دائما أسأل نفسي: لماذا يتحول بعض الناس فجأة إلى أشخاص آخرين غير الذين كنا نراهم أو نعرف طباعهم في الماضي؟ ربما هناك سر خفي يخفيه البعض في نفسه، لكن الحقيقة الغائبة الحاضرة تتمثل في شطرين، ما هذا التحول البشري في السلوك إلا جاء نتيجة أمرين؛ الأول هو أن الإنسان أحيانًا يسأم من ارتداء الأقنعة للوجه الذي يقابل فيه الناس، فيفضل العودة إلى الأصل الذي لا يرى منه، وما يبديه لاحقًا هو الأصل الذي خُلق عليه، أما الثاني فعملية التحول الجذري يكون سببها الظروف والضغوطات التي يواجهها الشخص في حياتهم، سواء من أقرب الناس إليه أو البعيدين عنه.
وربما لاحظنا جميعًا أن يتحول إنسان ما بين ليلة وضحاها إلى شخص آخر غير معلوم لدينا، وهذا التحول لا بد أنه جاء نتيجة خضوعه إلى ممارسات أو أسباب دفعته إلى إظهار وجهه الحقيقي أو تلبس وجه آخر ليس الوجه الذي هو عليه، فقط لكي يستطيع أن يدافع عن نفسه.
هناك من الناس من أعرفهم حق المعرفة، لكن بعض تصرفاتهم تصدمني، وبثت في نفسي الكثير من الحيرة، وربما لا أصدق ما أسمع أو أرى من تصرفاتهم وأقوالهم!
ولكن عندما تنقشع الغمامة من أمام عيني أرى ذلك المبرر الوجيه في وصولهم إلى مثل هذه الحالة من التغير المفاجئ، سواء من السلوك أو ردود الأفعال، فأحيانًا "الناس" هم من أوصلوهم إلى هذه المرحلة أو الحالة التي يبدون فيها من السوداوية والوجع والتوحش، فاستغلال أخلاق الإنسان بشكل سلبي قد يكون سببًا وجيهًا لظهور شخصية أخرى جديدة تمارس حياتها بعكس ما بدأت.. كيف ذلك؟
عندما يكون الإنسان كريمًا مع غيره يحاول البعض استنزافه بشتى الطرق بالخديعة والتحايل، وعندما يكون متسامحًا يسعى الآخرون إلى مضايقته والنيل من إنسانيته، وعندما يكون واثقًا فيمن يتعامل معهم "تستغفله" المخادعون معتقدين بأنه شخص ساذج وغبي يسهل عليهم خداعه، وعندما يجدونه ذلك السند والعضد يثقلون عليه بأوجاعهم وبمشاكلهم وكأنه شخص خالص من أي شيء، وعندما يجدونه لينًا ودودًا في تعاملاته ينظر إليه كشخص "تافه" لا يفقه من الحياة شيئًا!
هذه الاعتبارات والممارسات الخاطئة وغيرها، يمكن أن تخلق شخصيات جديدة من العدم، فعندما يضجر الإنسان من كل الأخطاء التي تستهدفه ويكون لديه ردة فعل، يعود الناس ليتهموه من جديد: لقد "ظهر على حقيقته"!
هذه ليست حقيقته، وإنما أنتم من أوصلتموه لهذه الحالة المزرية التي تستحقون أن يتعامل بها معكم! يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المائدة:
"وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ".
الإنسان يقرأ الآخرين من خلال تعاملاتهم وردود أفعالهم، للأسف عندما يسوق لنا القدر أشخاصًا مهذبين لطيفين، لا نحسب لمشاعرهم شيئًا، بل لا نبالي إذا ما تعدينا "الخطوط الحمراء" معهم، بينما الأشخاص الغليظين المتشددين نقف عند حدود الحديث معهم.. لماذا هذه الازدواجية في التعامل؟
عامل الناس بما تحب أن تُعامل به منهم، فالمعاملة الحسنة يجب أن يقابلها الحسن، أما إلغاء الفواصل والحدود مع اللطفاء وأصحاب القلوب الرحيمة فلا يستحقون منك كل هذا التهميش والتجاوز في حقوقهم، فكل إنسان بداخله شخص آخر يمكن أن يظهر ويتوحش بشكل مفاجئ إذا ما وجد نفسه الحلقة الأضعف بين الناس.