن استراتيجية تخزينها أو منعها لرفع الأسعار أقل قابلية من غيرها إلى حد كبير.

يبقى الدور الذي تقوم به جهات الاختصاص هو الضامن الأهم لعدالة الأسعار طوال العام وطوال رمضان بشكل خاص. وحتى الآن لا يوجد حديث عن قفزة غير منطقية في الأسعار. وأغلب الظن أن هذا نتاج دور حماية المستهلك أكثر منه نتاج قناعة التجار.

في النهاية، شهر رمضان فرصة لإثبات أن السوق يمكن أن يكون أكثر عدلا حين تُدار قواعده بحزم. وزيادة الطلب ليست مشكلة، المشكلة أن تتحول هذه الزيادة إلى مناسبة لاستنزاف الناس. إذا كانت الإمدادات متاحة، ولا عوائق كبرى تقطع الطرق؛ فالمنطق الاقتصادي يقول إن السوق قادر على تلبية الطلب دون قفزات سعرية وغير منطقية. وما تبقّى بعد ذلك هو اختبار لفاعلية المؤسسات المعنية.