للعام الثالث على التوالي، تستقبل آلاف النساء في قطاع غزة شهر رمضان الفضيل وهنّ في خيام النزوح أو في مراكز الإيواء أو داخل بيوتٍ مهدّمة جزئيًا لا تصلح للحياة الآدمية. رمضان الذي كان شهر الطقوس العائلية، والموائد العامرة، وصلاة التراويح في المساجد المضيئة، تحوّل إلى اختبار يومي للصبر، في ظل الفقر المدقع، وانقطاع التيار الكهربائي، وشحّ المياه، وضيق المساحات، وغياب أبسط مقومات الحياة.
حجم الأزمة
وتشير تقديرات أممية ومحلية إلى أن أكثر من نحو 1.7 مليون فلسطيني تعرّضوا للنزوح الداخلي مرات متكررة منذ اندلاع الحرب، فيما تضرّر أو دُمّر أكثر من 60% من الوحدات السكنية في قطاع غزة بين تدمير كلي وجزئي، ما أجبر عائلات كاملة على الإقامة في خيام مهترئة أو في مبانٍ متصدّعة مهددة بالسقوط. وبين هذه الأرقام، تقف النساء في الصف الأول للمواجه، أمّهات، وأرامل، وحوامل، ومسنّات، يحملن عبء البقاء وإعادة ترميم الحياة من تحت الركام.
الخيمة بيتٌ من قماش
لا تفصل العائلة عن جارتها سوى قطعة قماش رقيقة. لا أبواب تُغلق، ولا خصوصية تُصان، تُشعل بعض الأسر مواقد بدائية تعمل بالحطب أو الكرتون، فيما تغيب الثلاجات والإنارة، ويصبح تحضير وجبة الإفطار مهمة شاقة في مساحة لا تتجاوز أمتارًا قليلة.
تقول أم محمد (42 عامًا)، نازحة من شمال القطاع وتقيم في خيمة جنوب غزة: "كنا نُحضّر قبل رمضان بأيام، ننظّف البيت، نعلّق الزينة، نشتري الفوانيس للأطفال.
اليوم لا بيت لدينا لننظّفه، ولا جدران لنزيّنها. الخيمة تبتلع كل شيء حتى الفرح. أطبخ على نار الحطب، أطفالي يسألونني: هل سأشتري فانوس رمضان ؟ لماذا لا تضيء الأنوار داخل المخيم ؟ ماذا أقول لهم؟" تضيف بصوتٍ خافت: "في الليل، لا نستطيع السهر للعبادة كما كنّا. لا كهرباء، والظلام كثيف. نصلي على عجل، وننام باكرًا لأن الخوف لا يتركنا."
العبادة في زمن العتمة
تعرّضت عشرات المساجد للتدمير الكلي أو الجزئي، ومع انقطاع الكهرباء، تقلّصت مساحات العبادة الجماعية. في بعض المخيمات، تُقام صلاة العشاء في ساحات مكشوفة أو خيام صغيرة، دون مكبرات صوت أو إنارة كافية.
سناء (35 عامًا)، تقيم في مركز إيواء مدرسي: " في رمضان قبل الحرب كنا نذهب إلى المسجد كل ليلة. كانت التراويح تجمعنا، وتخفف عنا هموم السنة. الآن نصلي في زاوية الصف، بين عشرات العائلات. لا سجادات كافية، ولا هدوء. أحيانًا يبكي الأطفال من الجوع أو الحر، فنقطع الصلاة لنهدئهم. أشعر أن روح رمضان ضاعت في الزحام."
حياة على حافة الخطر
عادت عائلات إلى بيوت مهدّمة جزئيًا، رغم خطورة الإقامة فيها، لعدم توفر بديل. سقوف مثقوبة، جدران متشققة، ونوافذ بلا زجاج، أم ياسر (50 عامًا)، تسكن في بيتها المتضرر: "عدنا لأننا تعبنا من الخيمة. البيت مكسور، لكنه بيتنا. نضع أوعية تحت الثقوب إذا أمطرت السماء. لا مطبخ صالح، ولا حمام آمن، نستقبل رمضان نحاول أن نجهز اشياء بسيطه، لكن الأدوات تكسّرت، والكهرباء مقطوعة. نصلي على ضوء الشموع. أخاف أن يسقط السقف علينا ونحن سجود."
الأطفال فوانيس منسية
كان الأطفال يصنعون الفوانيس من علب العصير أو يشترونها مضيئة بألوان زاهية.
اليوم، كثيرون لم يروا زينة رمضان منذ عامين أو ثلاثة. لا أسواق مزدهرة، ولا ألعاب، ولا ملابس جديدة.
ليلى (29 عامًا)، أم لثلاثة أطفال: "ابنتي الصغيرة سألتني: ما هو الفانوس؟ أدركت أنها لا تتذكر. كانت في الثالثة حين نزحنا أول مرة. حاولت أن أصنع لها فانوسًا من علبة معدنية، لكن لم نجد شمعة. شعرت أنني أعجز عن منحهم أبسط الذكريات." فيما اضافت قائلة:"استطاع ابني يحيى ذو العشر سنوات صناعة فانوس من علب الكوكاكولا الفارغه وقام بتوزيعها على اطفال المخيم".
الجوع المؤجل وموائد بلا تنوع
تقتصر موائد كثيرة على ما يتوفر من مساعدات يتم توزيعها من قبل المؤسسات الاغاثية في المخيمات أرز، عدس، معلبات. اللحوم نادرة، والفواكه ترف بعيد. ومع انقطاع الكهرباء، لا مجال لتخزين الطعام.
هبة (38 عامًا)، أرملة وأم لأربعة أطفال: " في رمضان الماضي أفطرنا أيامًا على الخبز والشاي. كنا أحيانًا نتقاسم علبة تونة. أقول لأولادي إن البساطة بركة، لكنني أرى خيبة الأمل في عيونهم. كنت أُعدّ قطايف رمضان، أما الآن فلا طحين كافٍ ولا سكر. حتى رائحة الشهر تغيّرت، اخشي ان تعود المجاعه مع بداية شهر رمضان."
نساء بين الصبر والانهيار
في مراكز الإيواء، تتضاعف الأعباء: طوابير المياه، دورات مياه مشتركة، أمراض جلدية، غياب الخصوصية. الصيام مع الجهد البدني الشاق يرهق الأجساد.
خديجة (60 عامًا)، نازحة للمرة السادسه: "لم أتخيل أن أقضي شيخوختي في خيمة.
في رمضان كنت أجمع أبنائي وأحفادي حولي. الآن كل واحد في مكان. أصلي وأدعو أن ينتهي هذا الكابوس. لا أريد شيئًا سوى بيتٍ يحمينا."
لم يعد رمضان في غزة موسمًا للزيارات وصلة الرحم والموائد العامرة. غابت الزينة من الشوارع، وانطفأت فوانيس الأطفال، وتقلّصت أصوات التراويح. كل شيء تبدّل تحت ثقل النزوح والفقد والفقر.
لكن رغم العتمة، تحاول النساء إعادة خلق معنى للشهر: دعاءٌ جماعي في خيمة، طبق بسيط يُقسَّم بعدل، قصة تُروى للأطفال قبل النوم عن بيتٍ سيُبنى من جديد.
تقول أم محمد في ختام حديثها: "رمضان ليس زينة فقط هو صبر. لكننا تعبنا من الصبر. نريد بيتًا، كهرباء، مسجدًا مضيئًا، وفانوسًا يعود ليضحك في يد طفل." في غزة، يبقى رمضان شاهدًا على عامٍ ثالث من الحرمان، حيث تتحول الخيمة إلى قدرٍ مؤقت طال أمده، وتتحول النساء إلى أعمدة صامتة تسند ما تبقى من حياة.