حفظة القرآن هم أهل الله وخاصته، اختارهم الله من بين الخلق لكي تكون صدورهم أوعية لكلامه العزيز، بفضله وتوفيقه، فتلك بركة أسبغها الله على حيواتهم، نالوها ثمرة لجهدهم في تدارس القرآن وحفظه، فبذلوا أوقاتهم رغبة منهم في الحصول على هذا الوسام الرباني، فنالوا ما كانوا يرجون، وفي هذا الأسبوع خطف الحافظ أحمد بن عبدالله بن محمد المعولي الأنظار بفوزه بالمركز الأول في المستوى الأول من مسابقة «فاستمسك» لحفظ القرآن الكريم في دورتها الأولى، وهو مستوى "حفظ القرآن الكريم كاملا مع تفسير سورة البقرة"، وهي المسابقة التي جاءت بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وبرعاية حصرية من مؤسسة الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني الوقفية الخاصة، وفي هذا الحوار، تحدث المعولي عن مشاعره لحظة التتويج، وعن رحلته الطويلة مع القرآن، وأهمية الجمع بين الحفظ والتفسير، والدروس التي خرج بها من هذه التجربة.


يستهل الحافظ أحمد المعولي حديثه بتوجيه الحمد لله والدعاء، قائلا: "نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته"، ثم يصف لحظة إعلان فوزه بأنها كانت لحظة استثنائية بكل المقاييس، إذ إن ما ميز المسابقة أن النتائج لم تُعلن مسبقا، بل ظلت مخفية حتى لحظة التتويج، على خلاف ما جرت عليه العادة في كثير من المسابقات القرآنية.


ويضيف أن عنصر المفاجأة ظل حاضرا حتى اللحظة الأخيرة، خاصة مع شدة المنافسة وتقارب المستويات بين الحفظة، مما جعل وقع الخبر عظيما في قلبه، وغمرته فرحة بلطف الله وعنايته، وعن معنى هذا الإنجاز على المستوى الشخصي، يؤكد المعولي أن الفوز يمثل استمرارا لنهج اختطه منذ سنوات، وهو الاستفادة من المسابقات المحلية والدولية بوصفها وسيلة مهمة لتثبيت الحفظ وضبطه وإتقانه، ويشير إلى أن هذا الإنجاز له مكانة خاصة، لأنه لأول مرة يحصل على المركز الأول في مسابقة بهذا الحجم، بعدما انحصر فوزه في السابق بين المركزين الثاني والثالث.


أما على المستوى الإيماني، فيرى أن العكوف على المراجعة والارتباط بكتاب الله صباحا ومساء، حضرا وسفرا، وفي كل الأحوال، يجعل القلب حيا عامرا بالإيمان، ويمنح صاحبه سعادة لا تعادلها أي سعادة أخرى، ويقول في هذا السياق: "مشروع القرآن مشروع لا يعرف الخسارة أبدا، حتى الذي لم يفز بمركز، يكفيه أنه عاش ساعات طويلة في صحبة كتاب الله".


وحول مشاركته في مسابقة «فاستمسك»، يوضح المعولي أن الإعلان عنها كان مطلع شهر نوفمبر، وقد شدته تفاصيلها منذ اللحظة الأولى، خصوصا اهتمامها بالتفسير، فقرر المشاركة فيها، لا سيما أنها غير مقيدة بسن معين، ويؤكد أن التفسير هو أبرز ما يميز هذه المسابقة عن غيرها، فالحافظ قد يجد لذة في مراجعة ورده وحفظه، لكنه قد يغفل عن التفسير، وهو أمر شائع بين كثير من الحفظة، ولذلك جاءت «فاستمسك» لتفتح أمامهم أبوابا جديدة من المعاني واللطائف التفسيرية التي كانت غائبة، رغم أن المسابقة اقتصرت على تفسير سورة البقرة، إلا أنها تمثل في نظره انطلاقة للحافظ ليواصل الغوص في بقية سور القرآن، لأن من ذاق حلاوة فهم الآيات لا يرضى بعد ذلك بالاكتفاء بالحفظ وحده.


وبسؤاله عن خصوصية المستوى الذي فاز فيه، يبين المعولي أن هذا المستوى تميز عن غيره بجمعه بين الحفظ والتفسير، مما يتطلب مضاعفة الجهد، إذ يشتغل المتسابق على جهتين في آن واحد، ويشرح أن مقرر التفسير كان في كتابين: "الإبريز في تفسير الكتاب العزيز" للشيخ إبراهيم الصوافي وآخرين، و"صفوة التفاسير" للصابوني، كما شمل التفسير جوانب متعددة، من معاني المفردات ودلالاتها، وأسباب النزول، والمعاني الإجمالية، والنكت البلاغية، والأحكام المستفادة، مما جعل المادة العلمية تقارب 400 صفحة، وهو ما دفع الحافظ إلى تخصيص وقت كبير للتفسير، غير أن هذا الجهد يتلاشى أمام الفوائد العظيمة التي يجنيها المتسابق.


وعن بدايات رحلته مع القرآن الكريم، يقول المعولي إنها بدأت منذ المرحلة الابتدائية، تحديدا من الصف الخامس، واستمرت في معهد العلوم الإسلامية خلال المرحلة الثانوية، لكنها كانت جهودا متفرقة دون خطة محكمة للمراجعة، مما أدى إلى تفلت كثير من الحفظ، وفي عام 2015، اتخذ قرارا حاسما بحفظ كتاب الله، وتمكن بعون الله من إكمال الحفظ خلال عامين ونصف، وكان ذلك في يوم 11/11/2017، ومنذ ذلك الوقت، واصل التثبيت والإتقان، وساعده في ذلك الاشتراك في المقارئ الإلكترونية، خصوصا مقرأة المسجد النبوي عن بعد، إلى جانب المشاركة المستمرة في المسابقات القرآنية.


أما عن منهجه في تثبيت الحفظ والمراجعة، فيوضح أنه اعتمد على التكرار، خاصة التكرار المتباعد، كما كان يسجل تلاوته صوتيا ثم يستمع إليها بسرعة مع تدوين الأخطاء في مصحفه الخاص، إضافة إلى ذلك، قام بتقييد المتشابهات في دفتر أعده لهذا الغرض، وقرأ محفوظاته في الصلوات وإمامة المصلين، مؤكدا على أن العبرة ليست بالكثرة، وإنما بطريقة قراءة الورد، مستشهدا بقول الإمام السالمي رحمه الله: "أقله في اليوم جزء واحد".


وعن أبرز الصعوبات التي واجهته في الاستعداد للمسابقة، يشير إلى تعدد الأدوار في حياته، فهو ليس متفرغا لطلب العلم، بل يعمل في وظيفة تستنزف ثلث يومه، وهو أيضا أب وزوج وابن وعضو في مجتمع يحتاج لخدمته، مما يجعل الوقت ضيقا، خاصة في التصفيات الأولية، أما التصفيات النهائية فقد تزامنت مع إجازة منتصف العام، مما خفف من التحدي قليلا، كما أن طبيعة المستوى الأول، وما يتطلبه من قراءة متعمقة في التفسير والمزاوجة بينه وبين الحفظ، شكلت تحديا إضافيا، خاصة وأن التفسير خُصص له 40 درجة.


وفي حديثه عن الأشخاص الذين كان لهم أثر كبير في دعمه، يذكر المعولي الأستاذ المقرئ خالد الحسني الذي كان له الدور الأبرز في تعليمهم دقائق التجويد بأسلوب مميز يجمع بين الدقة والتدرج، مع تحفيزه الدائم للاستفادة من المسابقات، كما يثني على الدكتور محمد الغماري الذي كان سندا ومحفزا، واستفاد منه كثيرا في الأداء القرآني، ويذكر أيضا الحافظ محمد الغزيلي الذي كان يراجعه باستمرار ويجري معه اختبارات تحاكي أجواء المسابقة، إضافة إلى الحافظ ماجد الجرداني الذي سانده في مقرر التفسير، حيث مرا على أغلبه معا، إلى جانب ثلة من الإخوة الذين كانوا عونا له.


وحول أثر القرآن في الإنسان، يؤكد المعولي أن القرآن يغير حياة صاحبه جذريا، ويقول إن من ارتبط به يدرك أن حياته بعد القرآن ليست كقبله، فالقرآن يجلب البركة في النفس والأولاد والمال والعمل، "فما زاحم القرآن شيئا إلا بارك الله فيه"، ويضيف: "نحن لا نحفظ القرآن، بل هو الذي يحفظنا"، وفي زمن التشتت والفتن التي تعصف بالشباب، يرى أن أعظم ما يلجأ إليه المؤمن لحفظ دينه والثبات على الطريق هو الاعتناء بهذا الكتاب العظيم قراءة وحفظا وتفسيرا وتدبرا، فهو أأمن طريق وأيسر سبيل.


ويختتم المعولي برسالة مؤثرة للشباب الذين يترددون في حفظ القرآن، قائلا: "بادر، وإن غادرت هذه الدنيا ولم تتمه فسيكتب لك أجر نيتك بإذن الله، الله سيتولاك إن رأى صدق نيتك، فلا تتحجج بأي عائق، فالوقت سيبارك لك فيه، ولا تقل كبرت وقلت قدرتي، فكم من جاوز الخمسين وحفظ وواصل حتى القراءات القرآنية، انوِ وتوكل على الله، وستجد أن حياتك بعد القرآن ليست كقبله بإذن الله تعالى".