عانقت الأغنية العاطفية "يا عاشقة الورد إن كنت على وعدي الأغنية الوطنية "راجع راجع يتعمر.. راجع لبنان راجع متحلي وأخضر أكثر ما كان"، يجمعهما معا الشعور الإنساني النبيل، ولعل ما أثار الانتباه عند البحث عن كاتب الكلمات أنّ الشاعر هو زكي ناصيف الملحن والمغني المعروف. لذلك عرّفنا حفل رام الله، ليس بزكي ناصيف ولا بأغنياته المألوفة، بل بربط تلك الأغنيات به، فازددنا تقديرا له، خصوصا أن أغانيه مؤثّرة كلها، تبثّ الأمل عاطفيا ووطنيا.
ثمة دلالتان في حفلتيّ مؤسسة الكمنجاتي في بيروت ورام الله، المقامتين إحياء للموسيقي اللبناني زكي ناصيف (1916-2004"، تتعلقان بالفن والثقافة. وهي رسالة محبة ووعيّ من فلسطين الى لبنان والأمة العربية.
فنيا، تمثّل بين التفاعل ما بين فولكلور بلدته في البقاع اللبناني، وموسيقى بيروت التي كانت سائدة في الأربعينيات، وهي مزيج من الموسيقى العربية والشرقية التي بدأت بالتطور على أيدي موسيقيين عرب.
أما ثقافيا، فقد تمثّل بالتفاعل ما بين حواضر النهضة العربية، وبخاصة حاضرتيّ بيروت ويافا، من جهة، وبين التفاعل العبقريّ بين القرية والمدينة من جهة أخرى، في القطر الواحد، وبين البلاد العربية بشكل عام.
ولد زكي ناصيف 1916 وتوفي 2004، عن عمر 88 عاما، ليواصل حضوره الإبداعي؛ فما تزال أعماله مؤثرة في الموسيقى الشعبية اللبنانية والعربية، حيث قدّم أكثر من 500 أغنية ولحن وغنّاها بصوته أو بأصوات عدد كبير من المطربين.
الفنان الفلسطيني إياد ستيتي، مدير مؤسسة الكمنجاتي، الذي قاد العرضين في فلسطين ولبنان، عرّفنا على منطلق إبداع ناصيف العبقري حين ترك المكان أثره عليه، فبعد أن ذهب الى بيروت للتعلّم، حمل معه فولكلور بلده، وحينما كان يعود إليها كان يعود ممتلئا بما تعلّمه، ليعيد اكتشاف الفولكلور، وليمازج ما بين فنّ القرية البقاعية وفن بيروت. وهي نفسها تلك العبقرية التي انطلقت منها الحضارات والثقافات، التي عادت الى الجذور، وبنت عليها. لقد كانت الأغنية القروية اللبنانية المحليّة منطلقا للأغنية اللبنانية، لديه ولدى آخرين ومنهم الرحابنة، باختلافات الأسلوب، فوفقا للفنان إياد ستيتي فقد أبقى على الفلكلور ولكن بروح جديدة متزاوجة مع تقاليد القرية اللبنانية، فاختطّ طريقا تختلف عن مدرسة الرحبانية الموسيقية التي مزجت الموسيقى الغربية والكلاسيكية بالطابع الشعبي اللبناني والنمط التقليديّ القديم، وكلاهما بالطبع مدرستان إبداعيتان.
من صغره، شارك زكي ناصيف في الشعر والموسيقى الشعبية مثل الزجل، والمعنّى، والعتابا، والميجانا، وأبو الزلف، وغيرها من القوالب اللحنية. وألّف ما سمّي آنذاك "عصبة الخمسة" مع الاخوين رحباني، وحليم الرومي والد الفنانة ماجدة الرومي، وتوفيق الباشا، وفيلمون وهبي، والذين كان هدفهم الخروج على الغناء الشائع إلى محاولة اكتشاف الغناء المحليّ الذي يستمد من الفولكلور جمله اللحنية، في اعتبار أن الفولكلور هو أساس التطوير.
ما سبق كانت الدلالة الفنية، أما الثقافية، فهي ما ربطه بروفسور مجدي المالكي بين زكي ناصيف ابن البقاع وبيروت وبين ابن يافا صبري الشريف؛ من مشغرة في البقاع الى بيروت في الثلاثينيات، ومن يافا إلى بيروت في آخر الأربعينيات، فقد بيروت مكانا تعلم وإبداع زكي ناصيف، فيما كانت مكان اللجوء لابن يافا، فوفقا لمجدي المالكي، فقد "فتحت تلك العلاقة نافذة على علاقة فكرية وفنية عميقة جمعته بأحد أبرز صُنّاع المشهد الموسيقيّ والإذاعيّ في لبنان والعالم العربي، الفنان والمخرج الفلسطيني صبري الشريف."
إنها "إذن استعادة ذاكرة ثقافية كاملة" على حدّ تعبير المالكي أستاذ علم الاجتماع الفلسطيني. وهو يفسّر سبب اختيار مؤسسة الكمنجاتي إقامة هذا العرض الموسيقي، كونه "يصادف الذكرى السابعة والعشرين لوفاة الفنان والمخرج الغنائيّ الفلسطينيّ صبري الشريف، أحد العقول المؤسسة للمشهد الموسيقي والإذاعي الحديث في لبنان، وأحد الجسور الكبرى بين الفولكلور والحداثة...
يحدثنا مجدي المالكي عن صبري الشريف الذي "وُلد في يافا عام 1922، في بيئة ثقافية منفتحة، وبعد نكبة 1948 انتقل إلى بيروت، حيث انخرط في العمل الإذاعي في إذاعة الشرق الأدنى ثم الإذاعة اللبنانية. آمن بأن الموسيقى العربية لا تتجدّد إلا بالعودة إلى الفولكلور، لا بوصفه ماضيًا جامدًا، بل مادة حيّة قابلة لإعادة الصياغة. وقد ساهم بهذا المشروع وبهذه الرؤية في توظيف التراث الموسيقي وتقديمه بمقاربة حضرية ومعاصرة، وهو في جوهره عملية تحديث ذائقة فنية انتقلت منها الأغنية الريفية إلى المسرح، والإذاعة، والمنتجات الفنية الكبرى التي قدمتها فرقة الأخوين رحباني وفيروز. وقد ساهم بذلك في تعزيز العمل الجماعي المتكامل بين الغناء والرقص والإنتاج المسرحي...وهو نموذج ترفيهي ثري لم يكن شائعا من قبل في ذلك الوقت".
يضيف برفسور مجدي المالكي في تقديمه للحفل: "الفولكلور هو الأساس الحقيقي لأي نهضة موسيقية. لقد تعامل زكي ناصيف مع الفولكلور بوصفه جوهر الهوية اللبنانية، فصقله من الداخل، وحوّله إلى بنية لحنية راسخة، خصوصًا في الدبكة والأغنية الجماعية؛ فكان ناصيف المؤلِّف الذي منح هذه الرؤية صوتها الموسيقي النهائي. أما صبري الشريف فكان المخطِّط والمنظِّم وصاحب الرؤية التحديثية.
ولنا ما نختتم به، بربطه بما بدأناه من حديث عن حواضر النهضة العربية الحديثة، وبخاصة خطّ بيروت ويافا والقاهرة؛ فلم يأت صبري يوسف ابن يافا الى بيروت غريبا عن الثقافة والفن، بل هو كما زكي ناصيف ابن أصيل للنهضة العربية التي انطلقت أواخر القرن التاسع عشر، والتي كانت في الأصل إحياء للتراث، والبناء عليه، وفق منطلق حديث ينزع نحو العصرنة، وتخفيف الثقل الكلاسيكي أدبا وكتابة بشكل عام وموسيقى وغناء.
تلك النهضة التي استهدفها الاستعمار، حتى لا تشكّل بوتقة صهر عربيّ ثقافيّ متنوّر، فلم تأخذ مداها، فتم تصفية وسطها، أي يافا والقدس في فلسطين، في حين أثرت على العلاقة بين حاضرتيّ بيروت والقاهرة؛ فلم يكن قطع السكة الحديدية بين الحواضر إلا محاولة جادة لقطع الأواصر في الشرق العربي، ولم يمرّ سوى زمن محدود، حتى انقض الاحتلال الاستعماري على حاضرة بيروت لإضعافها، وصولا إلى ما نحن فيه الآن من تشرذم وتشتت ثقافي وسياسيّ.
ثمة دلالة عظيمة في هذا الحفل الفني الثقافي النهضويّ، ألا وهي بث الأمل في وقت نحن بحاجة للتمسك به أمام من يمسك بالمقصّ لقضم الأرض، ونهب مواردها. وهنا يمثل الفن القوة العبقرية في المقاومة الناعمة للمخططات، لأنه يحافظ على بقائنا هنا، فالخصوصية الثقافية والحفاظ عليها تعني الهوية، وتعني المستقبل. Ytahseen2001@yahoo.com