ليس هناك جديد فـي أن نصف الشرق الأوسط بأنه يقع في مفترق الطرق، وإنما هو من قبيل «تحصيل الحاصل» tautology بلغة المنطق: فهذا الشرق بما هو «أوسط»، يقع جغرافيّا بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. ولكن هذا الموقع الجغرافي المتميز، هو نفسه ما جعل هذه المنطقة من العالم تموج بالصراعات والتحولات ومحاولات الهيمنة عليها عبر التاريخ.

حدث هذا منذ القِدم بعد أن توارت الحضارات القديمة: الآشورية والبابلية والمصرية؛ إذ توافد الغزاة على هذه المنطقة، بدءا من الرومان والمغول والعثمانيين، والإنجليز والفرنسيين وغيرهم.

ولكن هذه المنطقة قد أصبحت على صفيح ساخن منذ أن تم زرع الكيان الصهيوني في بؤرتها، وهو الكيان الذي أصبحت ترعاه الآن رسميا الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت -وربما لا تزال إلى حد ما- القوة الأكثر هيمنة على العالم.

فمنذ ذلك الحين تفجرت الصراعات في كل بؤرة من تلك المنطقة التي أصبحت في النهاية، لا «على صفيح ساخن» كما يُقال عادةً، وإنما أصبحت بؤرا عديدة مشتعلة باللهب في كل مكان... كتلة من اللهب: بؤرا تتجاوز الصراع العربي الإسرائيلي الذي تجسد بوضوح في الحروب مع مصر فيما بين عامي 1967 و1973، إلى تفجير المنطقة في كل مكان: في لبنان وسوريا، والعراق واليمن والسودان وليبيا، فضلا عن إيران.

ذلك هو المشروع الصهيوني الذي يسعى الكيان بإصرار إلى تحقيقه على أرض الواقع، وهو لأجل تحقيق مسعاه هذا يستعين بدول أخرى في الغرب والشرق، بل يستعين بجماعات في داخل المنطقة نفسها بهدف تفتيتها من داخلها، من خلال دعم جماعات عرقية ودينية متأصلة هنا أو هناك، أو من خلال تكوين ميلشيات بدعوى الدفاع عن الحقوق المهدورة لتلك الجماعات؛ ولهذا نرى الحروب والمجازر المشتعلة في عالمنا العربي منذ سنوات.

ولا شك في أن هذا المشهد يستحق أن نتوقف فيه عند حالات بعينها:

ربما تكون الحالة السودانية مثالا بارزا هنا؛ فالصراع محتدم منذ سنوات بين الحكومة الشرعية ممثلة في الجيش السوداني وميلشيات مسلحة تُسمى «الدعم السريع»، وهي ميليشيات مدعومة بقوى في الخارج والداخل: كان شعب السودان- قبل هذا الصراع الدامي- ثائرا على النظام القائم ويطمح إلى تغييره إلى نظام مدني ديمقراطي، من أجل تحقيق حياة أفضل لهذا الشعب الذي عانى طويلا.

لم يكن يتخيل أحد من أبناء هذا الشعب الطيب أن طموحاته سوف تصبح حلما من الماضي، وأنه يحتاج إلى قوى أخرى تنقذه من التهجير والفقر والحرمان والقتل واغتصاب النساء، وغير ذلك من الجرائم التي يندي لها جبين الإنسانية. ويبدو أن هناك قوى أخرى قد استجابت أخيرا لمؤازرة هذا الشعب في محنته من خلال دعم النظام الشرعي القائم، ولأسباب أخرى لا محل لذكرها هنا.

وربما تكون الحالة الليبية مثالا آخر بارزا: فالشعب الليبي منذ ثورات الربيع الربيعي لم يستطع أن يوحد صفوفه، وأصبح مخترقا من قوى خارجية وداخلية أفضت في النهاية إلى تمزيق وحدة الدولة الليبية، بحيث أصبحت هناك دولة أو حكومة شرعية في الغرب، وأخرى تقوم على ميليشيات مسلحة في الشرق.

كان ولا يزال لكل قوة من هذه القوى مآربها الخاصة في إدارة هذا الصراع الذي أفقر الشعب الليبي، ومنع انتفاعه وانتفاع الآخرين من ثرواته النفطية. لقد بلغ هذا الصراع ذروته في اللحظة الراهنة باغتيال نجل القذافي: سيف الإسلام، الذي كان يسعى أيضا إلى الترشح للرئاسة.

ولكن الحالة السورية تستحق تأملا خاصا في هذا المشهد. لقد احتفيت من قبل بالثورة السورية الأخيرة، وقلت: إننا ينبغي أن نهنئ السوريين على نجاح ثورتهم على حكم مستبد، ولكنني قد نوهت أيضا في هذه الجريدة الرصينة إلى أن نظام الحُكم الجديد لا يمكن أن ينجح ما لم يضم في صفوفه كل الممثلين لأطياف المجتمع السوري من أصحاب التوجهات الإسلامية ومن العلمانيين ومن الأطياف الدينية والعرقية كافة، وعلى رأسهم الأكراد.

لقد استطاع الرئيس السوري الجديد استيعاب هذه الصراعات بأن عقد مؤخرا معاهدات مع أكراد سوريا تسعى إلى استيعابهم باعتبارهم مكوِّنا مهما في الهوية السورية.

ويمكننا أن نلحظ في سلوك هذا الرجل كثيرا من الاتزان والحكمة في التعامل مع بؤر الصراع المشتعلة في كل مكان من حوله، بل في داخل أراضي الدولة السورية نفسها (التي يشعلها الكيان الصهيوني نفسه).

يبرهن ذلك على أن هذا الرئيس يمتلك قدرا من الحصافة في التعامل مع الأوضاع والمتغيرات السياسية في عالمنا الراهن. ومع ذلك، فإننا يمكن أن نتساءل عن مدى قدرة هذا النظام الجديد على مواجهة هذه الضغوطات والتوجهات العالمية الراهنة؟

يمكن القول إن هذا النظام لا يمكنه الصمود أمام الأطماع الإسرائيلية والضغوطات العالمية ما لم يضم بين صفوفه أطياف المجتمع السوري كافة، على تعدد انتماءاتهم العرقية والدينية والأيدولوجية؛ بحيث يضم شخصيات لا تنتمي إلى نفس التوجه الديني الذي ينتمي إليه الرئيس الحاكم؛ كي يمكن لهذا النظام الجديد أن يستثمر نجاحاته في السياسة الخارجية وقدراته على المناورة السياسية، فضلا عن استثمار شعبيته في الداخل، فهذه الشعبية في الداخل هي صمام الأمان الأول لقدرة أي نظام على البقاء والصمود في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق به.