في ظل تحولات مناخ الأمن الإقليمي وتزايد أهمية دول الخليج كمركز ثقل استراتيجي، يطرح الحوار الإقليمي بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية من جهة، وبعض دول الجوار، كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جهة أخرى، آفاقه كأداة رئيسة لضبط العلاقات، تقليل المخاطر، وبناء شراكات توفر مسارات تفاوضية فعّالة.

ومع تزايد تعقيد العلاقات مع القوى الكبرى وتبدّل موازين القوى في المنطقة، تثار أسئلة جوهرية حول جدوى الحوار كإطار دائم، وكيف يمكن للمجلس أن يطور آليات تفاوضية أكثر مرونة وموثوقية تعكس مصالح جميع الأطراف وتثري الاستقرار الإقليمي.

من جانب آخر، كيف يمكن للمجلس أن يوازن بين المصالح الوطنية للدول الأعضاء وتطلعات الاستقرار الإقليمي من دون الاعتماد المفرط على التحالفات الدولية أو تراجع الثقة بالدور الضامن؟ ولأجل ذلك، يصبح استخلاص الدروس المستفادة من نماذج مشابهة مثل الآسيان والناتو وأنظمة مثل OSCE أمرًا ضروريًا وكيف يمكن ترحيلها بشكل ملائم إلى بيئة الخليج.

كما تمتد الحاجة إلى دراسة التحديات المحتملة (التكلفة السياسية، التغيرات في مراكز القوة، مخاطر التسرّب والتعثر في التنفيذ) وكيفية إدارتها بشكل فعال.

السياق الأمني والرهانات

مع أن دول الخليج تمكنت من حيازة أدوات دبلوماسية، واستطاعت فتح مسارات تفاوضية تتميز بالمصداقية، والأهم من ذلك التمتع بالثقة والجرأة في التعاطي مع التحديات ببراجماتية عالية، فقد أبدت أيضًا اهتمامًا متزايدًا بالاستقرار الإقليمي، واعتباره حجر زاوية لاستدامة ونمو مشروعها التنموي؛ حيث شجعت الأطراف بحماس على الدخول في حوار، ودفعت لأجل التوصل إلى تفاهمات، وسعت بشكل ذكي لتهيئة الظروف لعقد صفقة يمكن أن تسهم في تجنّب شفير الحرب.

المفارقة المؤلمة هنا أن الحوار يتم مع أطراف من خارج الإقليم (الولايات المتحدة)، وليس بين دول المنطقة.

لا شك أن الظروف الأمنية، التي كانت أحد مسوّغات استحداث مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام ١٩٨١، لا تزال حاضرة، كما لا تزال سمة التنافس والصراع أحيانًا بين القوى الإقليمية مستمرة، ناهيكم عن حالة عدم اليقين التي فرضتها التحولات المتسارعة والتغيرات الجذرية في معادلات بيئة الأمن الإقليمية. كل ذلك، من وجهة نظري، يستدعي إيجاد مقاربة جديدة للأمن وبناء الثقة وإدارة الاختلافات مع القوى الإقليمية.

من جانب آخر، أظهرت المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من أحداث وتداعيات الحرب على غزة، هشاشة منظومة الأمن الإقليمي، وأكدت تلك الوقائع، وغيرها، الحاجة إلى تجربة معالجات جديدة ومبتكرة، معالجاتٌ تستمد من ثقافة المنطقة وتستفيد من رصيدها التاريخي في بناء الثقة لصالح مزيد من الحوار بين شركاء الإقليم.

بناء شراكات لمستقبل المنطقة

وبالرغم من ما تحقق خلال مسيرة العمل الخليجي المشترك من منجزات تكاملية، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين الدول الأعضاء وبناء شراكات وتحالفات مع أقطاب دولية، تظل الحاجة ضرورية للتعامل مع معضلة الأمن، وهو ما يستلزم السعي لإيجاد تفاهمات مع دول الجوار الاستراتيجي، وبلورة رؤى تسمح بالتعاون والشراكة.

قد تكون مسببات هذا النقص كثيرة ومختلفة؛ فهناك تفاوت بين بعض دول مجلس التعاون في التعامل مع دول الجوار، كما أن التحالفات والشراكات الاستراتيجية مع القوى العظمى على مدى عقود كانت من أبرز مرتكزات الاستقرار ومن أهم هياكل الأمن في المنطقة.

صحيح أن هذه الأدوات أسهمت في الحفاظ على الوضع الراهن، إلا أنها تبقى غير مضمونة، كما أنها لم تفضِ إلى ترتيبات أمنية مستدامة، ولم تأتِ بدون ثمن، وأضحى الاعتماد عليها بشكل مطلق محل شك، خاصة مع تراجع الثقة بدور الولايات المتحدة كجهة ضامنة، وما ترتب على ذلك من فراغ استراتيجي ملحوظ.

نعلم أن مجلس التعاون طور بعض الآليات التي تسمح بمناقشة قضايا أوسع والدخول في حوارات أعمق، وقام بإجراء حوارات متعددة الأطراف مع العديد من الكيانات، وهي مبادرات مرحّب بها وتستدعي الاستمرار والتوسع بها مستقبلًا لتشمل أطراف وقوى جديدة. كما توجد بالطبع قنوات اتصال ثنائية بين بعض دول الخليج أثبتت أهميتها أثناء الأزمات، كان آخرها التقارب السعودي الإيراني الذي تم بوساطة صينية في عام ٢٠٢٣م.

لقد أكّدت قمة الصخير الأخيرة لقادة دول المجلس بالمنامة على أهمية «تعزيز التعاون الدولي لصون الأمن الإقليمي»، ومع الإيمان بأهمية التعاون والشراكات الدولية، نحتاج أيضًا إلى دعم وعضد ذلك بمبادرات للتعاون الإقليمي.

لا شك أن هناك ملفات شائكة تقف حجر عثرة أمام فتح مسارات للحوار الجاد، وثمة اختلافات عميقة في موقف الأطراف، وفي ما بينها، لكن حسن النية كفيل بتيسير ذلك، كما أن الحرص على أمن واستقرار المنطقة يتطلب من الجميع إيجاد أفق ومنبر للحوار، وهو توجه لا ينم عن قلة حيلة، ولا يجب النظر إليه كضعف أو تنازل، بل على العكس تمامًا، هو تأكيد على الثقة وإيمان بالقدرات الذاتية.

لعل أحد أهم المبادرات الداعمة للاستقرار السياسي هو تطوير فكرة المجلس بهيكلته الحالية إلى إطار أكثر شمولية.

هذا التطوير لا يعني بالضرورة دخول أعضاء جدد في هذه المرحلة، وإنما عبر بناء منظومة حوار إقليمي موازية ومتعددة الحلقات لفتح قناة حوار مع دول الجوار الاستراتيجي، بهدف تخفيف وإدارة التصعيد والسعي لتأمين مسارات تفاوضية في إطار المصالح المشتركة.

الآسيان أنموذجا

كمقاربة، سيتعيّن استخراج الدروس المستفادة من نماذج مشابهة مثل الآسيان، وكيف يمكن ترحيلها بشكل ملائم إلى بيئة الخليج. كمقاربة، يمكن استلهام نموذج دول الآسيان وهي دول تتشابه خصائصها مع دول الخليج في إدارة الحوار مع جيرانها عبر إنشاء منتديات متعددة الأطراف لا تستثني الخصوم. إجراء يمكّن المجلس من توسيع شبكة اتصالاته ويسهم في البحث عن بدائل ودعامات إضافية للأمن الخليجي.

ومع أن هناك آليات للحوار-سياسية كانت أم اقتصادية- إلا أنها تغلب عليها طابع معين وتستثني دولًا ذات تأثير مباشر على بيئة الأمن.

وبالعودة إلى نموذج الآسيان، يلاحظ أنها توسعت كثيرًا منذ إنشائها عام 1967، حيث قفز عدد أعضائها من خمسة مؤسسين إلى 11 عضوًا، لتشمل دولًا كانت مصنّفة كدول ضد عند تأسيس الرابطة. إلى جانب هذا التوسع، طوّرت الرابطة منتديات حوار موازية مثل المنتدى الإقليمي للآسيان (ARF)، وهي منصة مهمة للحوار الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تهدف إلى بناء الثقة وتعزيز التعاون الأمني بين الأعضاء والدول غير الأعضاء في الآسيان.

نعم، قد لا تكون كل الوصفات مناسبة للجميع، فلكل منطقة خصوصيتها، كما أن النجاح يتطلب قدرًا من التوافق على الأهداف، ورفع مبادئ حسن النية، والالتزامات القابلة للرصد، وإدارة التوقعات. ولهذه الأسباب، لم ينجح مجلس الناتو وروسيا NRC، الذي أُنشئ في عام ٢٠٠٢، وميثاق روسيا-الناتو، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE التي تولت مهمة وضع تدابير بناء الثقة والأمن، في منع احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم أو منع ووقف الحرب في أوكرانيا. لقد تسبب هذا التفاوت الكبير في الأهداف بشروخ عميقة وأزمة ثقة مستمرة. كان الناتو وأوروبا في مهمة التوسع شرقًا، بينما كانت روسيا ترغب في حماية نموذجها الخاص واحترام مصالحها بشرق أوروبا.

خارطة مستقبلية للحوار

ربما تكون هناك هواجس أو قيود، قد تفرضها أقطاب كبرى، للبدء في حوار إقليمي شامل، إلا أنه لا بديل من الحوار! يتوجب على دول المجلس تبنّي سياسة أكثر استقلالية، والسعي لتطوير خطوط اتصال دبلوماسية، تسمح بمناقشة قضايا هامة، وذات توافق مشترك؛ كالمناخ، وملفات حساسة كالانتشار النووي، وغيرها من الملفات الحساسة، بالإضافة إلى القضايا الخلافية.

لقد نجح المجلس في تبنّي سياسات مشتركة لتوحيد الرؤى في قضايا الأمن الإقليمي، لكنه الآن بحاجة إلى قراءة أعمق للسياق السياسي، لرسم خارطة مستقبلية لتعزيز دعائم الاستقرار في المنطقة. خطوة كهذه، تتطلب جرأة كبيرة، وتخطيطًا واعيًا. كبالون اختبار، يمكن إعطاء هذه الأفكار فرصة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، لتأكيد النوايا، وبناء الثقة، وتقييم تجاوب الأطراف.

هذه الأيام، تحتاج المنطقة، بحسب وصف البروفيسور عبدالله باعبود، إلى «جسور لا جدران!» كما أن معادلة القوة، ربما تكون أقرب إلى التعادل ولا ترجّح كفة دون أخرى، وبالتالي فهي مثالية للحوار.

فهل يمكن أن نرى في الفترة القادمة مبادرات لتوسيع الحوار؟ أم أن المجلس له رأي آخر؟ هل نواصل العمل تحت هاجس الأمن أم نبادر ونستفيد من التجارب والدروس؟ وهل يستمر التركيز الخليجي، على أمن قائم على الردع والتحالفات، أم نفكر في أمن قائم على الحوار المدروس؟ هذا ما سيكشفه لنا قادم الأيام.