بعض من يتولى زمام الأمور في مختلف الأماكن والمستويات، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا يعجبه أبدًا أن "يسمع أو يرى" أي انتقاد يوجَّه إليه أو إلى المكان الذي يعمل فيه، حتى وإن كان ذلك وصفًا دقيقًا وتصريحًا صادقًا صحيحًا لما يحدث على أرض الواقع!
هذا الإعراض عن تقبل الحقائق كما يوضحها الواقع، هو جزء من عدم الاعتراف بالنقص البشري، وإعراض عن تقبل فكرة أن الكمال لله وحده، وأيضًا إنكار لما قاله الحكماء وحضّهم الدائم على ضرورة تقبل "الرأي والرأي الآخر".
في حقيقة الأمر، كل ما يود أن يسمعه أو يراه هو عبارة عن كلمات الإشادة وتثمين الجهود التي يقوم بها، والإطراء بكل درجاته، أما الرأي المخالف فلا مكان له عنده أبدًا، ولا يتقبله، بل يعتبره نوعًا من العدوانية الموجهة إليه أو التنمر على ما يقوم به في نظره "عظيم"، ويرى بأن معارضة قراراته مهما شابها الإجحاف أو الخطأ هي نوع من الحقد والحسد!
تعقد الاجتماعات الدورية، لكن كل الأنظار تتجه نحو شخصية واحدة، فلا أحد يجرؤ على مخالفته، رغم أنه يوهم المجتمعين بأنه شخص يعترف بما يقوله الآخر، لكن ضمنيًا هو لا يعترف إلا بوجه نظره الأولى والأخيرة.
من هذا المنطلق أصبح لدى الكثير من الموظفين قناعة تامة بأن لا قيمة لآرائهم، والأفضل الصمت والتصفيق، أما المقترحات التي فكر بعضهم في تقديمها فيراها يجب أن تظل حبيسة الأدراج حتى لا يُوضع في خانة "المغضوب عليهم"!
البعض يتحدث بصوت مرتفع، قائلاً: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، والبعض الآخر يقول: "نحن مع الانتقاد الهادف البناء"، وفي كلا الأمينين لا مكان لمخالفة الرأي!
قد يكون الأمر مضحكًا بعض الشيء، ولكن هذه ليست نظرة تشاؤمية أو سهام تسلط لكل البشر، وإنما الحديث موجه نحو نوعية معينة من الناس الذين يعتقدون بأنهم "لا يخطئون أبدًا"، والتنزيه عن الخطأ يحالفهم دائمًا، وهو جزء من سماتهم التي يتميزون بها دونًا عن بقية الموظفين!
هذا الأسلوب في القيادة في بعض مؤسسات العمل لا يجدي نفعًا، فالأبواب المغلقة والأذهان المحلقة نحو البعيد لا تصنع نجاحًا باهرًا بقدر ما تفرق القوى وتهبط الهمم، فعندما يصبح الرأي المخالف جزءًا من التمرد على العمل، يصبح السكوت أفضل من الحديث!
أحيانًا يحتدم النقاش ما بين الأصدقاء بعيدًا عن بيئة العمل، وتحدث الكثير من المشاحنات والتفرقة، وفي النهاية يتم الاتفاق على بعض النقاط والاختلاف في أخرى، فكيف إذا كان المسؤول شخصًا غير متجاوب مع متطلبات العمل والموظفين، ويستأسد برأيه ويتفرد بقراراته دون وعي أو بصيرة؟ فهو على الدوام يرى بأن كل ما يقوم به هو عين الصواب دائمًا!
إذا كنا نريد تقييمًا حقيقيًا لما نقوم به من أعمال، فمن الواجب أن نستمع بعناية إلى الآراء والاقتراحات، ونتقبل بصدر رحب كل النقد ومناقشته بحيث يكون النقد واقعيًا وليس مجرد حديث فضفاض يتطاير في الهواء.
إن تقييم التجارب العملية، والوقوف على بواطن الضعف، وتقوية أوجه النقص في العمل لا يأتي من شخص واحد، وإنما العملية تشاركية وتكاملية، ولا يضر إذا تم التراجع عن أمر اكتشف لاحقًا بأنه يضر بسير العمل أو الموظفين؛ فالاعتراف بالخطأ ليس عيبًا أو جريمة بقدر ما هو تصحيح لحال كان يجب أن يكون منذ البداية.
الخطأ أن نسير بنفس النهج والوتيرة، ولا ندع لأنفسنا الفرصة من أجل تقييم الأداء بشكل احترافي وممنهج؛ فالأرقام أحيانًا تكون لسانًا صادقًا لمستوى العمل إذا تم رصدها بعناية وواقعية وعرضها بشفافية.
كان أبي -رحمه الله عليه- يوصيني بالحذر من أي شخص لا يعترف بخطئه ولا يعتذر عنه؛ لأن الشخص الذي لا يعترف بأنه يخطئ، لا تشغل نفسك به، فكل الأخطاء يجد لها المبرر ويلقيها على الآخرين.