رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي

صيف العام 2009، زار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، مستوطنة «عتصيون» الجاثمة على أراضي مدينة بيت لحم، وبلدة بيت أمّر قرب الخليل جنوب الضفة الغربية، لكنه لم يزر أي من الفلسطينيين، الذين أقيمت المستوطنة على أراضيهم. 

كارتر قال يومها: «الأرجح أن لا يتم تفكيك هذه المستوطنة في أي حل سياسي بين الفلسطينيين وإسرائيل» وعزا ذلك لقرب المستوطنة من الخط الأخضر الذي أفرزته حرب العام 1967، مرجحاً أن تبقى جزءاً من «إسرائيل» إلى ما لا نهاية، مضيفاً: «لا أتصور أن عتصيون ستنتقل إلى أيد فلسطينية». وفي رام الله، وسط الضفة الغربية، تواصل مستوطنة «حلميش» زحفها، محتلة مساحات واسعة من مواقع أشجار السرو والبلوط، التي طالما زينت جبال قرى منطقة بني زيد الغربية، وما حولها. ووسط تلك المساحة الخضراء، التي تعتبر جزءا من غابات فلسطين الطبيعية، تشرع جرافات الاحتلال بأكبر عملية توسع استيطاني، بداعي تلبية متطلبات «الزيادة الطبيعية» لسكان المستوطنات الإسرائيلية، الجاثمة كصخرة على صدور الفلسطينيين. 

الجرافات العسكرية تعمل على اقتلاع الأشجار، وتسوية الأراضي، بينما عصابات المستوطنين أخذت «تسرح وتمرح» في عين الماء الواقعة في قرية النبي صالح، على مقربة من المستوطنة. 

مثل أفعى تتمدد طولاً وعرضاً، ينطلق مشروع التوسع الاستيطاني، بهدف تفتيت الضفة الغربية، وعزل سكانها في مناطق مقطعة الأوصال، محدودة المساحة، ما يعمل على تجزئة المجتمعات الفلسطينية، ويحول دون تحقيق أية تنمية اقتصادية، ويقوض أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية. 

ويجد المراقب والمتتبع لحكومات الاحتلال المتعاقبة، كيف تعمل على تشجيع الاستيطان، وتوفر الحوافز لعصابات المستوطنين، كي تعربد وتعتدي على المواطنين الفلسطينيين، وتستولي على ممتلكاتهم، ممعنة في تجاوز كل القرارات والقوانين والمعاهدات الدولية، وضربها بعرض الحائط. 

«الاستيطان سيشكل محور المواجهة بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال في المرحلة القادمة» يعلّق المحلل السياسي محمـد دراغمة، مبيناً أن «عتصيون» وغيرها ليس مجرد حجارة أو بيوت متناثرة، بل باتت مجمعات استيطانية أخذت تتمدد على امتداد الأرض الفلسطينية. 

ويضيف: «هذا يرمز للاحتلال المستدام، و «الأبرتهايد» وتمييز عنصري في البناء والتنقل وملكية الأراضي والمشاركة السياسية» موضحاً أن ربع مليون فلسطيني في الضفة الغربية فقدوا حق الإقامة. 

ويستذكر: «الفلسطينيون في فلسطين المحتلة عام 1948 يشكلون 17 في المائة، ويملكون 3 في المائة من الأراضي فقط، ويعيشون في معازل، والاحتلال صادر ملايين الدونمات من أراضيهم، ومنحها لليهود..الإسرائيلي يتنقل بحرية، والفلسطيني يعيش في «كانتونات» ويحتاج إلى تصاريح مرور عبر الحواجز العسكرية، والبوابات الحديدية». 

ضم زاحف 

بماذا تختلف الحملة الاستيطانية في الضفة الغربية هذه الأيام عن سابقاتها؟ وهل تكون القدس عنوان المواجهة السياسية القادمة لا محال بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال؟. 

يجيب الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري: «هنالك اختلاف في حجم وشراسة وتنظيم حملة المستوطنين على الضفة الغربية بعد العدوان على قطاع غزة، وحتى الأماكن المستهدفة، وتوقيت الاعتداءات، التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في غزة، للإبقاء على الأوضاع مشتعلة، خدمة للمشروع الاستعماري الإسرائيلي، والحملة الانتخابية للائتلاف الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، وكبار مساعديه، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش». ووفق المصري، يسعى المستوطنون لتنفيذ مشروع ضم الأراضي الفلسطينية، وعلى مساحة أكبر من تلك التي استولوا عليها قبل الحرب على غزة، رافضين أي تدخل غربي للجم التوسع الاستيطاني المتسارع، موضحاً: «هذا الضم الزاحف للأراضي الفلسطينية، وقرارات حكومة الاحتلال توسيع الاستيطان وشرعنة المزيد من البؤر الاستيطانية، وتطبيق القوانين الإسرائيلية على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، يمكن تفسيرها بإعطاء سموتريتش ما أراد بضم الضفة الغربية تدريجياً، وليس أدل على ذلك من إعلانه بناء 51370 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية». 

وفي الجانب الرسمي، ترى السلطة الفلسطينية أن خطورة الأوضاع التي يشعلها المستوطنون في الضفة الغربية، تستدعي إعادة فتح ملف الاستيطان ودوره في قتل أي فرصة للحل السياسي، مع الإدارة الأمريكية، لكن الحاجة أكثر من ملحة لرد فلسطيني شامل بمستوى الخطر، كما يقول مراقبون. 

وعلى مدار الأشهر الأخيرة، التي أعقبت إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، أصبح شعار «النمو الطبيعي» للمستوطنات في الضفة الغربية، جزءاً أساسياً من ذرائع نتنياهو وائتلافه، لضم وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وتعزيز الاستيطان. 

محاولات ولكن.. 

وفي الوقت الذي تصر فيه القيادة الفلسطينية على عدم الانخراط في أية مفاوضات سياسية مع الكيان الإسرائيلي، قبل وقف الاستيطان، فإن ثمة من المراقبين من يرون أن التوسع الاستيطاني سيستمر، بغض النظر إن كان على شكل بناء جديد، أو «تسمين» مستوطنات. 

وتوغل حكومة الاحتلال في تقديم الامتيازات لكل من يرغب بالانتقال إلى الإقامة في مستوطنة بالضفة الغربية، وخصوصاً فيما يتعلق بالخصومات الضريببة، والحصول على التسهيلات بمنتهى السهولة واليسر. 

وتضاعفت معاناة الفلسطينيين في الأشهر الأخيرة، مع ازدياد مضطرد في أعداد المستوطنين والمستوطنات على حد سواء، لا سيما مع إقامة حواجز عسكرية وبوابات حديدية جديدة، من شأنها أن تخنق الضفة الغربية، وتحيلها إلى سجن كبير. 

النتيجة المباشرة لهذه الإجراءات، هي تحويل الضفة الغربية إلى معازل و «جيتوهات» تقسّم الأراضي الفلسطينية، وتفصل بينها حواجز عسكرية وبوابات فولاذية، يمكن إغلاقها متى شاء الاحتلال بذرائع مسماة «أمنية». 

وهكذا، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مهب وضع «غير طبيعي» لنمو استيطاني يزعم الكيان الإسرائيلي أنه «طبيعي» ووسط هذه الضغوط، سيحاولون مواجهة هذا المد السرطاني، الذي استبعد «كارتر» استئصاله، قبل 17 عاماً.