في اليوم العالمي للقصة القصيرة الذي صادف الـ14 من فبراير عدنا بخمسة من كتابها إلى لحظة البدء، وسألناهم عن علاقتهم بها منذ إصدارهم الأول حتى اليوم، وكيف تبدلت هذه العلاقة عبر السنوات. هنا يخبرنا حمود سعود، وخليفة سلطان العبري، وسعيد الحاتمي، ومازن حبيب ومحمود الرحبي عن علاقة لم تثبت على حال من مهمة مستحيلة نمت بالتجريب والتدريب حينا، وبالمحاسبة حينا آخر، واشتدت تأملا في الحياة والزمن والمكان حتى غدت بحثا دائما عن «حطب» جديد يشعل حكاية لم يسبق إليها أحد من قبل.
**media[3294528]**
بداية يقول القاص حمود سعود: علاقة أي كاتب بكتاباته وإبداعه علاقة تغير وتطور وتوجس، فالعمل الإبداعيّ الأول يكون غير مكتمل ـ فكل عمل أدبي هو عمل ناقص، لا يوجد عمل أدبي مكتمل ــ إلا أن الكاتب يحاول في الأعمال اللاحقة أن يرمم مواطن الضعف والقصور، وأن يطوّر من أدواتها وأساليبه الكتابيّة.
بكل تأكيد تغيرت نظرتي وتصوراتي عن القصة القصيرة من الإصدار الأول إلى الإصدار الأخير، من حيث علاقتي باللغة السردية، فأنا في محاولة دائمة ومستمرة لتجويد اللغة السردية لأنني أنظر إلى اللغة بكونها مكوّن مهم في بناء المعمار السردي. وكذلك اشتغالي على النص السردي المفتوح، ومحاولاتي في هذا الجانب.
وكذلك في الثيمات التي بدأت أتطرق إليها في نصوصي، وعملية بناء الشخصيات، وحضور المكان داخل النصوص كونه مكون أساسي وفعال، والاهتمام بالحوارات بين الشخصية لتصبح الشخصية فعالة ومتفاعلة مع مكونات السرد، وناطقة بعوالمها وهواجسها.
ولكن الأهم هو تأملات القاص في الحياة، والزمن، وفيما يحدث من حوله، فالقصة ليست مجرد أحداث وشخصيات ولغة، بل رؤية خاصة للقاص للعالم، كيف ينظر ويتفاعل هذا الكائن مع محيطه وعوالمه اليوميّة والخفية، فالقصة هي الحياة، والحياة في تغير وتقلبات وخيبات.
**media[3294530]**أكتب بشغف وباندفاع
من جهته يقول القاص خليفة سلطان العبري:لا أشعر بأنها تغيرت كثيرا، فحين صدر عملي الأول كنت أكتب القصة بشغف عال وباندفاع ورغبةٍ في أن يُسمع صوتي. كان نشري آنذاك ليس مساحة تنفس فحسب بل مساحة إثبات وحضور ونافذة أطل منها على الآخرين أكثر مما أطل على نفسي.
ربما تحسنت علاقتي بها تكثيفا لغوياً لكن التعلق بالتجريب ظل مستمر ففي إصداري الأخير (دريشة وحكاية غرفة) سيجد القارئ قصص يحتويها عنوان واحد (قصة دريشة) مثالاً..
كانت شرارة النص وإرهاصاته تتشكل بدافع من المشاعر، الأحداث والمصادفات ولا تزال كذلك حتى اليوم، لكن بقي الشغف بالمكان كما هو، المكان الذي بقي يرافقني شغفه طوال جميع إصداراتي مع الوجوه التي عرفتها في كل الأمكنة المتعددة التي أقمت فيها حتى وإن غابت والضجيج الذي كنت أعايشه حتى وإن صمت. بالطبع نضج التجربة حياة وكتابة لها دورها وانعكاساتها أيضا.
**media[3294529]**خطوة أولى
ويقول القاص سعيد الحاتمي: أعتقد أن أهم ما حدث بعد صدور مجموعتي الأولى هو ذلك الشعور الجميل الذي صار يلازمني وأنا أتلمس حروف اسمي البارزة على غلاف المجموعة. لقد أصبحت كاتبا ولدي كتاب يتنقل بين معارض الكتب وأرفف المكتبات. أتوقع أنك تفهمين ذلك الإحساس الذي ينبت بعد ذلك والذي يشبه أن يكون المرء شابا وحيدا ثم يصبح أبا وعليه أن يكون حريصا ودقيقا بعد ذلك ليكون جديرا بالوضع الجديد. حيث أصبحت أكثر حرصا في الكتابة وأكثر محاسبة لنصوصي كما يجدر بكاتب قصة لديه إصدار يحمل اسمه.
علاوة على ذلك بدأت أشعر أنني منتمٍ إلى تلك الفئة من الناس الذين يتسمون بأنهم قاصين أو كتاب قصة.
الأمر الذي جعلني في مرحلة تدريب مستمر لأليق بوجودي ضمن هذا التجمع. ثم يأتي بعد الرغبة في تكريس هذا الوجود من خلال العمل على إصدار مجموعة أخرى لتأكد للقارئ ولنفسي إن الأمر لم يكن مجرد خبطة عشوائية بل خطوة أولى تتبعها خطا لاحقة.
**media[3294531]**لا يمكن سلقها بتعجّل
في حين يقول مازن حبيب: تطوّرت علاقتي بالقصّة تصاعديًا خلال أكثر من عشرين عامًا منذ الإصدار الأول إلى حدّ قد يصل إلى التّقديس المبالغ فيه لما يمكن اعتباره قصّة قصيرة؛ إنها المهمّة المستحيلة، الأمر الذي كنت متطرفًا فيه على أية حال، لكن عليّ الاعتراف بزيادة تطرّف رأيي الشّخصي الذي لا ألزم صحته، أو أفرضه على أي تجربة قصصية.
تجاوزت القصّة التي أود كتابتها اليوم - وأيضًا بعد قراءة ومُراجعة ترجمة كِتاب «كتابة القصّة القصيرة»(دار نثر، 2023) -مساءلة الرّصانة الأدبية المعهودة والمتعة القرائية المتوقعة في كل قطعة فنية مكتوبة.
القصّة التي أود الاستمرار في كتابتها ونشرها، هي قصّة لم أكتبها من قبل من ناحية الشكل والمضمون، إن استطعت. قد يصل الأمر إلى التّخلي عن مسودات قصص تقارب مُفرداتها، أو إيقاعاتها السردية، أو تكنيكاتها مما كتبته سابقًا، أو ما أظن أنه قد كُتب عنه أو مثله بشكل من الأشكال، وحتى على نحو عارض، ولا أدّعي توفيقي حينما أُنشر بأنني تجاوزت هذه الاعتبارات بالضرورة، لكن على الأقل أثناء الكتابة وخلال مكابدتي القصصية يكون هذا هو حواري مع نفسي.
القصّة القصيرة لا يمكن سلقها بتعجّل؛ لا يمكن إعادة سردها شفويًا أو اختزالها، أو الحديث عنها بشكل عادل، سوى بالانغماس في تجربتها الكتابية والقرائية بعمقٍ يؤثر على المرء وتحفزه على التّوقف قليلًا إزاء حياته قبل عودته إلى معمعتها. إنها تخاطبك دون أن تستطيع التعبير بشكل واضح عن الشعور الذي أثارته فيك، وأنت تعيش صدقه.
**media[3294527]**البحث كان شاغلي
من جانبه قال القاص محمود الرحبي: البداية كانت قبل إصداري لمجموعتي القصصية اللون البني، والتي كتب أغلب قصصها بالمغرب في دراستي الجامعية الأولى، ربما العنوان له علاقة بالحنين، فاللون البني هو لون الطين والقرية البعيدة، قبل إصداري للون البني كنت أكتب قصصا وأنشرها في أواخر الثمانينات في جريدة عمان غالبا، وهي قصص غير موجودة في مجموعتي الأولى، أتذكر الآن فقط بعض عناوين تلك القصص مثل «عضلات فم النائم» و«انبلاج الحلم عند الغسق»، و«دخولات»، وغيرها من عناوين، أيضا كتبت في سنتي الجامعية الأولى قصصا لم أضمنها المجموعة الأولى، وكان من أهمها قصة أفتقدها تماما تحت عنوان «قرية أبادها المطر» ولكن أغلب هذه القصص كنت أراهن فيها على اللغة، كنت مولعا باللغة أكثر من استجلاء الحدث، لذلك جاءت تلك القصص ملتبسة بالشعر وهويتها التجنيسية مضطربة، في حين أن جزءا من هوية القصة هو رصد التحولات سواء الذاتية أو الاجتماعية، بينما في قصص اللون البني حاولت أن أجد توازنا بين نسيج لغة تنفح على البلاغة وصفاء الحدث ووضوحه.
الرؤية طبعا لاحقا شقت نفس الطريق في هذا السياق، ولكن في كل مرة أحاول أن أنبش في أفكار جديدة أجتهد على أن تكون خاصة بي، ولم لا، لم يسبقني إليها أحد من قبل (أو هذا جزء من طموح أي كاتب على الأقل). لا أعرف إلى أي حد نجحت أو فشلت في هذا المسعى، ولكن ربما كان هذا دأبي: البحث عن فكرة جديدة خارج الحكاية الشفوية، ولكن مع الوقت أغرتني الحكايات الشفوية ذات الصبغة العمانية وقد حاولت أن أتعامل معها بحذر شديد دون أن أهدم بنيتها الأصلية قدر الإمكان، ولكن أيضا دون السقوط في إغراءات تدفقها الخطي.
كانت حكايات وضعت ليسمعها الناس فكيف أستطيع أن أسبكها قصصيا؟ تظل تلك محاولات تجريبية في المواضيع. البحث عن مواضيع وحطب القصص كان شاغلي، وأحيانا تسعفني الحكايات الشعبية بمواد ذات جاذبية وسحر، يمكن أن نجد شيئا من ذلك في مجموعتي القصصية «ساعة زوال» التي فازت بجائزة السلطان قابوس في دورتها الأولى، هناك أيضا شيء من ذلك في مجاميع قصصية أخرى، مثل مجموعة «لماذا لا تمزح معي؟».
مع الوقت وانطلاقا من اللون البني المجموعة القصصية الأولى استطعت أن أتلمس الخيط الشفيف بين القول والصياغة، هذا الأمر يحتاج إلى مراس وخبرة في الكتابة. لا يمكن أن تتجاوز نفسك وتتقدم إن لم تجرب الخوض في مختلف الموضوعات والأشكال، فتتعثر ساعة وتخطو ساعة أخرى، ولكن ستسمر والدهشة بتفاصيل الحياة ترافقك.
**media[3294533]**