لا يحتاج المرء إلى الكثير من البلاغة لفهم المزاج الذي خيّم على مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام. فالكلمات كانت مباشرة، والقلق كان عمليا ومفهوما، والهوامش ضاقت كثيرا أمام الخطاب المطمئن عن «نظام عالمي» يعمل تلقائيا. وكان واضحا أن وزير الخارجية الأمريكي روبيو عاد إلى نقد «وهم نهاية التاريخ» الذي ساد بعد الحرب الباردة، بوصفه افتراضا مريحا أخفى هشاشة النظام حين تعود الصراعات الكبرى إلى الواجهة. ولهذا بدت نبرة التحذير جزءا طبيعيا من المؤتمر.
مع ذلك لم يكن المزاج العام مزاج حرب.. لكنه حمل تحذيرا صريحا من اتساع المخاطر، ومن عالم تتراجع فيه اليقينيات وتعود فيه لغة الردع. وقدّم المؤتمر، في كلماته ونقاشاته، توصيفا للحظة التاريخية التي يعيشها العالم اليوم ويتراجع فيها منطق الإصلاح البطيء لصالح اندفاعات أشبه بـ«كرة هدم» تضرب القواعد التي اعتادت الدول أن تتحرك داخلها.
بدا في المؤتمر أن أوروبا تنظر إلى نفسها في المرآة من دون تبرير؛ فقد عاد سؤال الاعتماد على الآخر إلى الواجهة: كيف يمكن للقارة أن تبقى متماسكة حين يتغير إيقاع الشريك الأمريكي؟ وكيف يمكن للتحالف الأطلسي أن يستمر بوصفه اتفاق مصالح يتطلب تجديدا ووضوحا وتقاسما أكثر عدلا للأعباء؟
وبناء على هذا برزت الكثير من التأكيدات على أهمية الدفاع المشترك في لحظة ترى فيها أوروبا أن الردع أصبح جزءا أصيلا من لغة السياسة اليومية. وفيما كانت أوروبا تتحدث في العقد الماضي عن «القوة الناعمة» عاد في مؤتمر ميونيخ الحديث عن «القوة الصلبة»، وفي هذا إقرار واضح بأن الفراغ الأمني يُغري المغامرين، وأن الوعود وحدها لا تحمي طرق التجارة ولا البنى الأساسية ولا المدن الأوروبية.
غير أن ميونيخ لم يكن مؤتمرا في الجغرافيا العسكرية فقط. كان الاقتصاد حاضرا.. ولكن بوصفه ساحة صراع تناقش فيها المخاوف من الحماية التجارية وحروب الرسوم وتسييس سلاسل الإمداد باعتبارها سياسة أمنية وإن ارتدت لباسا ماليا.
وكان واضحا أن العالم يتجه من ميونيخ إلى «تسليع» العلاقات الدولية عبر محددات من يملك التكنولوجيا، ومن يضمن الطاقة، ومن يتحكم في الممرات، ومن يُقنن الوصول إلى الأسواق.
وفي خلفية هذا المشهد كان هناك ملف لا يقل أهمية عن الدبابات والطائرات وهو ملف الثقة داخل الديمقراطيات. فقد دارت الكثير من النقاشات حول هشاشة الداخل الغربي نفسه بعد أن رأى الغرب تراجع ثقة الناس في قدرة السياسة على تحسين حياتهم الأمر الذي بات يدفعهم دفعا نحو خطاب القطيعة. وهذا التآكل الداخلي لا يبقى محليا؛ سرعان ما ينعكس في القدرة على اتخاذ القرار، وعلى الاستمرار في الالتزامات الخارجية، وعلى تحمل كلفة التحالفات.
لم يعد الأمن كما تم رصده عبر الكلمات التي تليت أمام المؤتمر أو عبر المؤتمرات الصحفية والتصريحات منفصلا عن الاقتصاد والشرعية الاجتماعية، وكأن الحضور في ألمانيا يقولون بصوت واحد: دون اقتصاد قادر على الصمود، لا يمكن أن تستديم فكرة الردع الطويلة، ومن دون ثقة عامة لا قدرة على تعبئة سياسية حين تشتد الأزمات. ومن دون تحالفات واضحة القواعد، يصبح كل موقف/ اختبار فرصة للابتزاز.
لا يمكن أن نرى هذا النقاش بعيد الأثر عن منطقة الشرق الأوسط التي اعتادت أن تتأثر بحركة جناح الفراشة وإن كانت في واشنطن. العالم لا يبحث عن مغامرات جديدة، لكنه يعيش في نظام يدفع نحوها، ويخشى كلفتها.
لم يقدم مؤتمر ميونيخ حلولا سحرية للعالم الذي يعيش عتبات الفوضى الناتجة عن تبدد نظام القواعد في العالم. لكن لعله قدم شيئا آخر وبشكل واضح جدا وهو أن زمن الاطمئنان قد انتهى تماما، وأن على العالم أن يفعِّل حالة إدارة المخاطر السياسية فهي جوهر المرحلة القادمة.