في حياتنا تتجلى موازين البر والإحسان، ويبرز الفرق الكبير بين الابن الصالح الذي يقدّر جهود والديه ويعكس وفاءه في أفعاله، والابن الطالح الذي يحيد عن هذا المسار النبيل، فلا يرد الجميل لأبويه على الوجه المطلوب، بل يتحول أحيانًا الإحسان الذي حظي به من والديه إلى عصيان وجحود، متبوعًا بقسوة القلب ونكران الجميل، لذا قال الله تعالى في كتابه العزيز: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن: 14).
هذه القسوة ونكران التضحيات والفداء ما هي إلا جزء يسير من غضب الله تعالى ينزله في قلوب بعض الأبناء العاقين والمعرضين عن الفطرة الإنسانية وتعاليم الأديان السماوية. فمنذ أيام قليلة قرأت عدة أخبار كانت سببًا في كتابة هذا المقال لعله يكون مثالًا في أخذ العبرة ومراجعة النفس الأمارة بالسوء. فمن الأخبار التي قرأتها في إحدى منصات التواصل الاجتماعي أن أمًا توفيت في منزلها الذي تعيش فيه وحيدة بعد موت زوجها وانعزال أبنائها عنها، فوجدوا جسدها مفارقًا للحياة وقد تحلل بعد مضي نحو شهر ونصف!.
هذا المشهد المفزع يظهر لنا الصورة القاتمة والسلوك الخاطئ الذي يتبعه بعض الأبناء تجاه أمهاتهم وآبائهم بعد أن يستقلوا بحياتهم، شهر ونصف، أي أن الأبناء هم كل هذه المدة ولم يتفقدوا أحوالها أو يتواصلوا معها! والغريب أن جيرانها لم يلاحظوا عدم ظهورها أو يشموا رائحة بدنها المتحلل!.
بقيت وقتًا طويلًا أسترجع قواي في التفكير في شأن تلك الأم التي عانت قبل وفاتها من العزلة والضغط النفسي والجسدي، أي قسوة هذه التي تنسينا الأفضال والتضحيات التي قدمت لنا ونحن صغار لا حول لنا ولا قوة!.
من الأخبار الأخرى التي تم تداولها إلكترونيًا، ابن عاق يقوم بالتعدي على أمه بالضرب من أجل أخذ "الإعانة المادية الشهرية" التي تأخذها من الحكومة في إحدى الدول العربية، وابن آخر يطرد أمه من المنزل إلى الشارع بعد أن نشب خلاف مع زوجته، وأخبار أخرى تسبب الذهول وتجلب التعاسة لمجرد قراءتها والتفكير فيها.
هذه نماذج قليلة من حوادث أكثر جرمًا وتعقيدًا، ولم نتحدث عن جرائم القتل أو التعذيب التي يتعرض لها بعض الآباء والأمهات على يد أبنائهم العاصين!.
نحن لا نتحدث عن مجتمع بذاته، وإنما عن ظاهرة عامة تجتاح بعض الأسر التي قست قلوب أبنائها، فليس كل الأبناء والبنات لديهم من الرحمة والشفقة تجاه والديهم، ورد المعروف والإحسان لهما عندما يبلغان من الكبر عتيا.
إن هذه الحوادث المؤسفة والمواقف المحرجة التي يتعرض لها الآباء والأمهات من أبنائهم تجعلنا أمام مواقف مريرة وحوادث تعجز الألسن عن ذكرها أو عن التعمق في التفكير في الأسباب والنتائج التي أدت إلى مثل هذه الجرائم التي لا يتقبلها أي دين.
رسالة مهمة نبعثها لكل "ابن أو ابنة" عاقين لوالديهما: أما تعلمان بأن الحياة تدور، وما تفعلونه من جفاء وقسوة وإنكار للجميل سيرد إليكم يومًا بعد أن تصلوا من العمر أرذله؟ "البرّ لا يَبْلَى، والذنبُ لا يُنْسَى، والدَّيَّانُ لا يموتُ، اعْمَلْ ما شِئْتَ، كما تَدِين تُدَانُ". ولتعلموا بأن كل الخير الذي أنتم فيه جاء من دعواتهما.. إننا بحق أمام جريمة كبيرة وجريمة لا تُغتفر.
هناك من يتمنى ألا يفقد أيًا من والديه؛ لأنه يعلم جليًا بأن مكانتهما لا تعوض، ومن فقد أحدهما أو كلاهما يعلم بأن الأم والأب هما السند والعضد في هذه الحياة، وسوف يندم كل ابن أو ابنة كانوا عاقين بوالديهما، سيتذكر كل منهم كيف حملته أمه وهنا على وهن، وكيف أطعمها أبوه وبقي جائعًا هو.
نكران الجميل من الصفات الذميمة التي يمارسها بعض العاصين سواء تجاه عائلتهم أو تجاه من أحسن إليهم من الآخرين، فالله سبحانه وتعالى أنزل قرآنه الكريم ودعا المسلم والمسلمة إلى معرفة قيمة الوالدين، والسنة النبوية الشريفة عامرة بالكثير من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد منزلة الوالدين والواجبات التي يجب القيام بها تجاههما سواء في حياتهما أو بعد مماتهما.
وحسبي بأن "الدينّ" مهما فعل الأبناء لن يستطيعوا رده سواء في القيام بأعمال البر أو الشكر أو الرعاية، فمهما قدم الأبناء من طاعة أو مال أو عناية، لا يعادل شيئًا في أفضال الوالدين تجاه الأبناء، فالتضحيات التي يقوم بها الوالدان لا تقدر بثمن. إذن هو "دين ثقيل، وحقهما عظيم يعجز الأبناء عن سداده تمامًا، ولا يُعوّضه الزمن، مما يجعله دينًا مؤجلاً للآخرة".