ملتقى «معا نتقدم» منصة مفتوحة للحوار والمشاركة المجتمعية بين المواطنين وصناع القرار من مسؤولي الوحدات الحكومية.

الهدف السامي هو إيصال الأفكار والرؤى والمقترحات من المواطنين إلى الحكومة وأيضا قيام مسؤولي تلك الوحدات الحكومية بالرد المباشر بناء على ما رسمته من الخطط والمشاريع التنموية والمؤشرات وما تحقق من تلك الخطط على أرض الواقع، الملتقى الذي بدأ قبل أربعة أعوام لم يكن محصورًا على فئات مجتمعية بذاتها حسب مستواها ونفوذها الاجتماعي ـ كما كان سائدًا خلال العقود الماضية ـ وإنما باب المشاركة متاح لجميع فئات المجتمع يتبادلون فيما بينهم دون حواجز الجوانب التي يرون أهمية مناقشتها وبأنها تمثل هاجسًا في لقاء سنوي متكرر، مع توجيهات سامية بأن يتجاوز عقد الملتقى حدود العاصمة مسقط.

كما تأتي المباركة السامية بتوسيع المشاركة المجتمعية لتحتضن العاصمة مسقط المستوى الاستراتيجي في عقد الملتقى، بينما يقام سنويًا في المحافظات بالتناوب على المستوى التنفيذي المحلي ليكون قريبًا من المواطنين، يتبادلون النقاش حول متطلبات التنمية بالمحافظات؛ بحيث تكون المقترحات والتطلعات التي يطرحها المواطنون قريبة من محافظاتهم.

هذا التطور في توسيع مشاركة أفراد المجتمع يبعث رسائل من الحكومة بأن هموم المواطنين ومرئياتهم تعد في قمة اهتماماتها، وفي كل بقعة من ربوع الوطن.

لتقريب الصورة أكثر، فإن التعديلات الأخيرة في بعض منافع الحماية الاجتماعية كانت نتيجة تبادل الآراء والأفكار بين المواطنين والحكومة؛ وإن كان من يرى بأن الأصل في المنافع الاجتماعية هي الاستدامة وليس التخفيض أو الإلغاء.

في المقابل نقول إن منفعة كبار السن التي أخذ الجدل حولها سجالًا واسعًا من أغلب فئات المجتمع، فإن الأصل قيام الأغنياء أو الذين وصلت أموالهم النصاب المحدد شرعًا، بإعطاء نصيب من تلك الأموال سواء كانت مادية أو عينية لمن هم أقل منهم غنى وليس قيام الحكومة بزيادة دخولهم الشهرية.

كما لم يحدث لهم نقص مادي نتيجة التعديل في القوانين ـ كما هو الحال ـ ببعض الفئات من المتقاعدين ممن أكملوا أكثر من عشرين عاما في الخدمة في وقت صدور قانون الحماية الاجتماعية الذين أثرت نصوص قانون الحماية الاجتماعية في انخفاض مستحقاتهم التقاعدية بأقل مما كان عليه الوضع في الأنظمة التقاعدية السابقة؛ وبالتالي، منفعة كبار السن في حال استمرارها وصرفها لهم فإنها سوف تجبر قليلًا ذلك الانخفاض.

ما أثير خلال الملتقى وأخذ حيزًا من النقاش بأن هناك «مطالبات مجتمعية» لتعديل مدة خدمة المرأة العاملة وتقليصها بخمسة أعوام. وما أفاد به المسؤولون بأن هناك آثارًا مالية لتلك المطالبات وهي تأثيراتها السلبية على أموال الصندوق.

عليه نقول: في الأنظمة السابقة كان يحق لكل من أكمل عشرين عاما من الجنسين الحصول على راتب تقاعدي متى ما قرر التقاعد، كما أنه بعد دمج صناديق التقاعد في صندوق الحماية الاجتماعية يفترض بأن ينتج عن ذلك تقليص في الأعباء الإدارية في إدارة الصندوق مما يقلل من مصروفاته السنوية.

بالإضافة إلى ذلك، تم تعديل المساهمات المالية لموظفي الحكومة والقطاع الخاص لتكون من الراتب الإجمالي وليس من بدلات محددة كما كان سابقا؛ وبالتالي، الاستجابة للمقترح المتعلق بتخفيض مدة خدمة المرأة، الذي من المنتظر رفعه لمجلس الوزراء يتوافق مع نصوص قوانين التقاعد السائدة سابقا، وليس اقتصار التعليل بأن هناك تبعات مالية على أموال الصندوق في حال تطبيقه.

أيضا فإن تسهيل خروج المرأة العاملة وحصولها على التقاعد بعد إكمال خمسة وعشرين عاما له من الفوائد الإيجابية الكثير؛ لأن الرجل لما له من القوامة يتسع المجال لبقائه مدة أطول في العمل، بينما المرأة ينبغي مراعاة تكوينها الجسماني والنفسي أن تقضي مدة أقل منه، لأنها مطالبة بالاهتمام بالأسرة أكثر عن الرجل.

ولكن في المقابل لا ينبغي أن يتحول الملتقى إلى «منصة مطالبات» باسم المجتمع، وذلك مخافة قيام البعض بأخذها حجة بأن تلك المطالبات أتت من شريحة من أفراد المجتمع المشاركين في الملتقى؛ بيد أن تلك الفئات تمثيلها بسيط ولا يستساغ معه أن تكون ذريعة لعمل تعديلات في المنافع الاجتماعية أو غيرها من المبادرات؛ خاصة إن كان هدفها ليس تحسين تلك المنافع وإنما خفضها أو حجبها عن البعض.

أيضا في حال استخدام مطالب المجتمع كنوع من التغذية الراجعة من المستفيدين فهناك مطالب أكثر إلحاحًا، والحديث عنها مستمر حتى اللحظة من غالبية فئات المجتمع ومنها: منافع الباحثين والمسرحين عن العمل، والجدل حول الآلية المستحدثة لترقيات موظفي الحكومة، ومنظومة إجادة، ورفع الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، فهذه تحتل رأس قائمة المطالب المجتمعية.

الملتقى منصة تفاعلية من خلالها يمنح مسؤولي الوحدات الحكومية فرصة للحوار التشاركي في تقييم الوحدات الحكومية التي يشرفون عليها ومدى ملامسة الخدمات التي تقدمها تلك الوحدات للمجتمع ووصولها لمستوى رضا المستفيدين.

فإن أشاد المواطنون بكفاءة وجودة تلك الخدمات فهذا في صالح المسؤول الحكومي وينبغي الاستمرار في نهج الحوار الذي يفضي للتحديث والتطوير للوصول إلى مراتب أفضل.

وإن كانت هناك ملاحظات ومقترحات عن المؤسسة الحكومية فهذا حسن أيضا، وبالتالي، يفترض من المسؤول الحكومي توظيف تلك الملاحظات أو المقترحات لمعرفة أوجه الخلل وتقييمها والعمل على تلافيها مستقبلًا.

توسيع المشاركة المجتمعية لعقد الملتقى ليشمل المحافظات يعمل على ترسيخ الوعي المجتمعي ويعطي انطباعًا للمواطنين بأن الحكومة قريبة منهم وتذهب إليهم في أي مكان.

هذا التوسع يرسخ مفهوم الهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية وبأن صناعة القرارات ورسم الخطط التنموية ليست محصورة للقاطنين في مسقط، ولكن هناك ملتقيات للحوار تشمل جميع فئات المجتمع بالمحافظات للاطلاع والمشاركة والنقاش في تلك الخطط على المستوى المحلي.

أيضا من إيجابيات توسيع عقد الملتقى ليشمل المحافظات التأكد من التوازن في توزيع مشاريع التنمية الاقتصادية؛ فقد يكون هناك تباين بعض الأحيان حتى بين الولايات في المحافظة الواحدة. وبالتالي، التحاور مع المواطنين لعله يسرع في معرفة المسؤولين بأولويات الاحتياجات التنموية للمحافظات من وجهة نظر المواطنين القاطنين بها.

كما أن توسيع الملتقى يجعل من المواطنين ليسوا متلقين للخدمات الحكومية، وإنما مشاركون حقيقيون في بناء مسارات التنمية، الأمر الذي من شأنه كسر الهاجس النفسي لديهم مع تعزيز مفاهيم المواطنة والعمل بجد وإخلاص لبناء الوطن؛ لأن الحكومة فتحت لهم باب النقاش والحوار؛ وبالتالي، ينبغي منهم مقابلة ذلك بروح المواطنة الصالحة.

الملتقى عمل على كسر المعضلة التي ظلت رهينة العمل الحكومي لفترات طويلة بأن هناك خططًا ومشاريع تم اعتمادها ولا مجال لإجراء تعديل أو تحديث بها، إلى نهج ديمقراطي أكثر شفافية يتقبل النقد ويناقش ويحلل ويعطي رسائل اطمئنان بأن ما يطرحه المواطنون ليس مجرد أمنيات وإنما تخضع جميعها للمتابعة من الجهات الحكومية المختصة وبإشراف من أعلى المسؤولين بالحكومة.

وأكاد أن أجزم بأن الحوار التشاركي في الملتقى وقبول بعض الأفكار والرؤى من المواطنين وقيام الجهات الحكومية بتبني تلك الأفكار ودراستها ورفعها للمستويات العليا التي لديها سلطة اتخاذ القرار، من شأنه التخفيف من النظرة السلبية للأداء الحكومي، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصيب البعض بغشاوة، وتحولت أقلامهم إلى القسوة والغلظة في التعاطي مع قضايا المجتمع.

ولكن في الجانب الآخر، في حال تنفيذ مسح استبياني للمشاركين في الملتقى لأخذ انطباعاتهم ومرئياتهم حول مدى نجاح الملتقى، فإن النتائج سوف تكون إيجابية وبمستوى رضا عال جدا، وهناك أصوات من خارج الحدود تشيد بمبادرة الملتقى ومستوى تعاطي الحكومة مع تطلعات المواطنين.