انطلق في يومي الأحد والاثنين من فاتحة هذا الأسبوع ملتقى «معا نتقدم» في نسخته الرابعة، ومن تنظيم الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبمتابعة ومباركة من جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه -، شارك فيه ما يزيد عن ألفي مشارك، النسبة الغالبة منهم من الشباب.

وهذه خطوة مهمة، لنتجاوز التقليد السابق في الدعوات البرجماتية المدركة في عقلنا الجمعي، لهذا نجد هناك فارقًا كبيرًا في النقاش بين جلسات «معا نتقدم» في دوراته الأربع، وبين ما كنا نعتاده من حوارات تبجيلية، وغايات شخصية.

وإشراك الشباب، والسماع لهم عن قرب حالة صحية، وشخصيا كانت في مخيلتي العديد من الأسئلة، ولكن أحببت السماع لما يطرح متأملا فيه، مع إدراك مدى الوعي عند الجيل الجديد، وهم أولى بالحديث؛ فعمان دولة فتية، وتنمية الوعي في هذه الفئة حالة ضرورية وملحة.

هذه النسخة ركزت على محور التنمية في «رؤية عُمان 2040م»، من خلال تنمية الاستثمار، ومنها التركيز على استثمار المحافظات من خلال الانتقال إلى عدم المركزية، وما يتعلق بملفات التحول الرقمي، وجلسات مفتوحة مع المعنيين من الوزراء والوكلاء ومن لهم علاقة مباشرة بملفات الملتقى، مع متابعة ومشاركة وجلسة مفتوحة مع صاحب السمو السيد ذي يزن، في جو من البساطة والعفوية والتداخل المباشر دون حواجز بين الشباب وبين المسؤولين الموكلين بالمسؤولية في البلد.

كما أن وسائل الإعلام - الرقمية خصوصا - بثت بشكل مباشر جميع ما يطرح دون قيد أو منع، وهذا تطور مهم في مساحة حرية، نقل الواقع كما هو، وتقبل وجهات النظر المختلفة والمتباينة.

لست هنا بمعرض ذكر تفاصيل الملتقى، ومع إيماني أن إيجابياته غالبة؛ لا يعني هذا عدم وجود سلبيات وملحوظات كأي عمل بشري يسعى للوصول إلى درجة مرضية، لكنه بطبيعته لا يمكن أن يكون كاملًا.

ففي افتتاحية الملتقى كان الحديث عن مرور خمس سنين على انطلاق «رؤية عُمان 2040»، وغلب الحديث عن الجانب الإيجابي شبه المطلق، مع الإشارة إلى التحديات، لكنه ندر الإشارة إلى الإخفاقات، ووجود الإخفاقات دليل مصداقية ونجاح الرؤية؛ فأي عمل لا يوجد فيه إخفاقات ومراجعات لا يمكن أن يكون رياديا، فمن المصداقية ذكر الجانبين.

كما أن الإكثار من لغة الأرقام لا يعني الريادة والإبداع؛ أحيانا تكون من التلاعب البصري عند المخاطب، وارتفاع المؤشرات لا تتوقف عند المدخلات، ولكن عند نوعية وجدية هذه المدخلات، ومدى وصولها إلى الإحكام والإبداع والريادة.

كما يجب أن نتخلص قليلا من لغة التبرير المبالغ فيها؛ فقد يكون التبرير في محله، وقد يكون لتغليف أخطاء ليس من العيب الإفصاح عنها، في حوار يقوم على الشفافية.

المتأمل في مداخلات الحضور يجد العديد منها مداخلات شخصية؛ فهذا يسأل عن شركته، وذاك عن مشروعه، وآخر عن طريق ولايته، ورابع عن تأخر معاملته، وهذا شيء طبيعي؛ فالعقل الجمعي قد لا يكون مستوعبًا لرؤية واستراتيجية المداخلات المقدمة، والسماع لهم أيضا مهم؛ لأنه يكشف للمسؤولين عن درجة الرضا، وما يجري خلف مكاتبهم.

وأعجبت من التعامل الجيد مع مداخلات الحضور ـ في الجملة -، واعتبارها وتثمينها، وهذا منطلقه تقدير ليس السؤال فحسب، وإنما السائل لكونه مواطنًا مكرمًا له حق النقد والسؤال، وإن كانت بعض المداخلات بسيطة؛ لكن تقدير السائل واحترامه يجعل السؤال له اعتباره ومكانته، ومن حق الجميع السماع له.

إشكالية الملتقى - في نظري - غياب الجانب النقدي من المختصين من المجتمع المدني، سواء من مجلس الشورى، أو من بعض جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، أو النقابات، أو الباحثين من المجتمع، والذين يدركون الرؤية واستراتيجيتها ونتائجها وإخفاقاتها، فجميل في المستقبل أن يصاحب ما يطرح من المسؤولين حضور قراءات نقدية بعد المداخلات الرئيسة، ولو لثلث ساعة؛ فحضور هذه القراءات مهمة لأجل الرقي بالطرح، وسماع رؤية المجتمع عن عمق، كما أنها تجعل المسؤولين في درجة من الاهتمام والدقة لما يقدمونه من أطروحات، مع عدم الإخلال بمساحة السماع لأطروحات الشباب - ولو كانت شخصية - بيد أنها مهمة؛ لأنها المصداق العملي الحقيقي لما يذكر من تنظير.

لحظت في بعض الأسئلة خصوصا من طلاب المدارس والكليات حضور القلق والخوف من المستقبل وظيفيا، وهذا شيء طبيعي؛ فما يجري في الواقع له تأثيره النفسي على الأجيال الجديدة، ولا يتوقف عند الباحثين أو المسرحين، حيث التأثير النفسي الأفقي أوسع وأكثر تمددا إلى الأسر والمراهقين.. يجعلنا هذا أن نفكر بشكل أعمق في صناعة الأمن المستقبلي، القائم على الأمن المعيشي الأفقي كدرجة متساوية بين الجميع، والذي ينبني عليه القضايا الأخرى - حسب الكفاءة - في توفير وظائف وفرص عمل وتسهيل وتشجيع لإنشاء المشروعات التجارية والصناعية مثلا.

كما لحظت هناك درجة من عدم الرضا من جهة، ومن عدم معرفة لما يطرح من المداخلين خصوصا في الخدمات الرقمية من جهة أخرى، وقد يكون سبب هذا عائد إلى الضعف الإعلامي والترويجي لهذه الخدمات؛ فما تحقق من مشروعات بطبيعتها أثرها العملي يتأخر في إدراكه وقطف ثمرته، بيد لابد أن يصاحبه حضور إعلامي وتوعوي مسبق حتى يكون مدركا أفقيا بشكل واضح في العقل الجمعي.

الذي يهمني هنا في جميع هذا غياب مفردة الثقافة والاستراتيجية الثقافية بالشكل الأوسع، خصوصا في جلسة المحافظات من اليوم الأول، وقد يكون الخيط الرقمي غالبا، بيد أنه يدور غالبا نحو المادة، وهذا له أهميته؛ بيد أنه لا ينبغي أن يتجاوز صناعة الإنسان، ومن أهم مفردات صناعة الإنسان هي الثقافة، والتي تخلق تنوعا في المجتمع، وتقوده نحو الإنتاج والإبداع.

والثقافة عنصر مهم جدا في خلق قوى ناعمة تسهم على المدى البعيد في صناعة وعي إنساني لأهمية الاستثمار في كافة صوره،؛ لهذا لا ينبغي أن تجرنا السفينة نحو المادة فحسب دون الاهتمام بصناعة الإنسان ذاته؛ لهذا تأثيره السلبي مستقبلا، فمن يخلق جميع ما ذكر هو الإنسان، والإنسان لا يتوقف عند المدرسة والكليات والجامعات، بل هو حياة الإنسان ذاته عندما يعي مفردة الوطن كبيت يسعى في نمائه ورقيه، ويضحي لأجله، لا يتوقف ذلك عند غايات مادية لابد من توفرها وتسهيل حصولها ابتداء، لكن غايتها هو صناعة الإنسان في وطن ينمو به، وهذا أصل ما تقوم به الثقافة.