هذا الأسبوع قرأتُ كثيرًا عن البطء، بالصدفة التي أملتها طبيعة عملي الإذاعي في مرتين، ومتعمدًا في مرات أخرى بالعودة إلى قراءات سابقة حضر فيها البطء دون أن أنتبه له حينها أو أعيره انتباها. ولقد تسلل إليَّ "ببطء" - دون أن أدري - جمال هذا البطء، وكأنني تجسيد لمقولة نيتشه في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" عن أن أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يفتِنُنا على الفور، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء نحمله معنا ونحن لا نكاد نشعر به.
كانت البداية بكتاب «في مديح البطء: حراك عالمي يتحدى عبادة السرعة» للكاتب الكندي كارل أونوريه الذي كان ينتظر دوره في مكتبتي لسنوات، غير أن الذي أرغمني على العودة إليه هذا الأسبوع القارئ فهد الجهوري حين اختاره لبرنامج "كتاب أعجبني". يفتتح أونوريه هذا الكتاب بعبارة غاندي: "يوجد في الحياة ما هو أهم من زيادة سرعتها"، وينطلق من سؤال بسيط: متى تحوّلت السرعة من أداة نافعة إلى قيمة مهيمنة تتحكم بإيقاع حياتنا؟ يقول أونوريه إن منطق العجلة تسلّل إلى تفاصيل يومنا كلها: طريقة تناولنا للطعام، وأسلوب عملنا، ومنهج تعليمنا، وحتى علاقتنا بأوقات الفراغ. وهذا التسارع المستمر صرنا نلمس نتائجه في التوتر والغضب والإرهاق وضعف التركيز، وتراجع قدرتنا على الاستمتاع بحياتنا، ويقترح استعادة التوازن في علاقتنا بالزمن عبر اختيار الإيقاع المناسب لكل نشاط، بحيث نسرع حين يستدعي الأمر الإسراع، ونبطئ في الحالات التي تتطلب الهدوء والتأمل.
يتحدث أونوريه أيضا عن "حركة الطعام البطيء" التي نشأت في إيطاليا عام 1986 احتجاجًا على ثقافة الوجبات السريعة، ثم تطورها إلى تيار عالمي أوسع يُعرف باسم "حركة البطء"، امتد إلى مجالات العمل والتعليم والطب والتخطيط العمراني، ويؤكد أن الإبطاء الواعي يعزّز الإبداع والصحة النفسية ويعمّق الروابط الإنسانية، وأن التكنولوجيا، رغم قدرتها على توفير الوقت، إلا أنها تضيف التزامات جديدة تشتت الانتباه. وفي الخلاصة، يدعو الكتاب إلى إعادة صياغة مفهوم النجاح بعيدًا عن هوس السرعة، والعيش بإيقاع ينسجم مع طبيعة الإنسان واحتياجاته.
لعل هذا التشبع بثيمة البطء هو الذي نبهني إلى حضورها في قصة "لا بار في شيكاغو" للقاص محمود الرحبي، الذي فاز بجائزة الملتقى للقصة العربية في دورتها الأخيرة. في هذه القصة يبتكر محمود شخصية فريدة يصعب أن تغادر قارئها بسهولة؛ إنه مال الله (أو مالان) الذي قرر أن ينتقم من ماضيه عبر اختيار البطء طريقة حياة، كأنه يدرّب الزمن على التمهّل. يستيقظ صباحًا فيمنح عينيه حقهما من الامتنان، ويتعامل مع إفطاره الذي ترسله إليه أخته مع ابنتها الوسطى "كمن اكتشف فجأة أن طعامًا أمامه"؛ يتأمل جزئياته قبل تناوله، ويستغرق وقتا طويلا في مضغه. يستطيع مال الله هنا أن يسرّب إليك شعور الحزن والشفقة عليه من مجرد عمل روتيني عادي هو تناول الإفطار، بالدرجة نفسها التي تسرب بها الحزن قصيدة للشاعرة فاطمة قنديل تشبّه فيها الفقد بقطعة ثلج تضعها في الماء كي ترقبها وهي تذوب ببطء وترتشفها رشفة رشفة. هذا الحزن المتأتي من البطء يستمر حين يترك مالان "حي شيكاغو" الذي يسكن فيه في العامرات متوجها إلى حانة "نيرفانا" في روي، بإيقاعٍ بطيء يصنعه من التفاصيل الصغيرة، إذ يقف ليعبر الشارع بعكازه، "لا يهمه الوقت الذي سينتظره قبل أن يجدف قاطعًا الشارع، وأثناء ذلك الانتظار تتنزه حواسه بالنظر في شكل ومحتوى كل سيارة قادمة". يتعمد قبل أن يصل إلى الحانة التوقف ثلاث مرات في الطريق، إحداها عند عتبة دكان يشتري منه قنينة ماء صغيرة، يشربها ببطء وهو جالس، مسليًا نفسه بتأمل الداخلين إلى المحل والخارجين منه. وحين يصل إلى الحانة يقضي أكثر من ساعتين ونصف في احتساء مشروبه ببطء. ويكشف السارد أن هذا السلوك يومي، ويعود إلى ثلاث سنوات خلت، كأن البطء صار عادة يومية لمالان، يفتتح به يومه كل صباح، ويسترد به عافيته وطمأنينة يومه.
هذا الاحتفاء الكبير بالبطء يحيلني إلى رواية السويدي تورجني ليندجرين "حلاوة" (ترجمة حميد كشكولي) التي تتضمن أفضل مرافعة يمكن أن يقرأها المرء عن البطء وأهميته وضرورة رفع الظلم الواقع عليه بتنميطه في صورة سلبية: "لم يفهم البشر معنى البطء، كانوا يفهمون الأشياء التي تتحرك حسب إيقاعهم فقط. لم يفهموا تآكل الجبال وموت غابات الصنوبر والأحجار التي تظهر من تحت التربة. لم يفهموا حتى كيف تنمو أظافرهم. لقد استوعبوا الوقت، لكنهم لم يستوعبوا البطء. لذا كان البشر يقرؤون الجرائد، لتمتلئ ذواتهم بالأحداث والوقت. إلا أن البطء كان أقوى وأكثر ديمومة من الوقت: الوقت سرعان ما ينتهي، لكن البطء يكاد لا ينتهي على الإطلاق. للبطء قدرة على احتواء كل شيء على التوازي، وعندما نشبّه الوقت بالبعوض والناموس، يكون البطء حيوانًا ضخمًا مستلقيًا يجتر ويمضغ. الناس الذين استسلموا للوقت ليس لديهم ماضٍ حقيقي، بل هو ضائع ومستهلك ومستنفد ومن دون ماضٍ فإن الإنسان نفحة من الهواء".
وهكذا؛ فإنه إذا كانت فلسفة الرحبي تقوم على تحويل البطء إلى أداة انتقام من الماضي، فإن فلسفة ليندجرين ترى أن "الماضي المعاش بوعي وببطء، هو المادة الخام الوحيدة التي يمكن أن يُصنع منها الإنسان الراسخ". ويمكن أن يجد المرء تجسيدًا نموذجيًّا لهذه الفلسفة الأخيرة في بطل رواية "اكتشاف البطء" للكاتب الألماني ستِن نادولني (ترجمة سمير جريس). هذا البطل هو البحار الإنجليزي جون فرانكلن ضابط البحرية الملكية البريطانية ومستكشف القطب الشمالي، والبطء لديه - كما لدى مال الله - هو منهج حياة أيضا، ومفتاح لفهم العالم. ذلك أنه في طفولته وشبابه اصطدم بنظامٍ اجتماعي قاسٍ كان يحكم على الناس بسرعة الفهم وسرعة الرد، أما البطيء فيُساء تقديره، "كان يبحث عن مكان لا ينظر فيه أحدٌ إليه على أنه بطيء أكثر من اللازم". ثم اكتشف فرانكلن مع مرور الوقت أن البطء يعني التمهّل الذي يمنحه تركيزًا أشد على التفاصيل وقدرة على الاحتمال تزداد قيمةً كلما اشتدت الظروف. وعندما تقوده الأقدار في رحلات بحرية استكشافية، يصبح إيقاعه البطيء جزءًا من قوة شخصيته، ويتبدى ذلك في صبره الطويل على الانتظار، وانتباهه الدقيق لعناصر المكان، وتقديره الواعي للمخاطر في ظروف قد يؤدي فيها أي قرار متسرع إلى ما لا يحمد عقباه. جعل نادولني فرانكلن يعيش الزمن على مهل كي يراه كاملًا، ويتقدم كل خطوة بحذر شديد كي يضمن الخطوة التالية؛ لذلك يصير البطء لديه مهارةً في القيادة مثلما هو مهارة في النجاة.
هذه تداعيات عن البطء، وحضوره في كتابات وأعمال أدبية تحتفي به وتنزله المنزلة التي يستحقها، كتبتُها ببطء سلحفائي، وفي يقيني أن المعنى سيبقى في بطني (رغم أنني لستُ شاعرًا)، ما لم تُقرأ بالبطء نفسه. فهو إذن مقال ينبغي أن يُقرأ ببطء.