في طفولتنا كثيرا ما كانت فقاعات الصابون تدهشنا، ونحدّق فيها وهي تتطاير في الهواء، فتشيع جوّا من السرور، والمتعة، والجمال، وكنّا نجري خلفها ونتعقّبها، حتى تنفجر، ويتطاير رذاذ الماء منها، هذه الفقاعات استخدمت في الألعاب، والاحتفالات والحفلات الخاصة بالأطفال، لإشاعة المرح، وفيها كبرت الفقاعات، وتلوّنتْ، وساهمتْ في رسم مشهديّة بصريّة جرى استثمارها في السينما العربيّة والعالميّة، ففي مشهد من فيلم (أبي فوق الشجرة) يظهر عبد الحليم حافظ، في مشهد مع ميرفت أمين، وهو يغنّي «يا خلي القلب»، وفي مقطع «القمر خذنا على موجة قمر فوق الصحاري والسما والبحر والليل والوجود فوق عيون الناس
فوق جبال الشوق
وفوق كل الحدود» فتتطاير الفقاعات، وتتحوّل إلى نجوم، وقبل سنوات شاهدت حديثا تلفزيونيّا مع أحد العاملين في فريق إنتاج الفيلم تحدّث خلاله عن الصعوبات التي واجهت الفريق عند تصوير هذا المشهد الذي أصرّ عليه المخرج حسين كمال، فقال أنّه توجّه إلى بيروت لشراء الأنبوبة التي تُستخدم في صنع الفقاعات، فتمّ له ذلك، وعاد بعد يومين، مع كمّيّة منها، ليصنع جوّا ساحرا لا يزال يبهرنا عند عرض الأغنية رغم أنّ المشهد لا يستغرق سوى عدد قليل من الثواني.
أمّا في السينما العالمية، فقد جرى توظيف الفقاعات في أفلام كثيرة، خصوصا في المشاهد التي يتمّ تصويرها تحت الماء لإضفاء واقعية عليها كفيلم( أفاتار- طريق المياه) و(تايتانك) و(هاري بوتر)، وما استعانة المخرجين بها إلّا لأنّها تساعد على تحسين المزاج، والصحّة النفسيّة، وتخفيف التوتّر، وتساعد على تهدئة الأعصاب، وما إلى ذلك من دلالات نفسية، كونها تعني التعبير عن المشاعر السريعة الزوال والعابرة، والهشة، وفقدان التوازن، وقد استثمرها المخرجون في المسرح، خصوصا في عروض الأطفال، لصنع متعة بصرية، فهي تنقل المشاهد إلى عالم الأحلام بعد دمجها بالرقص التعبيري، والإكروبات، والأضواء الملوّنة، وتزداد العروض جمالا عند تفاعل الجمهور، فهذا النوع من العروض يتميّز بالتفاعليّة، وحين يتمّ ملء الفراغات، وتصير القاعة امتدادا للخشبة، وينزل الممثلون إلى الجمهور، يكون التلقي قد بلغ درجته القصوى، حسب نظريّة الألماني (فولفغانغ آيزر) في التلقّي التي تشترط تفاعل الجمهور لإكمال المعنى، وكم استمتعنا عند مشاهدة مثل هذا التفاعل عند عرض (فقاعات في عمق الماء) الذي قدّمته دار الأوبرا السلطانية مسقط في الأسبوع الماضي، فقد تطايرت آلاف الفقاعات الملوّنة في فضاء قاعة دار الفنون الموسيقية، فامتلأ المسرح بها، وانتقلت إلى الصفوف الأولى من القاعة، حتى وصلت الصفوف الأخيرة، قبل أن تنفجر، وزادت الأضواء الملوّنة المسرح جمالا، وقد اتخذت تلك الفقاعات أشكالا مختلفة، فبعضها جاء على شكل قلب، وآخر اتّخذ شكلا هندسيا، أو كرويّا، وهو أكثر الأشكال شيوعا، أو على شكل أنبويّ، وكلّها تحفّز الخيال.
بدأ العرض الذي أخرجه الإيطالي إنريكو بيتسولي، بالتعاون مع فنانة تشكيل الفقاعات داتشي بيتسولي، وقدّمته (إنترناشيونال) من لاتفيا، بمشهد من التمثيل الصامت جسّد معاناة رجل من ضغوطات الحياة، التي تحاصره وتجعل منبّه هاتفه لا يتوقّف عن الرنين، فيحاول الهروب من هذا العالم، ويتمكّن من ذلك بعد عثوره على حوض أسماك صغير، فينظر إليه، ويسرح في الخيال بعيدا حتّى يدخل في عالم ساحر، وجميل، فيجد نفسه وسط كائنات بحريّة تريحه من عالمه المليء بالمتاعب، وتفصله عنه، فيعود إلى طفولته، ويسرح، ويمرح، ويشعر بسعادة بالغة، هذه السعادة تنتقل بشكل تدريجي إلى الجمهور الذي يشارك الشعور بالمتعة بطل العرض الذي استمرّ (75) دقيقة متواصلة شاهدنا، خلالها ، بعض الألعاب السحريّة، والأكتروباتيك، والتمثيل الصامت الذي قدّمه (بيترس ريمش)، وأعاصير الفقاعات، والخدع البصريّة، والضباب الذي صنع أجواء مدهشة، ومشاهد الرسم بالرمال للفنانة (داتشي بيتسولي)، والموسيقى التي ألّفها (فالدس زيلفرس)، وجمال الأزياء، وتقنيات الليزر، والرقصات التي أظهر الراقصون خلالها مهارات جسديّة، ومرونة عالية في الحركة، خصوصا فنانة الاستعراض (سارا كرايس) والمشهد الذي قدّمته على أنغام التانجو، وتتوالى مشاهد العرض التي أجملها المشهد الذي يغطّي به بعض المشاركين الجمهور بثلاث قطع بلاستيكية تنتقل من المقاعد الأمامية إلى الخلفية بشكل متموّج بمساعدة الأيدي التي تدفعها للخلف حتى تصل إلى الأخير، ومشهد دخول فنّان المرونة الجسدية( فاليري كوميسارينكو الذي يبلغ طوله 190 سنتمترا في صندوق صغير، وسط دهشة الجمهور، وكان المشهد الختامي مبهرا، فحين خرج المشاركون لتحيّة الجمهور، حملوا بالونات كبيرة، وخلال التصفيق أطلقوها في القاعة، وبدأت أيدي الجمهور تتقاذفها، من يد لأخرى وسط الضحكات، صغارا وكبارا، واستمرّ المشهد لأكثر من أربع دقائق كانت مليئة بالمرح والضحك، والمتعة.
وقد ساعدت الإضاءة في صنع عوالم ساحرة جعلتنا نشعر كأننا كنّا في عالم آخر، وهذا يعكس قوّة تأثير العرض في الجمهور الذي غادر القاعة، وهو يشعر بالخفّة والسعادة، نافضًا عن ثيابه بعض ما علق بها من رذاذ الفقاعات، وما خلّفته في الأرواح من ارتعاشات جماليّة.