فجأة عادت الحياة إلى حارتنا القديمة، بعد هجران دام عقودًا من السنين، وفجأة استيقظنا على أصوات لم تعتدها الحارة من قبل، وعلى خطوات لم تسلك دروبها، وحياة كادت أن تنساها أو نسيتها عقودًا من السنين، وفجأة فتحت أبواب الحارة على مصراعيها، على مشهد تمثيلي لمصرع امرأة في بئر، من مسلسل عماني جديد يحمل عنوان «القافر»، داخل حارة شُيِّدت من طين المكان قبل مئات السنين، تحدِّث جدرانها بالكثير من الحكايات.
وفجأة عادت الحياة إلى الحارة القديمة، حارة البلاد الأثرية، أو «حجرة حصن البلاد» بولاية منح، محتضنة أحداث المسلسل العُماني «القافر»، أنتجه هذا العام تلفزيون سلطنة عُمان، والمستمدة فكرته من رواية «تغريبة القافر»، للروائي زهران القاسمي، فكأنما التغريبة أزهرت في دروب الحارة حكايات جميلة، لتكون «حارة البلاد الأثرية»، المكان المناسب لتصوير مشاهد مسلسل «القافر»، وتشهد الحارة ميلاد حياة جديدة، لطفل تموت أمُّه الحامل به في بئر، وبعد الحزن الذي ساد على موتها، تتفتَّح ورود الفرح في ذات المكان وعلى مشارف البئر، بميلاد طفل منها، الذي سيكون «القافر» الباحث عن الماء، وعلى يديه سيهتدي أهل الحارة إلى منابعه السريَّة، وسيرشدهم إلى مكانه العميق، بحدسه الصَّائب دائمًا، وبإحساسه المرهف أنَّ خريرًا في عمق الأرض يُسْمَع صداه من بعيد، فيتتبعه حتى يصل إليه، هناك حيث عيون الماء تفيض خِصبًا، وتكتب الحياة فصلها الأخضر الجديد.
ومنذ ما يقرب من شهرين، والعمل يتواصل ليل نهار، لتصوير أحداث مسلسل «القافر»، حتى أصبحت «حارتنا القديمة» تتحدث عنه، وسيصبح حديث الناس في ليالي رمضان المباركة، ببث ثلاثين حلقة متواصلة، لمسلسل جرت أحداثه الدرامية في تلاحق أخَّاذ، مثلما جرى الماء في السَّواقي، ببصيرة لا تخطئها عين «القافر» وأذنه، يحمل اسم: سالم بن عبدالله، وكيف تخطئ وهو ابن الماء؟، التي لم تكن معاناة أمه من الصُّداع لتهدأ، إلا بعد أن تغطس رأسها في الماء، ولم تجد بدًا من أن تغوص بكامل جسدها في قاع بئر لم تنجُ منه، فقد شاءَت الأقدار كما في الرِّواية ومشاهد المسلسل أن تموت فيها غريقة، ويبقى الطفل في ظلمات الأحشاء، ينبض بالحياة بين ماء الرَّحم وماء البئر، حتى رأى نور الحياة بعد أن انتُشل من رحم أمه جنينًا حيًا، يكون سببًا لعودة الحياة إلى القرية في مواسم الجدب، بموهبته الفَذَّة التي تخلَّقت معه، ويكون هو «القافر» الباحث عن منابع الماء.
لقد عادت الحياة إلى «حارتنا القديمة»، عبر خطوات أبطال مسلسل «القافر»، وعادت الأقدام تزحف في دروبها المُتربة، وشهدت أزقتها أحداث تصوير مسلسل مثير ومبهر، بفكرته المستمدة من رواية عُمانيَّة، حصلت على جائزة «البوكر» لعام 2023م، من إخراج المبدع السوري تامر إسحاق، القادم من مدينة حماه بسوريا، حاملًا في وجدانه موسيقى «النواعير»، وهي تنوح في ضفاف نهر «العاصِي» الخصيب، لتتلاقى نواعير حماه بزيجرات آبار عُمان، وموسيقى بَكَراتها المُثقلة بالدِّلاء، ويصنع من «تغريبة القافر» مسلسلًا، يساعده في الإخرج كل من: مخلص الصالح، ونهلة الدُّروبي، وعلي بن عبدالله البلوشي، ننتظر أحداثه الشيَّقة في ليالي رمضان، وكأنما تامر إسحاق والفريق الذي معه، يعيشون أدوار «قافر الماء»، من أنهار سوريا إلى أفلاج عُمان.
يعمل مع المخرج فريق من الممثلين، نذكرهم في هذا السياق: سالم بن عبدالله «القافر»، يؤدي دوره وهو صغير الطفل الموهوب فراس الرَّواحي، سيعاني من تنمُّر أصدقائه ومناداتهم له: «ولد الغريقة»، وحين يكبر يؤدي دوره الممثل محمد بن خلفان السيابي، ويصبح «الوعري» صديقا له، وكذلك دور عبدالله بن جميِّل والد القافر، يؤدي دوره الممثل محمد بن خميس المعمري، وشخصية الشيخ حامد، بأداء عبدالسلام التميمي، وشخصية زهير ينغمس في دوره زكريا الزدجالي، والمعلم سليمان يتقن دوره خالد المعني، وتظهر في المسلسل شخصيات نسائية كثيرة، من بينها «مريم الغريقة» أم القافر، تؤدي الدور مريم الفارسية، كما تظهر شخصية آسية التي أرضعت القافر، بأداء مريم المعمرية، وعمة القافر وتظهر في المسلسل باسم كاذية، تؤدي الدور سميرة الوهيبية، كما تظهر شخصية «المَلْسُونة» بأداء ميرفت نصر، وشخصيات كثيرة تظهر في حلقات المسلسل، يغيب بعضها إلى حين، ثم تعاود الظهور من جديد في حلقات المسلسل.
أما فريق «الكومبارس»، فتم إعداده بمشاركة من أهالي ولاية منح، مع أطفال صغار صاروا يتحدثون مع زملائهم بفرح، أنهم سيظهرون في حلقات مسلسل «القافر»، في أدوار تمثيلية شابَّة، غامر بها المخرج ليصبحوا جزءًا من الأحداث الدرامية للمسلسل، وممثلون من مختلف الأعمار، يؤدون دور البطولة الجماعية التي صنعها المخرج.
يقول الكاتب يوسف الحاج، المشرف الفني والدرامي للمسلسل: تمت معالجة رواية «تغريبة القافر» لتصبح ثلاثين حلقة، بموافقة الكاتب زهران القاسمي الذي قام بتعمين النص، بما يتناسب مع لسان اللهجة العُمانية، ويقول أيضًا: إن مسلسل «القافر» يحمل مشاهد كثيرة، تتنوع بين السُّهول والجبال والبساتين، وداخل بيوت الحارة، وقمنا بتوفير الاحتياجات اللازمة، لتقديم مسلسل عُماني مكتمل، بما يتضمنه من ثراء في المشاهد والاكسِسْوارات والأزياء، وأشاد الحاج بتعاون الأهالي في تصوير المشاهد، خلال فترة لم تتعد الشهرين.
يوسف الحاج، صاحب رواية «الرولة» و«شتاء 97»، والكاتب للعديد من المسلسلات الدرامية، من بينها «ورد وشوك» 2008م، و«ناس وناس» 2012م، و«اسمع وشوف»، والمشرف على مسلسل «السِّدرة»، يتحدث في هذا الحوار عن تجربته الجديدة في الإشراف الدرامي لمسلسل «القافر»، يقول: وجدنا أن حارة منح الأثرية، هي المكان الأنسب للتصوير، فهي قرية مرممة من الداخل، واستفدنا من تفاصيل تشكيلاتها المعمارية، وتداخل أزقتها في أداء المشاهد، كما أن الحارة قريبة من البساتين التي دخلت ضمن المشاهد، وفي أطراف منح جبال وسيوح، أفادتنا في إنجاز تصوير المشاهد الخارجية.
وللمخرج السوري تامر إسحاق تجارب إخراجية كثيرة، فقد عمل مع كبار النجوم والمخرجين السوريين، مثل الراحل حاتم علي ونجدت انزور، وله تجارب سابقة في إخراج مسلسلات تراثية، مثل الدبُّور وزقاق الجن وحرملك وخاتون ووردة شاميَّة، وإلى جانب مهنته هذه فهو مصور فوتوغرافي، مقتفيًا أثر والده المصور مروان إسحاق، وحول تجربته الاخراجية لمسلسل «القافر» يقول تامر: إن أحداث المسلسل مليئة بالجماليات والخصوصية، والعلاقات بين الناس.
ويضيف في حديثي معه: أحداث المسلسل تنتمي لزمان ومكان لم يتم تحديدهما، يعكس الزمان صورة للحياة في عُمان قديمًا، أما المكان فهي البيئة العمانية بتنوع جغرافيتها، بين الحارة والجبل والسَّهل، وبممارسة الانسان لمختلف الصناعات في حياته اليومية، ولقاءاتهم ببعضهم في الأسواق والطرقات، لتتصاعد أحداث المسلسل حلقة بعد أخرى، بوشوشات من الحكايا، في قالب درامي جذاب، تتوافق سيناريوهاته مع الموسيقى، التي أبدعها الموسيقار السوري طاهر مامللي، والذي أدخل لها أصواتًا من الواقع العُماني، لتكون منسجمة مع الإيقاع الموسيقي.
ويضيف تامر: تفاصيل الحارة محفزة لتصوير مشاهد المسلسل، مدينة أثرية متكاملة، وليست استوديو مصنوع، تبوح بحنان الصَّخر والطين، والبيوت فيها على كثرتها لا تتشابه، استفدنا من كل المشاهد التي رأيناها في الحارة القديمة، الأزقة والمجالس والمساجد، ومنابع الماء والآبار، والظلال الوارفة لأشجار السَّدر، في مساحات من جهات الحارة الخارجية، لم نفوِّت تصويرها، وتوظيفها للمشاهد الدرامية، وجماليات المكان تثري أحداث المسلسل، لقد حاولنا أن نعيد الحياة لهذه الحارة القديمة.
فشكرًا ليوسف الحاج والفريق الذي معه، فقد أخذني في جولة داخل الحارة لحظة تصوير المشاهد، واللقاء بتلك الكوكبة من الممثلين وغيرهم، شكرًا لتامر إسحاق الذي نقل إلينا إحساس «النواعير» في مدينته حماه، لتتمازج مع أنين البَكَرات أو «المحَّالات»، كما نسميها في عُمان، ليبدع في إخراج مسلسل يبشِّرنا بإشراقة شمس الحياة، بميلاد «القافر» على شفا «بئر الخطم»، وحدسه الفريد في البحث عن خرير الماء، وحرير خيوطه الفضيَّة.