فيما حول جيش الاحتلال الإسرائيلي، شمال وشرق غزة إلى ساحة قتل وتدمير، مخترقاً إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، أكمل الكيان الإسرائيلي مخطط ضم الضفة الغربية، من خلال أخطر قرار منذ احتلالها قبل نحو 60 عاماً، ما يزيد المخاوف لدى الفلسطينيين، مما يخبؤه لهم قادم الأيام.


وأحال جيش الاحتلال مناطق شمال وشرق مدينة غزة، إلى ساحة مفتوحة للقتل والتدمير، وخصوصاً في حيي التفاح والشجاعية، والمناطق المحيطة بهما، حيث صعّد من وتيرة عدوانه ضد المواطنين العزّل، في وقت دفع فيه بأرتال من الدبابات والجرافات العسكرية وناقلات الجند، لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة فيهما.
ساعات بعد ذلك، كانت نحو 17 آلية إسرائيلية مدرعة، تقتحم مدينة ومخيم جنين شمال الضفة الغربية، لكن عملية الاحتلال العسكرية لم تتوقف بالتوغل في جنين، إذ انتقلت سريعاً إلى نابلس شمالاً، والخليل جنوباً.


وثمة منحنى بياني آخذ في التصاعد ويعكس النوايا الإسرائيلية بابقاء الأوضاع مشتعلة في عموم الأراضي الفلسطينية، تدلل أعداد الشهداء والجرحى المطّردة على القوة المفرطة التي يستعملها جيش الاحتلال في قطاع غزة، بينما تركت المشاهد والتفصيلات التي رافقت اقتحامات القوات الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية، ما يؤشر إلى دمار شامل، فاق ما تركته توغلات سابقة.
وما انفكت آلة الدمار الإسرائيلية تضرب في كل الاتجاهات، بل أنها راحت تسجل أرقاما قياسية على سلّم العدوان، ولا يقتصر الأمر على التصاعد المتزايد في سقوط الشهداء والجرحى في قطاع غزة، بل إن الأرقام المدونة في سجل الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حققت قفزة هائلة أيضاً، وقد شمل التدمير الممنهج الذي تمارسه قوات الاحتلال، أماكن تاريخية، ومبان قديمة، تندرج في خانة الآثار الفلسطينية التاريخية.


غزة.. هل تعود الحرب؟
ويشهد قطاع غزة منذ اليوم الأول لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار، تصعيداً تدريجياً وتصاعداً ممنهجاً، فالغارات الإسرائيلية لا تتوقف، ونزف الدم يتواصل، ولا ينفك وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من التلويح بعودة الحرب، وليس أدل على ذلك من دعوته لجيشه التحفز للقتال: "علينا الاستعداد لكل الاحتمالات، ومن بينها عودة الحرب".
الغزيون يرون في الأجواء الحربية التي يحاول كيان الاحتلال بثها، ما يندرج في إطار حرب الأعصاب، ويتجاوز "التكتيك التفاوضي" حول المرحلة الثانية، بل هي تهيئة عسكرية لسيناريو عودة الحرب، إذا فشلت محاولات نزع السلاح، وبات السؤال الأكثر شيوعاً في قطاع غزة راهناً: "هل تعود الحرب"؟.
العارفون ببواطن النوايا الإسرائيلية، يرون فيما يجري في قطاع غزة، "ورقة ضغط" على السكان، للهجرة طوعاً أو قسراً، وايصال رسائل لهم، بأن كلفة البقاء في قطاع غزة ستكون أكثر فتكاً وأشد قسوة، وأن لا عودة إلى ما قبل 7 أكتوبر.


فيرى الباحث المختص في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، أن التصعيد الجاري في قطاع غزة، هدفه الإبقاء على جاهزية جيش الاحتلال الإسرائيلي، لتحقيق سهولة الانتقال الفوري من التهدئة إلى الحرب، علاوة على تحويل مناطق بعينها مثل "الخط الأصفر" إلى قواعد ثابتة لجيش الاحتلال، تنطلق منها الهجمات على القطاع.
ويواصل: "يريد نتنياهو وائتلافه المتطرف، استباق الأحداث واحتمال اندلاع حرب شاملة في المنطقة، وخصوصاً مع تزايد حدة التوتر بين أمريكا وإيران، لإدراكه أن الإدارة الأمريكية ستفرض عليه الدخول في مسار سياسي فور الانتهاء من الملف الإيراني".


الضفة.. باتجاه ساعة الصفر
يبدو أن الضفة الغربية، تسير بسرعة نحو ساعة الصفر، للصدام مع جيش الاحتلال، ففي الوقت الذي تعلو فيه نداءات القيادة الفلسطينية لوقف العدوان، تتعدد التفسيرات الإسرائيلية، تارة بالقضاء على بؤر المقاومة الفلسطينية، وأخرى بتعزيز السيطرة الإسرائيلية والضم الفعلي للضفة الغربية.
هناك من المراقبين من يقول، إن هدف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية "اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم" من خلال التدرج في السيطرة الاستيطانية في الأرياف، وصولاً للسيطرة على قلب المدن الفلسطينية.


ويستذكر أهالي نابلس، العملية العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت مدينتهم عام 2022، وحملت اسم "الاقتلاع من الجذور" وكان في ظاهرها القضاء على مقاومين فلسطينيين، بيد أن الشهداء الـ20 الذين أسقطهم رصاص الاحتلال في حينه، كان من بينهم أطفال ونساء ومسنين، وحتى أصحاب محال تجارية، تمت تصفيتهم بينما كانوا يتفقدون متاجرهم.
ويصف الكاتب والمحلل السياسي رائد عبد الله، ما يجري في الضفة الغربية بأنه "ميدان اختبار" لما هو قادم، مبيناً أن ما تمارسه قوات الاحتلال على الأرض بهذه الوتيرة المرتفعة، يمهد الطريق لما ستبادر إليه في حال العودة للحرب في قطاع غزة، ونشوب مواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية.


وشيئا فشيئا تمضي وتيرة العدوان على الضفة الغربية نحو الانفجار، فيركب الفلسطينيون بحر المخاوف والشكوك، في ظل مقاربات تؤشر إلى غوص في المجهول، ووقت يقتربون فيه أكثر من محيط المواجهة، مع كيان دخلوا معه منعطفاً حرجاً، لا يوفر هامشاً كافياً للمناورة السياسية، كما يقرأ مراقبون.