شاهدتُ فيلم «هامنت» الذي أنتج سنة ٢٠٢٥ وتسبب بضجة كبيرة للغاية. كنت سعيدة للغاية من نجاح عمل سينمائي بينما أحاج بأن «السينما ماتت» أو اقتربت من هذا المصير. لم أسمع عن تأثير لفيلم كما حدث مع هذا العمل الذي يروي قصة وفاة ابن شكسبير الصغير ومعاناة العائلة من هذا الفقد الذي انتهى بشكسبير تقديمه مسرحية خالدة هي «هاملت» حدادًا على ابنه.
في الحقيقة أنا شخصيًا لم أذهب لصالات السينما منذ ما قبل جائحة كورونا إلا مرة واحدة كانت قبل نحو شهر من الآن عندما شاهدت فيلم «فلسطين ١٩٣٧». أما مع فيلم «هامنت» فقد تفجرت ظاهرة الذهاب للسينما مجددًا. صالات العرض شبه ممتلئة. الغالبية ليسوا من المهتمين بمتابعة الأفلام؛ إذ يبدو ذلك نشاطًا جانبيًا بالنسبة لهم، ربما يفعلون ذلك مع منصات العرض على الإنترنت مثل نتفلكس وأمازون وأو أس أن وغيرها.
قرأت قبل عام رواية هامنت لماغي أوفارل التي ترجمتها بالمناسبة العمانية زوينة آل تويه ترجمة بديعة للغاية تمكنت من الحفاظ على نثر أورفال بطريقة مدهشة. ولستُ من النوع الذي يتعصب للرواية عن الفيلم باعتبار الأولى الأفضل دوما بالضرورة. إن تاريخ السينما مليء بالتجارب التي يتجاوز فيها الفيلم العمل الأدبي المأخوذ عنه. في حالة هامنت خُذلت من الفيلم، لكن أصدقائي أوصوني بألا أكتب هذا علانية.
سيبدو كما لو أنني أحاول التمايز عن الموقف السائد لمجرد التمايز فحسب. لستُ أيضا من الذين يرون أن العمل الذي يحقق شعبية ما عمل سيئ بالضرورة، لكن هالتني المبالغات التي قرأتها على الإنترنت. هنالك شاعرة تكتب أن الفيلم أعاد ألق السينما، وعاد ليعلمنا عن معنى قوة السينما وفاعليتها ولماذا كانت موجودة منذ البداية. بصراحة كنتُ في موقف آخر سأضحك على رأي كهذا، لكنني شعرت بالخوف والشفقة على غياب السينما الساحرة عن الوصول للجماهير التي تختار فيلمًا عاديًا باعتباره تحفة فنية لا تضاهى.
لكن أكثر ما أذهلني في هذه الآراء كتابة قرأتها من أشخاص مختلفين عن أن الفيلم شهادة عن الفرق في التعبير بين النساء والرجال. فأم هامنت هاثواي «زوجة شكسبير» عند اكتشافها موت ابنها صرخت بقوة، وعانت كثيرًا معبرة طيلة الوقت عن تلك المعاناة بالغضب العلني، وبالألم المشهر، وبالحداد الذي لا يتوقف عن التعبير عن نفسه.
كان شكسبير قد ترك عائلته في القرية وذهب للندن. الرجل الطموح الذي لم تعد القرية تلبي احتياجاته كان مجرد صانع للأحذية عند والده المستبد الذي مارس عليه كل أشكال العنف، وكانت زوجته هي التي شجعته للذهاب للندن بانتظار أن تلحق به وأبناؤها يوما ما عندما يكون مستعد ماديًا لذلك. ترقى شكسبير من دباغ جلود يعمل في المسرح في لندن إلى كاتب للمسرح وممثل ومخرج، فيه تمكن من بناء أكبر بيت في قريته لأسرته التي لم تغادرها. تفاجأت الزوجة بعودة زوجها بعد وفاة ابنها بأيام إلى لندن! كيف يستطيع مواصلة تلبية نداء طموحه بعد هذه الكارثة خصوصًا مع صمت متكلف أظهره شكسبير بعد وفاة هامنت، لكن شكسبير عبر هاملت التي سيقدمها فيما بعد يظهر مكسورًا غير قابل لأن يبرأ جرحه. ومسرحية هاملت التراجيدية ستحطم قلوب الناس، وتخلد هامنت للأبد.
قيل: إن حزن المرأة مختلف عن حزن الرجل؛ فحزنه الأشد صرامة، والأكثر وقعًا، لكنه مكتوم. استدعيت على الفور الدراسات النسوية التي تتعامل مع هذه الأفكار؛ بيل هوكس تقول: «يُقرأ خيال الرجال كقوة تنتج واقعًا بينما خيال النساء ليس أكثر من مجرد هروب». لكن هوكس تصبح أكثر حدة في وصف التعامل مع مشاعر الرجال والنساء في المجتمع الأبوي. إننا منذ نعومة أظفارنا نتعلم حدود أدوارنا الجندرية. نعيد ببساطة إنتاج الجندرية الجامدة. تذكرني هوكس هنا بسيمون ديوفوار في كوننا «لا نولد نساء، لكننا نتعلم ذلك». عودة لهوكس؛ عندما بدأت تتحدى أخاها في لعبة «ذهنية» مخصصة للرجال، وتتفوق عليه فيها غضب أبوها عليها، وضربها بشدة لذلك.
كان من المتوقع منها أن تتعلم كيف تخدم، وتكون ضعيفة، وأن تتحرر من عبء التفكير. إن مهمتها هي أن تعتني بالآخرين فيما يُخدم أخوها، ويكون قويًا خصوصًا في التفكير ووضع الاستراتيجيات والتخطيط. هو تعلم أن يرفض، أما الأنثى فلا يليق بها أن تكون عنيفة؛ فهذا غير طبيعي فيما استمتاع الفتيان بالعنف أمر طيب (إذا استدعى الأمر ذلك). في المقابل؛ على الفتيان ألا يعبروا عن مشاعرهم، بينما ينبغي للفتيات أن يعبرن عنها أو على الأقل بعض منها. الغضب ليس شعورًا أنثويًا مناسبًا ينبغي لنا كفتيات أن نكظم الغيظ ونقضي عليه. إلا أن هنالك مفارقة مهمة، وهي أن تعبير الولد عن غضبه ينبغي أن يتعلم طبيعة المكان الملائم له؛ لأنه لا يجب أن يعارض والديه مثلا».
الجملة الأخيرة السابقة هي محاجة هوكس الأساسية من أن الأبوية ليست في مواجهة مع النساء، وأن وصف النسوية في كونها عداء للذكورة أمر مضلل للغاية؛ فالجميع واقع تحت سلطة الأبوية فهي نظام هيمنة، وإنكاره ينبغي أن يكون جماعيًا! فالعنف الواقع على الرجال غير محدود أيضًا لعلنا نذكر منه في سياق حديثنا عن التعبير عن المشاعر قيمة السيطرة التي تُطلب من الرجال دومًا. تستدعي هوكس قراءة نسوية ترى أن عداء الرجال للنسوية قادم من أنها تسعى اليوم للحصول على السيطرة والسلطة بعد أن كانت تطالب بالحصول على المعاملة المتساوية؛ فالرجال لا يصبحون رجالًا ما لم يكونوا مسيطرين، لكن هذه القراءة لا تسائل مفهوم السيطرة.
حرم النظام الأبوي الذكور من هنائهم العاطفي الكامل كما تعبر هوكس. وقد خربت الأبوية نفوس الرجال في الماضي، وما زالت تخربها في الحاضر. الرجال يعبرون عن سخطهم في الحياة العملية مثلًا، لكنهم لا يفعلون في مواقع أخرى. يبدو أن السخط موجود إذن، وهو حاد أكثر مما يحاول المجتمع تصويره عنهم. هذه النتيجة تجعلنا نفهم سر عدم ثورة الرجال الموازية لسلسلة الخيانات في حياتهم كإخفاق آبائهم في الوفاء بوعودهم بشكل متساو مع النسوية. تتطلب الأبوية من الرجال أن يصبحوا معوقين عاطفيًا.
إن الرجال والنساء على حد سواء متورطون بالأبوية النفسية. إنها تجعلنا مسجونين في أشكال منحرفة للتواصل يعمل على استبدال العلاقات الحميمة الحقيقية بطبقات معقدة من السيطرة والخضوع والتلاعب كما تكتب هوكس. الرجال ليسوا أعداء للنسوية مطلقًا. إنهم واقعون تحت شر الأبوية أيضًا، وعلينا أن نؤمن بأن خلاصهم هناك مثلما خلاص هو للنساء أيضًا.
بالعودة لهامنت من جديد؛ تتجاهل القراءات التي تفرق بين غضب هاثواي وحزن شكسبير المكتوم والذي سيتحقق عبر عمل فني خالد في كونه حزنًا إيجابيًا أنه في الفيلم نفسه يظهر شكسبير معلقًا أباه على الحائط بعد ضربه، وذلك بعد عنف طويل ممتد مارسه الأب على ابنه، وحان وقت ثورة غضب شكسبير وكسر سلطة أبيه عليه. يتجاهل هؤلاء القراء أيضًا أن شكسبير أخذ يصرخ في إحدى الليالي، ويمزق الأوراق، ويكسر ما أمامه؛ لأنه محبط من حياته المحدودة في القرية في مقابل طموحه ورغباته الكبيرة بينما تهدئه هاثواي، وتساعده على مغادرتها. يتجاهل هؤلاء أنه لولا هاثواي لما غادر شكسبير القرية أصلًا حتى يتسنى له التعامل مع حزنه الذي سيصبح محل احتفال لدوره الجندري المتوقع منه، وأنها في مقابل ذلك الحزن الإيجابي ربت أبناءه، وكأن تعبها هذا أقل إيجابية.
لا أدعو هنا إلى قراءة تقليدية تُعيد النساء إلى أدوار مُسبقة في البيت، ولا إلى خطاب زائف عن «تكافؤ» تربية الأبناء مع عمل الآباء في الخارج؛ فهذا ليس موضوع هذه المقالة أصلًا. أقول ذلك؛ لأن الأبوية تجيد الصيد في المياه العكرة، وتتحيّن أي فرصة لإعادة إنتاج خطابها القديم بثوب جديد، خطاب يبدو منصفًا في ظاهره، لكنه ينقلب عدائيًا فور مطالبة النساء بالاعتراف بالعمل المنزلي عملًا فعليًا يستحق الأجر. ما أدافع عنه هنا هو نزع هذا المنطق التقييمي من الأساس: منطق فرض استجابات عاطفية بعينها، وقياس الحزن، أو الصبر، أو التماسك وفق معايير جامدة. ليست العافية في الامتثال، بل في الحق في التعبير عن عواطفنا كما نختبرها دون وصاية، ودون اختبار أهلية.