كرستيان إيمري
ترجمة: أحمد شافعي
فقال ترامب لنتنياهو ـ بحسب ما أفادت التقارير ـ إنه راغب في أن تستمر المحادثات الجارية مع إيران. والأمر الذي سوف يثير قلق نتنياهو هو أنه في حين أنه قد يكون بوسعه الاعتماد على أن يتبنى ترامب نهجا متشددا تجاه الحد من برنامج إيران النووي، فإنه من غير الواضح بالقدر نفسه ما موقف حليفه المتقلب من الحد من قدرات إيران الصاروخية البالستية ومن إنهاء دعمها لبعض الجماعات المسلحة في المنطقة.
وكان دونالد ترامب قد ألمح مسبقا إلى أن أي صفقة مع إيران لا بد أن تشمل الصواريخ. لكنه أشار في الآونة الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة قد تكون منفتحة على التغاضي عن هذا المطلب. ففي العاشر من فبراير حينما سأله صحفي عما لو أن اتفاقا مع إيران قد يكون مقبولا إن شمل المسائل النووية فقط، قال ترامب «نعم، سيكون هذا مقبولا، لكن الشرط الأساسي والقاطع هو أنه ما من أسلحة نووية».
ومن شأن هذا، فضلا عن تصريحات إيجابية أدلى بها مسؤولون أمريكيون وإيرانيون بخصوص محادثاتهم القصيرة غير المباشرة في سلطنة عمان قبل أيام، أن يثير قلق المسؤولين الإسرائيليين. وذلك لأن إيران وإسرائيل على السواء يفهمان أن الصواريخ ـ لا التخصيب النووي ولا حتى الوكلاء الإيرانيين في المنطقة ـ هي التي يقوم عليها ردع إيران الذي يتزايد اضطرابا.
في الوقت الراهن، يبدو أن ترامب يفكر في أن صفقة محدودة تقتصر على المسألة النووية قد تكون أفضل من خوض حرب للتعامل مع كل الأمور الأخرى. غير أن معارضي العمل العسكري الأمريكي، ومنهم جميع حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط في ما عدا إسرائيل، يجب أن يبقوا على قلقهم.
فليس من الوضوح على أي حال ما لو أن إيران سوف تعرض الصفقة النووية التي يمكن أن يقبلها ترامب، ولا يبدو أن ترامب نفسه يعرف ما الذي يمكن أن يفعله عدا أن يشدد من تهديداته العسكرية. وهذا وحده كفيل بإفشال المحادثات.
نتنياهو أيضا لاعب سياسي محنك أبدى مهارة في استدراج ترامب إلى دعم عمل عسكري في عام 2025، حينما انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في ضرب منشآت نووية إيرانية. ولقد وصل الحشد العسكري الأمريكي في الخليج العربي الآن إلى نقطة بات فيها ذلك الخيار مطروحا على الطاولة.
سياسة ترامب تجاه إيران
يبرِز الغموض المحيط بما لو أن ترامب سوف يضرب إيران مدى ضحالة سياسته تجاه إيران. فهو يفتقر إلى جهاز سياسي تقليدي مؤسسي كالذي اعتمدت عليه إدارة أوباما في التفاوض على اتفاقية للحد من برنامج إيران النووي سنة 2015.
وبدلا من ذلك يمضي ترامب في محادثات غير مباشرة مع إيران يشرف عليها مسؤولان بلا خبرة دبلوماسية سابقة. وهذان المسؤولان، وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مكلفان من ترامب نفسه، وفي الآن نفسه، بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
يبدو ترامب أيضا مترددا إزاء ما إذا كان ينبغي للصفقة أن تركز فقط على القضية النووية أم أنه يجب أن يسعى إلى شيء من قبيل صفقة كبيرة. كما أنه لم يوضح ما هو مستعد لعرضه على إيران في سياق صفقة أو كيف سيبرر حافزا من قبيل تخفيف العقوبات على نظام حكم قتل الآلاف من مواطنيه في قمع قاسٍ لاحتجاجات.
إن نهجه تجاه إيران بالغ الارتجالية لدرجة أنه يتيح للجماعات المختلفة المتصلة به، أي نتنياهو من جانب وبعض الدول الإقليمية متزايدة الحسم من قبيل المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا من جانب آخر، التأثير على قرارات محورية. فلقد كانت المجموعة الأخيرة من دول الشرق الأوسط هي التي تدخلت في الآونة الأخيرة للضغط على ترامب من أجل التقدم في المحادثات عندما هددها الانهيار بسبب رفض إيران مناقشة أي قضية تتجاوز الملف النووي.
تحذر هذه الدول ترامب من أن ضربات الولايات المتحدة قد تسهم في انهيار النظام الإيراني. وبرغم أن هذا قد يبدو أمرا مرغوبا، فإن تجربة العراق وليبيا وسوريا تشير إلى أن تفتيت الدولة والنزوح الجماعي والعنف والاضطراب الإقليمي قد يكون أرجح من أي انتقال ديمقراطي سليم.
وفي حال فشل الضربات في الإطاحة بالنظام الحاكم، فقد تتسبب إيران حتى بعد إضعافها في ضرر اقتصادي واستراتيجي كبير في شحن نفط الخليج وبنيته الأساسية.
ويتناقض نهج ترامب الارتجالي في الدبلوماسية تناقضا صارخا مع مفاوضات إدارة أوباما في عام 2015. فآنذاك، قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية خبراتها التقنية وقدرتها على التحقق من الانصياع، ورأس الاتحاد الأوروبي لجنة مشتركة للإشراف على تنفيذ الاتفاقية. وأضفى مجلس الأمن الأممي طابعا رسميا على الاتفاقية بموجب القانون الدولي ووضع آلية لإعادة فرض العقوبات في حال عدم الانصياع.
وكان هناك أيضا منطق استراتيجي واضح، وإن لم يتحقق بالكامل، مرتبط برغبة أوباما في تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة والالتفات نحو آسيا.
أما نهج ترامب فيختلف اختلافا جذريا. فقد سحب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية في عام 2018 دونما خطة واضحة لما قد يحل محلها ويكون أفضل منها ويرتبط باسمه هو. وهو لا يبدو مهتما بالتوسط في اتفاقية متعددة الأطراف ولا يبدو أن لديه مجموعة متماسكة من المطالب أو الأهداف الاستراتيجية التي يمكن أن يستند البديل إليها.
وليس من المرجح أن تدوم صفقة هزيلة عديمة الجوهر والأساس المؤسسي والآليات الواضحة للتعامل مع النزاعات الحتمية حول تخفيف العقوبات والانصياع، حتى لو استطاع ترامب أن يدفع الإيرانيين إلى توقيعها.
كرستيان إيمري أستاذ مشارك السياسات الدولية بكلية الدراسات السلافية وشرق أوروبا، جامعة لندن.
الترجمة عن « آسيا تايمز»