دانيال ألاركون - ترجمة - بدر بن خميس الظفري

في منتصف يناير وبحلول الساعة الذي وصلتُ فيها إلى مدينة كوكوتا الكولومبية الواقعة على الحدود، كان معظم الصحفيين الذين وفدوا إليها قد غادروها، عقب قيام قوات العمليات الخاصة الأمريكية بأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإخراجه بتاريخ 3 يناير. كان الصحفيون قد تدفقوا إلى كوكوتا من بلجيكا وفرنسا والمكسيك والولايات المتحدة أملاً في دخول فنزويلا عبر جسر سيمون بوليفار الدولي، وهو الأكثر ازدحاماً بين ثلاثة جسور تمتد فوق نهر تاتشيرا. وفي ذلك الوقت، كان حصول الصحفيين الأجانب على تأشيرة دخول إلى البلاد شبه مستحيل، ولا يزال الأمر كذلك. كما أن الرحلات الجوية إلى كاراكاس كانت قليلة. غير أنّه سرعان ما اتضح أن فرص دخولهم فنزويلا بأمان ضئيلة للغاية. ففي 5 يناير، وهو اليوم الذي أدت فيه ديلسي رودريغيز اليمين رئيسة مؤقتة، احتجز أربعة عشر صحفياً، ثلاثة عشر منهم يعملون لدى مؤسسات إعلامية ووكالات أنباء دولية. وقد رُحِّل أحدهم. وبعد أيام قليلة، أوقف صحفيان، أحدهما كولومبي والآخر مكسيكي، عند تيينديتاس، وهو معبر حدودي آخر في كوكوتا، واحتُجزا لساعات قبل طردهما.

لا يقف جسر سيمون بوليفار عن حركة دائمة. أسراب السيارات والشاحنات الصغيرة تتدفق جيئة وذهاباً من الجانبين، وحافلات متوقفة تعلن عن وجهات بعيدة مثل ليما أو سانتياغو أو مندوزا. وعلى الجانب الكولومبي، تتنافس جيوش من الدراجات النارية التي يقودها سائقون يرتدون زياً موحداً على نقلك أنت أو بضائعك إلى سان أنطونيو دل تاتشيرا، أقرب مدينة داخل فنزويلا. الجو حار ومغبر، وسحب دخان زرقاء رمادية تنفثها الشاحنات العابرة. يمكنك زيارة أحد مكاتب الصرافة العديدة أو الحانات التي تصدح فيها موسيقى كومبيا، أو الجلوس ببساطة على الرصيف لمراقبة مشهد ذلك الاضطراب المعتاد الذي يميز حدوداً تعمل، في آن واحد، مركز عبور وسوقاً مفتوحة للسلع القانونية والمهرّبة. وعلى جانبي الجسر عشرات المسالك غير المشروعة عبر النهر، تسيطر عليها جماعات مسلحة عابرة للحدود، وتتجاوز حتى عمليات التفتيش الشكلية التي قد تجري أحياناً عند المعبر الرسمي. الحركة في الاتجاهين سلسة ومتواصلة، ونقاط التفتيش غالباً ليست سوى إجراء شكلي. فالمشاة المغادرون كولومبيا يستطيعون تجاوز البوابة وعبور الجسر سيراً، والسائق يمكنه المرور دون حتى تحية للحراس. وقد يكون بوسعك فعل الشيء نفسه عند الوصول إلى الطرف الآخر، غير أن الأمر في هذه الأيام، إن لم تكن كولومبياً أو فنزويلياً، ليس مستحباً على الإطلاق.

أما الجسر ذاته فيتكوّن من مسار واحد للمركبات في كل اتجاه، مع رصيف ضيق على الجانبين. طوله ليس كبيراً، نحو ألف قدم، أي ما يعادل أربعة شوارع تقريباً. أخبرني أصدقاء محليون أنه بما

أنني أجنبي يمكنني السير بأمان حتى منتصف الجسر، دون تجاوز ذلك؛ غير أن المشكلة تكمن في عدم وجود إشارة مرئية تحدد موضع المنتصف تحديداً. ولزيادة رهبة رحلة المشي هذه التي تبدو بسيطة، حذرني أحدهم من أن عناصر الحرس الوطني الفنزويلي قد يجرّون أحياناً الأجانب غير المنتبهين الذين يتجاوزون هذا الخط غير المحدد إلى مقارهم لابتزازهم أو أسوأ من ذلك، خاصة إذا كانوا صحفيين. لست رجلاً شجاعاً بطبيعتي، ولذلك، ومع ترديد هذه الحكاية المرعبة في ذهني، توجهت إلى الجسر في يومي الأول بكوكوتا وأنا في حالة شبه ذعر، ألتفت بحذر خلفي بحثاً عن أي مختطف محتمل. كيف كنت سأتعرف إليهم أصلاً. خطوتُ خطوة متوترة، ثم أخرى. هل هذا هو المنتصف؟ وماذا سيحدث الآن؟ لقد بدا الأمر برمته سخيفاً.

كما اتضح لي، فإن الجسر الدولي وحدوده الملتبسة يمثلان معاً استعارة دقيقة لفهم كوكوتا، إذ يبلغ عدد سكان المنطقة الحضرية نحو 1.2 مليون نسمة، ربعهم من الفنزويليين. وفي أرجاء المدينة والإقليم، تتجذر الروابط العائلية والثقافية والاقتصادية بعمق مع فنزويلا. فكل من تحدثت إليهم تقريباً خلال وجودي هناك كان لديه أقارب على الجانب الآخر أو سبق له العيش فيه. وكثيرون يحملون جنسيتين، وهو إرث متعارف عليه من زمن قريب نسبياً كانت فيه فنزويلا الدولة المجاورة الغنية بالنفط والمستقرة والمزدهرة، فيما كانت كولومبيا غارقة في أزمة مستعصية ومتفاقمة. في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان الآباء الذين يفكرون في المستقبل يحملون أطفالهم الذين وُلدوا في كوكوتا ويعبرون بهم إلى فنزويلا ويسجلونهم هناك أيضاً. كان ذلك ببساطة خياراً عملياً لضمان مستقبل الأبناء.

على مدى عقود، اتخذ تدفق المهاجرين اتجاهاً واحداً — كولومبيون ينتقلون إلى فنزويلا بحثاً عن وظائف وفرص لم تكن متاحة في وطنهم. في تسعينيات القرن العشرين، شكّل الكولومبيون أكبر جماعة مهاجرة في فنزويلا، وإن لم يكونوا الوحيدة؛ فقد كانت قوة الاقتصاد الفنزويلي تستقطب عمالاً ومتخصصين من مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية، ومن أوروبا وآسيا أيضاً. ويتذكر الكولومبيون الذين نشأوا في كوكوتا خلال تلك الفترة رحلات اليوم الواحد عبر الحدود بإعجاب، وهم يدهشون من الطرق النظيفة المعبدة حديثاً، ويتناولون الطعام في مطاعم ماكدونالدز، أو يزورون المجمعات التجارية في سان كريستوبال، عاصمة ولاية تاتشيرا الفنزويلية. ويستعيدون ذكرى مشاهدة التلفزيون الفنزويلي بدهشة في زمن لم يكن في كولومبيا سوى عدد قليل من القنوات، كانت تبث برامجها حتى ما قبل منتصف الليل بقليل ثم تتوقف حتى صباح اليوم التالي. أخبرني أحد أبناء كوكوتا أنه نشأ معجباً بالمسلسل الكرتوني الشهير «ثاندركاتس» الذي كان يُبث عبر الحدود، بينما لم يكن أبناء عمومته في العاصمة الكولومبية بوغوتا قد سمعوا به أصلاً. باختصار، كانت فنزويلا تمثل المستقبل، فيما كانت كولومبيا، المثقلة بالفوضى والعنف، متأخرة عن التطور.

أخبرني الصحفي سينار ألفارادو، وهو كولومبي نشأ في فنزويلا خلال ثمانينيات القرن الماضي، بمدى الارتباك الذي كان يعيشه وهو يحاول تحديد موقعه ضمن بنية طبقية تتبدل وفق المكان الذي يوجد فيه. فقد كانت أسرته المباشرة من الطبقة العاملة في فنزويلا، لكنه عندما كان يزور كولومبيا يتحول فجأة إلى ابن العم الثري. وفي كوكوتا، كان الاقتصاد المحلي يعتمد على الفنزويليين الذين يعبرون الحدود لإنفاق عملتهم القوية على الأحذية والملابس، مستعرضين ثراءهم وغالباً ما يشترون بكميات كبيرة. والتباين بين ذلك الزمن والحاضر صارخ إلى حد بعيد، فالفنزويليون اليوم لا يأتون في الغالب لشراء الأحذية الرياضية، بل لشراء المواد الغذائية. ويمكنك الآن شراء رزم من عملة البوليفار عديمة القيمة في الساحة المركزية لكوكوتا، كتذكارات تستحضر حنيناً إلى رخاء قد لا يعود أبداً.

بعد انتخاب هوغو تشافيز في عام 1998، بدأ صافي الهجرة من فنزويلا إلى الخارج بالارتفاع. كان التدفق في البداية محدوداً نسبياً. وكان المغادرون في المجمل من الميسورين، ومن طبقة رجال الأعمال، ممن أرادوا حماية استثماراتهم وممتلكاتهم. ثم، ومع تدهور التوقعات الاقتصادية، تبعتهم الطبقة الوسطى الباحثة عن فرص أفضل، وكثير ممن توجهوا إلى كولومبيا يمكن وصفهم بدقة أكبر بأنهم عائدون، فهم أبناء وأحفاد كولومبيون هاجروا قبل جيل أو جيلين، باتوا يستعيدون جنسيتهم ليبدؤوا من جديد. وضمت هاتان الفئتان معارضين وضحايا للتضييق المتزايد باستمرار. وكل انتخابات مخيبة تخسرها المعارضة كانت تدفع كثيرين ممن فقدوا الإيمان بإمكان التغيير إلى الرحيل.

ومع ذلك، لم يكن أحد مستعداً حقاً لما حدث في عام 2017، حين جعل التضخم المفرط في فنزويلا الحياة اليومية غير قابلة للاستمرار. ففي ذلك العام، بلغ معدل التضخم الرسمي 863 في المائة؛ وفي العام التالي ارتفع أكثر ليصل إلى معدل سنوي مذهل تجاوز 130000 في المائة. وأمام هذا الوضع الذي لا يُحتمل، حمل أناس عاديون من مختلف أنحاء البلاد متاعهم وبدؤوا السير على الأقدام، ليعبروا في نهاية المطاف جسر سيمون بوليفار إلى كوكوتا، ثم يواصلوا الرحلة داخل كولومبيا وإلى أبعد من ذلك. وما كان في البداية شأناً محلياً يخص كوكوتا - التي استيقظت لتجد شوارعها وممراتها مكتظة باللاجئين - تحول سريعاً إلى أزمة وطنية ثم إقليمية. كان ذلك غير مسبوق، وإذا تحدثت اليوم إلى أبناء كوكوتا فإن كثيرين منهم ما زالوا يقشعرون وهم يستعيدون تلك المشاهد. يكفي أن تذكر «لوس كامينانتس» (أي «السائرين» بالإسبانية) حتى يدرك الجميع هنا ما تعنيه.

أخبرتني كيلا فيلتشيز، وهي صحفية فنزويلية تكتب لصحيفة «لا أوبينيون» - الصحيفة الرئيسية في كوكوتا - أن هؤلاء الناس لم يكونوا يهاجرون بقدر ما كانوا يفرّون. وقالت: «هذا هو الوصف الوحيد الممكن. لأن أي شخص يقرر السير عشرين يوماً، ثلاثين يوماً، أربعين يوماً لمغادرة بلده يفعل ذلك لأنه فقد الأمل». وكان معظم السائرين الذين التقتهم فيلتشيز خلال تغطيتها من كوكوتا وعلى طرقات إقليم نورتي دي سانتاندير الكولومبي متجهين إلى بوغوتا أو إلى الساحل أو إلى منطقة زراعة البن في كولومبيا، بعدما سمعوا شائعات عن وجود عمل هناك. كانوا يحملون حياتهم كلها معهم، يجرون حقائبهم المنتفخة على جوانب الطرق، وأطفالهم في أحضانهم. كانوا ينتعلون صنادل أو يسيرون حفاة. وكان اليأس يحيط بهم بلا أوراق ثبوتية، وبلا مال، وربما يحملون رقم هاتف قريب أو عنواناً في مكان ما في بوغوتا. وقد مات كثيرون منهم في الطريق لأنهم كانوا غير مهيئين للارتفاعات أو لظروف الطقس. وفي عام 2018 وحده غادر البلاد أكثر من 1.3 مليون فنزويلي. وقالت فيلتشيز: «بما أنني فنزويلية، لم أستطع إلا التفكير في مدى حسن أو سوء حظي».

وبالمجمل، غادر أكثر من 7 ملايين فنزويلي - أي نحو 20 في المائة من السكان - منذ عام 2015. وليس مبالغة القول إن هذا النزوح غير المسبوق أثّر في كل دولة في المنطقة، إذ أرهق العلاقات الدبلوماسية، وأرهق شبكات الحماية الاجتماعية، وأثار ردود فعل معادية للأجانب، وعمّق الاستقطاب في الرأي العام، وغيّر ملامح السياسة. كما أن الأزمة الإنسانية أعادت تشكيل الجدل السياسي حول الهجرة في الولايات المتحدة أيضاً. فكم عدد الأمريكيين الذين كانوا قد سمعوا بـ«ترين دي أراغوا» - وهو اسم جماعة إجرامية فنزويلية - قبل أن يصبح اختصاراً دالاً على فئات المهاجرين الذين وعد دونالد ترامب بترحيلهم جماعياً؟ كنت أعيش في نيويورك عندما بدأ حكام جمهوريون إرسال حافلات محمّلة بالمهاجرين إلى مدن الولايات ذات التوجه الديمقراطي مثل مدينتي. وفي شتاء 2022-2023 تطوعت لاستقبال الوافدين الجدد في هيئة موانئ نيويورك، وكان معظمهم فنزويليين. كانوا رجالاً ونساءً شباباً وعائلات؛ أذكرهم مذهولين ومشوشين ومتحمسين، بالكاد يصدقون أنهم في وسط مانهاتن. كانوا بحاجة إلى معاطف شتوية وقبعات وملابس داخلية ورباط أحذية. وأكثر من ذلك - إلى مكان للراحة، ووظيفة، ومدرسة لأطفالهم. كثيرون منهم عبروا جسر سيمون بوليفار، وكل ما كان يمكن فعله هو الترحيب بهم والدهشة من مدى المسافة التي قطعوها، فكل رحلة بدت معجزة من نوع ما.

وفي صباح أحد الأيام في كوكوتا، ذهبت إلى لاس ديليسياس، وهو حي يضم نحو 400 أسرة على أطراف المدينة، حيث تتعرج الطرق الترابية صعوداً وهبوطاً بين التلال الخضراء وتتحول إلى طين عند هطول الأمطار، وأكثر من نصف السكان فنزويليون. كانت طلقات نارية قد سُمعت بعد ظهر اليوم السابق، وكان الضحيتان شابين على دراجة نارية، أُطلق النار على أحدهما في ظهره وتوفي، بينما بقي الآخر في المستشفى. ولم يبدُ أن أحداً ممن تحدثت إليهم تعاطف كثيراً معهما؛ فقد قيل إنهما لِصّان، والحياة شديدة القسوة بحيث لا تسمح بإهدار الوقت في الشفقة على المجرمين. وقد أُدرج حي لاس ديليسياس رسمياً ضمن نطاق كوكوتا في عام 2015، في تغيير إداري كان كثيرون يأملون أن يجلب خدمات وبنية تحتية يحتاجها الحي بشدة، غير أن القليل تحقق حتى الآن.

وكانت العائلات الفنزويلية التي تحدثتُ إليها قد وصلت جميعها في زمن «السائرين»، وروت نسخاً متقاربة من الحكاية نفسها: الكارثة الاقتصادية، والتوق إلى شيء أفضل، إن لم يكن لأنفسهم فلأجل أطفالهم. وتذكر رجل في الثامنة والخمسين يدعى رامون التاريخ الدقيق الذي قرر فيه المغادرة: 23 سبتمبر 2015. قال: «لم أعد أحتمل. إذا أردت شراء الدقيق أو الخبز أو أي شيء، كان عليك الانتظار في الطابور ساعتين أو ثلاثاً». كان يصلح الأجهزة الإلكترونية في وطنه، ووجد عملاً مماثلاً في كوكوتا. وقد قدم مع زوجته وابنتيه؛ أما أصغر أبنائه، وهو صبي، فقد وُلد في كولومبيا.

وكان لكل من تحدثت معهم أقارب في فنزويلا - آباء وأبناء عم وإخوة وأخوات. وعندما سألتهم عمّا يسمعونه عن الوضع هناك، وعن التغيّر منذ إطاحة مادورو، قوبلت بنظرات فارغة. قالت لي امرأة في أوائل الثلاثينيات من عمرها وهي تهز كتفيها: «لا شيء. ما أعرفه أعرفه من الأخبار. لا نستطيع قول شيء. نتحدث عن الإفطار». بمعنى آخر، كان الناس لا يزالون خائفين، ولم يتغير شيء يُذكر. وقد وصفت صحيفة «الغارديان» ذلك بأنه «تعديل شكلي للنظام». وليس غريباً أن يخشى الناس الكلام. فإلى جانب الانهيار الاقتصادي وما نتج عنه من طوارئ إنسانية، اتسمت قرابة ثلاثة عشر عاماً من حكم مادورو بدورات متكررة من القمع: كانت حركة المعارضة المؤيدة للديمقراطية تكتسب زخماً قبيل الانتخابات أو في أعقابها الغاضبة، وكانت كل موجة احتجاجات في الشوارع - في أعوام 2014 و2017 و2019 و2024 - تُقابل بعنف حكومي عشوائي واعتقالات جماعية. وفي وقت كتابة هذا النص، وبعد خمسة أسابيع من إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تدير فنزويلا، لا يزال أكثر من 600 سجين سياسي، بينهم حلفاء مقربون من زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، يقبعون في السجون الفنزويلية.

وعندما تحدثت مع فيلتشيز، كانت قد ذهبت للتو إلى فنزويلا، لا بصفتها صحفية، بل لتصطحب ابنتها من مدينة ماراكايبو. تركت هاتفها المحمول في كولومبيا احتياطاً في حال توقيفها، لكن شيئاً لم يحدث. وقد شاهدت شاباً يُنتزع منه خاتم ذهبي على يد عناصر الحرس الوطني، غير أن هذه الإهانة اليومية كانت اعتيادية إلى حد لا يستحق الذكر. أخبرتني أن كل شيء كان طبيعياً - متوتراً، لكنه طبيعي. ويمكن قول الأمر نفسه عن كوكوتا، حيث وصلت قوافل من وسائل الإعلام الدولية بحثاً عن قصة فلم تجد شيئاً. قالت لي ضاحكة: «كان عدد الصحفيين أكبر من الأخبار».

ومع ذلك، فإذا كان كل شيء في كوكوتا طبيعياً، ينبغي الإشارة إلى أن هذا «الطبيعي» ذاته يبعث على القلق. فالمدينة تعد من بين الأكثر خطورة في كولومبيا، ففي عام 2025 كان معدل جرائم القتل فيها للفرد يزيد أكثر من سبع مرات على نظيره في مدينة نيويورك. وتختلط أحاديث السكان المحليين بحكايات تقشعر لها الأبدان تُروى عرضاً، فقد قُتل رجل أثناء قداس كنسي؛ وقتل زوجان كانا يبيعان القهوة في الشارع صباح أحد الأيام. وقد اصطحبني شاب من أبناء كوكوتا يدعى خوان سيباستيان في جولة بحيه كولومبيا أونو، مشيراً إلى مواقع الإعدامات التي وسمت طفولته ومراهقته.

وفي إحدى الليالي، وأنا في طريقي عائداً إلى الفندق، اضطررت إلى تغيير المسار؛ فقد أُغلقت الطرق حول المباني الحكومية تحسباً لهجمات محتملة بطائرات مسيّرة من قبل «جيش التحرير الوطني» - وهو الاختصار الإسباني لاسم جماعة مسلحة متمردة ظلت تقليدياً متحالفة مع كاراكاس ولا تزال تنشط في المنطقة. ومهما يكن مما يحدث أو لا يحدث في فنزويلا، فإن هذا كان ببساطة يوماً عادياً في كوكوتا. وعلى الرغم من الهدوء الظاهر حاليّا، فإن كثيراً ممن تحدثت إليهم يخشون ألا يدوم ذلك. فاضطرابات جديدة في فنزويلا قد تشعل موجة لاجئين أخرى، وبعد انهيار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تقلّصت معظم البُنى التي كانت قائمة للتعامل مع الطوارئ الإنسانية أو اختفت؛ إذ أدت قرارات وقف المساعدات الخارجية وخفض التمويل إلى إنهاء برامج دعم واسعة للاجئين الفنزويليين في كولومبيا كانت توفر تدريباً ومساعدات معيشية وخدمات أساسية، مما ترك الفئات الأشد حاجة بلا سند كافٍ.

عدتُ إلى الجسر بعد بضعة ليالٍ من وصولي، لأحضر وقفة تضامنية أقامها نحو بضع عشرات من أفراد عائلات سجناء سياسيين في فنزويلا. وإذا كانت الإطاحة بمادورو قد أشعلت أملاً لدى أحد، فربما كان هؤلاء أكثر من شعر به، وأكثر من صدّق أن احتمال رؤية أحبّتهم مجدداً صار ممكناً أخيراً. كانت هناك عشرات الصور لرجال ونساء بائسين، بينهم كولومبيون عبروا الحدود يوماً، لزيارة العائلة أو للتنزه أو لتقديم ورشة عمل، ثم وقعوا ضحايا لوحشية تعسفية من نظام مادورو، واتُّهموا بالإرهاب أو بالتآمر على الدولة وسُجنوا. كان الحاضرون في الوقفة صامتين كئيبين، فيما كانت «الصلاة» تتلى عبر مكبر صوت. أخبرتني امرأة تدعى ميريام أنها لم ترَ ابنها منذ عقد كامل، إلى درجة أنها اعتبرته ميتاً، إلى أن عاد قبل أشهر كولومبي أُطلق سراحه حاملاً خبرًا أنه كان في السجن نفسه مع ابنها. قالت لا بد أنه هو، لأن اسمه الأول، غوسمان، غير مألوف. وإذا كان حياً بالفعل، فسيكون اليوم في الثامنة والثلاثين من عمره.

ومع اقتراب انتهاء الوقفة، عبرتُ الجسر إلى الجانب الفنزويلي، أكثر جرأة هذه المرة لأنني كنت برفقة أصدقاء. كان المكان شبه خالٍ، تمر فيه بين حين وآخر سيارة أو دراجة نارية، وبعض المشاة، وعلى طول السور لافتات باهتة تحمل اسم «أكنور»، وهو الاختصار الإسباني لاسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تندد بالاتجار بالبشر. وصلنا حتى البوابة ونقطة التفتيش، وكانت غير مأهولة في تلك الساعة. لافتة تمتد بعرض الجسر رحبت بنا بعبارة «أهلاً بكم، جمهورية فنزويلا البوليفارية»، ومع اقترابنا ظهرت صورة مبتسمة لنيكولاس مادورو بقميص أبيض بلا ياقة. وإلى جانب وجهه عبارة تقول: «في هذا العالم، لا أحد يحترم الجبناء».