عندي سؤال حول طواف الوداع في العمرة، الأوضاع الحالية تغيّرت قليلا نظرا لكثافة المعتمرين، التي تمنع أحيانا من الحصول على فرصة لطواف الوداع في الصحن في الأسفل، إنما من أراد أن يكون في الطوابق الأخرى، وهي مسافة بعيدة جدا قد تشقّ على المعتمر، فهل طواف الوداع سنة أم هو واجب؟ وفي مثل هذه الظروف ما حكمه؟
معلوم أن طواف الوداع للمعتمر فيه خلاف بين أهل العلم، وليس السؤال هنا عن بحث هذا الخلاف أو عن الترجيح، ومع ذلك فإن القول الأرجح هو أن طواف الوداع للمعتمر واجب، إذ لا فرق بين العمرة والحج، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اجعلوا آخر عهدكم بالبيت الطواف»، وجعل العمرة حجا أصغر، إلا ما دل دليل خاص أنه في مناسك العمرة يختلف أو لا يُشترط، فمناسك العمرة وأحكامها كالحج إلا ما استثناه الدليل الشرعي، ولم يأت دليل يستثني طواف الوداع في العمرة.
ولكن الظروف الحالية فيما مضى كانت جائحة كورونا، واشتراطات العزل والتباعد، والأخذ بالاحتياطات المانعة من انتقال العدوى، ثم بعد ذلك التزاحم الكبير مع أعمال الصيانة في المسجد الحرام، ومنع الدخول إلى صحن الكعبة المشرفة إلا لمن كان محرما من الرجال أو النساء، أي المقصود هو تخفيف الزحام وإتاحة الصحن المطاف للمعتمرين، وباقي مواضع المسجد للمصلين.
ففي هذه الظروف والأحوال، فإن الأخذ بقول من يرى عدم لزوم طواف الوداع للمعتمر فيه سعة ولا حرج في الأخذ به، ولا حاجة إلى الاحتيال بأن يعمد الرجال إلى وضع ثوبي الإحرام دون إحرام أو تلبية، فهذا أقرب إلى التدليس، إذ ليس المقصود من لبس هذه الملابس إلا الوصول إلى الصحن مع إيهام الجهة المعنية بأنهم محرمون، وهذا مما لا نحبه لمن كان في تلك الأماكن الطاهرة،
ينبغي أن يكون أكثر حرصا على الصدق وعلى التخلق بأخلاق الإسلام، إن أُذن له فحسن، وإن لم يؤذن له فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى أن يأخذ بقول المرخّصين الذين لا يشترطون طواف الوداع في العمرة، فضلا على أن المقصد هذا، وهو مقصد إتاحة الصحن للمعتمرين حينما يكون هو مؤديا للعمرة، فإنه يستثقل الذين يزاحمونه من الطائفين المتنفلين من غير المعتمرين لشدة الزحام، بل إنه في تلك الحالة يرجو أن لو يجد ما يعينه على الخشوع والضراعة إلى الله تبارك وتعالى بتخفيف هذه الأعداد، وبإتاحة الصحن للمعتمرين بنظام معين يمكنه من أداء العمرة على أحسن ما يستطيع.
والأخذ بالرخصة مع تفشي كثير من الأمراض الموسمية، ومع كون الطواف في الأدوار العلوية بالغ الصعوبة والمشقة على كثير من الناس، ثم إنه سيزاحم المصلين أيضا والمتجهين إلى أماكنهم لأداء الصلاة، ففي هذه الظروف قلت إن الأخذ بالرخصة واسع بقول من قال بعدم لزوم الطواف، لأن المنع هنا ليس من جهة التزام المكلف، وإنما هو لسبب خارجي، وله نظائر في الحج، وهذا لا ينفي أن القول الراجح هو وجوب الوداع للمعتمر.
ولو أردنا أن نعطي مثالا آخر: أن يقطع الحاج وادي محسر قبل طلوع الشمس هو شرط، ومن تعمد التأخير ألزمه كثير من أهل العلم الدم، لكن إذا كان هذا التأخر بسبب التزاحم، بحيث إن حركة المرور تقف تماما سواء للمركبات أو للراجلة، فلم يتمكن من قطع وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس، رفع عنه الحكم بلزوم الفدية أو بلزوم الدم، لأن هذا لم يكن بتسبب منه وإنما كان لسبب طارئ بسبب الظروف والأحوال.
وكثير من الناس يستشكل أو يجد في نفسه صعوبة، ونحن لا نضيق على أحد من أراد الأخذ بالأحزم وأراد أن يطوف طواف وداع فلا حرج عليه، ولا يمكن أيضا أن نؤثم من لبس ملابس الإحرام وأدى طواف الوداع، لكن لا ينبغي له أن يضيّق على غيره،
وقلت إن المسألة فيها خلاف، فإن كثيرا من القائلين بعدم لزوم الوداع للمعتمر يرون أن الوداع خاص بالحج لأنه ورد في حجة الوداع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا، ويستدلون بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يودّع في أدائه للعمرة، لكن هذا مردود عليه، ففي عمرة الحديبية أحل في موضعه ولم يبلغ البيت لصد المشركين له، ثم في عمرة القضاء لم يُذكر هل ودّع أو لم يودّع.
وإن كان كثير من أهل العلم يقولون إن الظاهر أنه لو كان قد ودّع لذكر، أما المتأخر من أقواله وأفعاله وما كان في حجة الوداع التي قال فيها: «خذوا عني مناسككم»، وأما في العمرة الثالثة، فكانت ما تسمى بعمرة الجعرانة، فقد اعتمر ثم خرج فلم يمكث في مكة، وهذا لا وداع عليه أيضا، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له الناس: من دخل لأداء العمرة ليخرج بعدها يتحلل ثم يخرج، فلا وداع عليه، إنما الوداع للمقيم أو الذي يمكث يوما أو يومين، وأما العمرة الرابعة، فكانت في حجته عليه الصلاة والسلام، وحينما أمر بأن تؤخذ السيدة عائشة لأداء العمرة، فهي كذلك أدت العمرة ثم خرجت فلم تمكث.
فهذا فقط لبيان الحكم الشرعي، لكن القول بعدم اللزوم قول أيضا ليس بالقول الخفي النادر، بل قال به كثير من أهل العلم، وقلت مع اجتماع هذه الظروف والأحوال اليوم، والتي ذكر بعضها السائل وذكرت بعضها في الجواب، فإنه يسوغ الأخذ بالرخصة، ومن أخذ بالأحزم فذلك خير دون أن يثرب على غيره، ومن أخذ بالرخصة فذلك واسع في ظل هذه الظروف والأحوال التي تحتف بالبيت الحرام وبأداء مناسك العمرة، والله تعالى أعلم.
ما حكم التعامل بالسفتجة؟ مثال: أنا أريد أن أرسل الأموال إلى الجزائر، فشخص يريد أن أعطيه دولارات في الصين، وأنا أريد أن يعطيني إياها في الجزائر، ما حكم التعامل بهذه؟ وما حكم التعامل مع شركات تحويل الأموال، أي المعاملات التي يجتمع فيها طرف وحوالة؟ مثال: أنت تعطيه ريالات، فهم يحولونها إلى دولارات ويرسلونها إلى حساب شخص، فيكون في نفس المعاملة يجتمع فيها صرف وحوالة؟
الصرف يجب أن يكون بسعر ذلك اليوم حتى لا يقع في شبهة تأجيل الصرف، ولذلك اشترط أن يكون -لأن العملات تتفاوت، ليست كل العملات مثبتة إزاء الدولار الأمريكي، بل كثير منها متفاوتة بحسب سعرها في السوق- سعر التحويل سعر الصرف في نفس يوم التقابض، في نفس مجلس التقابض الذي يؤدي فيه هذا الذي يرغب في التحويل الأموال التي يريد تحويلها بالدولارات أو بأي عملة أخرى إلى مكان آخر، فتكون بسعر ذلك اليوم، أما أخذ الأجرة على الحوالة فهذا مما لا حرج فيه شرعا، والله تعالى أعلم.
شخص تزوج امرأة، طلقها قبل الدخول، ثم بعد ذلك خطبها من جديد ودفع لها المهر، واستمرّا زوجين لمدة سنوات، ثم طلقها مرة أخرى، الآن الطلقة الأولى قبل الدخول هل تُحتسب، أم يعتبر زواجه الثاني مستأنفا وتُعتبر طلقة أولى؟
هذا سؤال جيد، والصحيح وهو الذي عليه اتفاق أهل العلم أن تلك الطلقة تُحسب في الزواج الجديد، فإذا طلق رجل امرأة قبل الدخول فإنه لا عدة عليها، فإذا أرادها فعليه أن يعقد عليها عقدا جديدا بشروط الزواج المعروفة من رضا المرأة، وإذن وليها، والصداق، والشهود والبينة، وتكون في هذا الزواج معه بطلقتين، لأنه تقدمت منه طلقة واحدة، فينبغي أن يتنبه لهذا الأمر، والله تعالى أعلم،
إذا طلقها قبل المس فلا عدة عليها بنص كتاب الله عز وجل، فربنا تبارك وتعالى يقول: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا»،
ومن الأحكام المتعلقة بذلك أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، وأنه إن كان قد فرض لها الصداق فإن لها نصف الصداق، إلا أن تعفو المرأة عن هذا النصف فترده إلى الزوج، أو أن يعفو الرجل عن باقي الصداق فيؤدي إليها الصداق كاملا، وإن كانت لم يسمَّ لها الصداق ولم يفرض لها، فلها المتعة ولا عدة عليها،
وبناء على ذلك، فإن الطلاق لا يتبع الطلاق لأنه لا عدة عليها، وإنما ذكر أهل العلم صورة محل خلاف وهي أن يذكر العدد في تطليقه وهو لم يدخل بها بعد، هل يمكن أن تقع الثلاث دفعة واحدة في حق غير المدخول بها؟ أما إذا فرق الطلقات وطلق طلقة واحدة فإنها تبين منه فورا بعد كلمة الطلاق الأولى، وعلى هذا تصير أجنبية، فإذا أضاف بعد ذلك طلاقا آخر فيكون كمن طلق امرأة أجنبية،
ولذلك فإنه إذا أرادها، عليه أن يتزوجها بعقد جديد، ويخطئ من يظن أنه يمكن له أن يراجعها بالإشهاد فقط، فهذا خطأ، ومن الطريف مما ذكره علماؤنا في مصنفاتهم الأولى أنه إذا ظن أنه يجوز له أن يراجعها فراجعها بإشهاد فقط ولم يدخل عليها، فإنها تستحق مهرا ونصفا إن كان قد سمى لها صداقا، أما تمام المهر فلأنه دخل بها، ونصف المهر بسبب أنه طلقها قبل أن يدخل بها، ومثل هذا إن كان لم يعلمها، أي طلقها ولم يعلمها، فإنها تستحق أيضا مهرا بسبب الدخول بها وهي لم تعلم، ونصف المهر بسبب أنه طلقها قبل أن يدخل بها، فهذه جملة أحكام متعلقة بالمطلقة قبل أن يمسها الرجل، ومن ذلك أن الطلقة قبل المسيس تُحسب في الزواج الجديد، وقد حكى طائفة من أهل العلم الاتفاق على هذا، والله تعالى أعلم.