في الرابع من أكتوبر، كانت ماريمار مارتينيز ـ وهي مساعدة معلمة في مدرسة بمونتيسوري ـ تسوق سيارتها في شيكاغو حينما لاحظت دورية لعناصر فيدرالية من إدارة الهجرة. فبدأت تدق النفير لتنبيه جيرانها إلى وجودهم حينما اصطدمت بمركبة تابعة لحرس الحدود. بعد لحظات أطلق العنصر الذي كان في المركبة، ويدعى تشارلز إكسوم، الرصاص مرات عديدة على سيارة مارتينيز فأصابها مرة بعد الأخرى. (ولسوف يتباهى إكسوم لاحقا أمام زملائه بأنه أطلق «خمس دفعات فأحدثت في سيارتها سبعة ثقوب»).
اتهم محامو الحكومة مارتينيز بالتعدي على ضابط فيدرالي وبمحاولة دهس إكسوم بسيارتها. ووصفت وزارة الأمن الداخلي أفعالها بالإرهاب المحلي، وهو اتهام سوف تكرره الوكالة بعد وفاة ريني جود في يناير على أيدي عنصر آخر في إدارة الهجرة.
غير أن قضية الحكومة تفككت حينما تبين أن القصة لا تتسق مع الأدلة التي حاول مسؤولو الجمارك وحماية الحدود إخفاءها. تنازلت الحكومة عن قضيتها ضد مارتينيز بعد شهر، وفي يوم الجمعة سمح قاض فيدرالي بنشر لقطات كاميرا الجسم ليتمكن الرأي العام من مشاهدة الحادثة.
وفي الآونة الأخيرة انضمت مارتينيز إلى أمريكيين آخرين ممن تعرضوا لمعاملة وحشية من عناصر الهجرة في حكي قصصهم أمام منتدى لأعضاء في الكونجرس ينتمون إلى الحزب الديمقراطي بقيادة النائب روبرت جارثيا عن ولاية كاليفورنيا والسيناتور ريتشارد بلومنتال عن ولاية كونكتيكت، وهما أكبر الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب واللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات بمجلس الشيوخ. وقد أقام جارثيا وبلومنتال هذه الفعالية لجمع الشهادات ولتسليط الضوء على «أساليب العنف التي يتبعها عملاء وزارة الأمن الداخلي واستعمالهم المفرط للقوة».
تحدث الشهود عن رعب مواجهاتهم مع عملاء فيدراليين مقنَّعين مسلحين غالبا ما يبدون السعادة بالضغط على الزناد. قال مارتين دانيال راسكون الذي أوقفه العملاء بعد أن حطموا شباك سيارة كان يستقلها وشرعوا في إطلاق النار عندما شعر السائق بالذعر وحاول الفرار «إنني لن أنسى أبدا الخوف، والاضطرار إلى المسارعة بخفض رأسي بعد إطلاق الرصاص على ناحية الراكب من السيارة. كان يمكن أن تقتلني أي رصاصة من تلك الرصاصات أو تقتل اثنين من أحبائي».
لو أن الديمقراطية تقوم على الإدراك المتبادل، وقدرتنا على رؤية بعضنا بعضا بوصفنا أشخاصا كاملين متساوين، فإن سلطة الحديث والإنصات تكمن في صلب الحياة الديمقراطية. ونحن حينما نتكلم ـ فنجادل، ونناشد، ونشرح، ونشهد ـ إنما نمارس إيماننا بقدرة الآخرين على الفهم وإعمال المنطق والتعاطف. أو كما قال توماس جيفرسن في عام 1824: «في دولة جمهورية يقود مواطنيها العقلُ والإقناع لا القوة، فإن فن إعمال المنطق له الأهمية القصوى».
حتى هذا الحين، تنبع المعارضة الشعبية المتزايدة لإدارتي الهجرة والجمارك وحماية الحدود من قوة الصورة ـ في فيديوهات إطلاق النار والانتهاكات ـ لكن شهادة مارتينيز وراسكون وغيرهما قمينة بتذكيرنا بقوة الكلمات وقوة التجربة الشخصية في التأثير في الشعب. فثمة قوة حاسمة تكمن في إعطاء ضحايا الأخطاء فرصة لحكي قصصهم، لا بوصف ذلك طرحا ضمن غيره من الطروح، لكن بوصفه جزءا من السجل الرسمي.
ويبرز على هذا مثالان في التاريخ الأمريكي. في عام 1871 أنشأ الكونجرس لجنة مشتركة مختارة للتحقيق في أوضاع الولايات التي شهدت تمردا، وقد اشتهرت هذه الجلسات بجلسات استماع جماعة كوكلوكس كلان، نظرا لتركيزها على عنف الجماعات المسلحة ضد العبيد السابقين. في كتابها (رأيت الموت قادما: تاريخ الرعب والنجاة في الحرب ضد إعادة الإعمار)، تكتب المؤرخة كيدادا ويليامز أن اللجنة «سافرت إلى النقاط الملتهبة في فوضى الجنوب، فاستمعت هناك إلى «شهادات من المسؤولين والناخبين والمتهمين وضحاياهم». وإجمالا، أسفرت جلسات الاستماع عن «ثلاثة عشر مجلدا من الشهادات المباشرة، ومنها شهادات لضحايا من السود». تحدث مئات من الرجال والنساء السود عن الرعب والترهيب والقتل العشوائي والعنف الجنسي. وتكتب وليمز أن «الأمريكيين الأفارقة حكوا قصص عنف يزلزل العالم، وطالبوا المسؤولين الفيدراليين ومواطنيهم باحترام حقوقهم».
وبعد أكثر قليلا من قرن، في عام 1980، أنشأ الكونجرس (لجنة إعادة توطين المدنيين واحتجازهم في زمن الحرب)، وهي لجنة فيدرالية رسمية للتحقيق في احتجاز الأمريكيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية. عقدت اللجنة جلسات استماع لمدة عشرين يوما في مدن بشتى أرجاء البلد لأكثر من سبعمائة وخمسين شاهدا أغلبهم في الساحل الغربي، ومنهم «مهجَّرون، ومسؤولون حكوميون سابقون، وشخصيات عامة، ومواطنون مهتمون، ومؤرخون». تحدث المهجرون، أو الضحايا بالأحرى، في شهاداتهم عن مشاعر الظلم العميقة والإحساس القوي بأن الحكومة الفيدرالية سلبتهم كرامتهم. قال شخص تعرض وهو طفل للاحتجاز «كنا نصطحب كل ما نقدر على اصطحابه، وتركنا خلفنا الكثير، لكن أغلى ما فقدته هو حريتي». وتحدث الضحايا أيضا عن أوضاع المعسكرات التي لا بد أن تبدو مألوفة لكل من قرأ الروايات الحديثة عن أماكن الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية. «كانت سلال القمامة تفيض، والفضلات البشرية توجد بجوار أبواب الأكواخ، وصناديق الصرف التي تصب فيها مياه أحواض المطابخ قذرة على نحو يفوق الوصف».
ساعد الاهتمام الشعبي بجلسات استماع كوكلوكس كلان في قمع العنف الأهلي المناهض للسود في الجنوب، ولكن لفترة لا أكثر. ففي نهاية المطاف، لم تؤد جلسات الاستماع إلى تشريع أو جهد فيدرالي يضمن الوعد بالمواطنة المتساوية للعبيد السابقين. أما اللجنة الأحدث المشكلة للتحقيق في اعتقال الأمريكيين اليابانيين فأدت في المقابل إلى عمل برلماني، إذ وقَّع الرئيس رونالد ريجان في عام 1988 قانونا اعترف بظلم ذلك الاعتقال واعتذر عنه ونص على تعويض المعتقلين الناجين أو ورثتهم.
وفي كتابها تقول وليمز: «إن المجتمعات التي تتعرض لأعمال وحشية تكافح لكي توقفها ثم لكي تعالجها على نحو ذي معنى. ويسعى الجناة حتى النهاية إلى تحقيق أهدافهم فينشرون أكاذيب لا أساس لها من الصحة لتحقيق ذلك. يريد الضحايا إيقاف العنف، ويريدون العدل. ولا تؤمن غير فئة قليلة من المراقبين بالعدالة والمساءلة. أما البقية، وخاصة من يأمنون الاستهداف، والمستفيدين السلبيين من الأعمال الوحشية، فيريدون ببساطة طي صفحة الماضي ومحو التاريخ».
وقد صدق هذا في العنف ضد الأمريكيين السود خلال حقبة إعادة الإعمار. ويصدق أيضا في واقع الأمر على كل أشكال العنف الذي ارتكبته الحكومة الفيدرالية أو أقرت به. وفي حين أن احتمالات المحاسبة الجادة لأخطاء ووحشية جهود الترحيل الجماعي التي بذلها ترامب احتمالات ضعيفة، فلا يجب أن يصدق هذا على فظائع إدارة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود. وإن صدقت، فسوف نكون نحن السبب في ذلك.
وإذن، فأي ضغط جاد لمحاسبة الحكومة على أفعالها ـ ولإلغاء جيش الرئيس الخاص، ولإعادة هيكلة قوة إنفاذ قوانين الهجرة، ولمعاقبة كل من يتحمل مسؤولية أي تجاوزات ـ لا بد أن يتضمن تعويض الضحايا ومعالجة أضرارهم. وبالنظر قدما إلى مجلس نواب يقوده الديمقراطيون، أو مجلس شيوخ، أو كليهما، لا بد أن تكون الخطوة الأولى في الرحلة هي المزيد من التحقيقات العلنية والشهادات التي سبق أن رأيناها في لوس أنجلوس ومنيابوليس وشيكاغو وكل مكان آخر تركت فيه الإدارة بصمتها. يجب أن يعرف الشعب الأمريكي القصة الكاملة لما حدث باسم هذا الشعب؛ لأن الذين أخطأنا في حقهم يستحقون فرصة للكلام والإنصات.