يشيع استخدام مصطلح الحضارة أو التحضر معيارا يقاس به مستوى التقدم والتطور الذي تحققه الأمم والشعوب. غير أن هذا المفهوم في جذوره اللغوية الأولى لدى العرب ارتبط بمعنى الحضر في مقابل البداوة؛ أي الاستقرار في القرى والمدن، وبناء المساكن، وتشكّل أنماط معيشية مستقرة تقوم على الزراعة والتجارة والصناعات البسيطة بخلاف المجتمعات البدوية التي تقوم حياتها على التنقل والارتحال. ومع تطور المجتمعات الإنسانية اتسع مفهوم الحضارة ليشمل المجتمعات الصناعية الحديثة كامتداد لهذا التحول التاريخي في أنماط العيش والتنظيم الاجتماعي.

غير أن الحضارة في معناها الأوسع والأعمق لا يمكن اختزالها في المظاهر المادية وحدها كالعمران والقصور والمنشآت، ولا في الأطر السياسية كالدول والإمبراطوريات، بل هي قبل ذلك وبعده النتاج الفكري والثقافي والقيمي والمادي المتراكم لأمةٍ من الأمم، وهو النتاج الذي يمنح كل أمة شخصيتها الخاصة وسمتها المميزة بين الأمم الأخرى، ويعكس رؤيتها للحياة وقدرتها على الإبداع والتفاعل مع محيطها الإنساني والتاريخي.

ويمهّد هذا الفهم الشامل لمفهوم الحضارة للدخول إلى دراسة الحضارات الإنسانية القديمة والحديثة كأحد المسارات التاريخية المتفاعلة، وليست جزرًا معزولة. فالحضارات على امتداد التاريخ لم تنشأ في فراغ، بل تشكّلت عبر التبادل والتأثير المتبادل، وأحيانًا عبر الصراع والتنافس في مجالات الدين والعرق والثقافة والمعرفة والعلوم المختلفة. وبينما احتفظت كل حضارة بخصوصيتها التي تعبر عن رؤيتها للعالم ونظمها القيمية والاجتماعية فإنها في الوقت نفسه التقت مع غيرها في كثير من المشتركات الإنسانية الكبرى، مثل البحث عن المعرفة، وتنظيم الحياة الاجتماعية، وبناء منظومات القيم والأخلاق، وهو ما يجعل تاريخ الحضارات تاريخًا للتقاطع بقدر ما هو تاريخ للاختلاف.

الدخول في موضوع الحضارات ونشأتها وتشابكها وانفصالها موضوع شائك وكبير لا يكفي هذا المقال لسبره؛ إذ لا يتّسع له مقال واحد مهما حاول الإحاطة بجوانبه. غير أنّ ما يعنيني هنا هو التأمل في شكل العلاقات بين الحضارات، ولا سيما الحضارة الإنسانية الحديثة في صورتها الراهنة خلال القرن الذي نعيشه، وكيف تتلاقى الحضارات وتتلاقح عبر التبادل المعرفي والثقافي، وفي الوقت نفسه كيف تتنافس وتتزاحم أحيانًا في ميادين النفوذ والاقتصاد والقيم.

وقد شغل هذا السؤال عددًا من المفكرين المعاصرين من أبرزهم صامويل هنتنغتون في أطروحته حول «صراع الحضارات»؛ حيث رأى أنّ التوترات المستقبلية ستتشكل على خطوط حضارية وثقافية في حين ذهب فرانسيس فوكوياما في «نهاية التاريخ» إلى طرح فكرة انتصار نموذج سياسي واقتصادي بعينه مقدما الشكل النهائي للتطور السياسي الحديث. غير أنّ هذه التصورات على أهميتها الفكرية تبقى اجتهادات تفسيرية أكثر منها قوانين حتمية لمسار التاريخ؛ إذ يبرهن الواقع الإنساني باستمرار على أنّ الحضارات لا تنتهي ببساطة، بل تتحوّل وتتجدد، وتتراجع في جوانب لتتقدّم في أخرى ضمن حركة تاريخية متصلة تتبادل فيها الأمم التأثير والتأثر الأمر الذي يجعل مستقبل الحضارات مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا على نهاية واحدة محسومة.

من الأمثلة التي يمكن سوقها للتدليل على قدرة الحضارات على التجدد الحضارة الأوروبية التي أعادت بناء ذاتها بعد قرون العصور الوسطى، فانطلقت عبر عصر النهضة والإصلاحات العلمية والفكرية لتؤسس مرحلة جديدة من التقدم العلمي والصناعي. وكذلك الحضارة الصينية التي تسعى اليوم إلى استعادة حضورها التاريخي عبر نهضة اقتصادية وتقنية وثقافية تعيد وصل حاضرها بإرثها الحضاري العريق. وحتى الحضارة الإسلامية شهدت عبر تاريخها الطويل موجات متعاقبة من التجدد انتقلت فيها مراكز الإشعاع العلمي والفكري من إقليم إلى آخر محافظة على جوهرها الحضاري رغم تغير الظروف السياسية، وتبدل موازين القوى.

وتظهر هذه النماذج أن الحضارات لا تموت بالمعنى الحرفي، بل تمر بمراحل من الضعف أو الانحسار قبل أن تجد لنفسها مسارًا جديدًا من التجدد مستفيدة من خبراتها التاريخية وقدرتها على التفاعل مع المتغيرات العالمية. وما نعيشه اليوم يؤكد أن الحضارات الحالية قد تتغير أو تندمج أو تتطور، لتُولد حضارات جديدة أكثر قوة ومرونة. ولن يتحقق هذا التجدد إلا من خلال تمكين العلوم والتقنيات الحديثة، وتعزيز الثقافة والمعرفة والاقتصاد، والابتعاد عن النزاعات التي تعيق الحوار والتعاون بين الأمم بما يضمن استمرار رحلة الحضارة الإنسانية في مسارها التاريخي المتواصل نحو مزيد من الإبداع والتقدم.