ليس غريبا أن تحتل الصناعة حيزا كبيرا من مناقشات النسخة الرابعة من ملتقى «معا نتقدم» التي عُقدت مطلع الأسبوع الجاري. ذلك لأن الصناعة تُعد من بين أبرز ممكنات النمو الاقتصادي وتكتسب أهميتها من خلال دورها في التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد المحلية التي تشتهر بها سلطنة عُمان سواء في مجال المنتجات الغذائية أو الصناعات المعدنية والبتروكيماوية وصناعات الحديد وغيرها من الصناعات الأخرى التي يؤدي التركيز على تصنيع موادها الأولية إلى إيجاد منتجات صناعية عالية القيمة. بالإضافة إلى دور القطاع الصناعي في تعزيز الصادرات العمانية المنشأ وتقليل الواردات، وتحقيق الأمن الغذائي والأمن الصناعي، وتوفير الآلاف من فرص العمل في مختلف القطاعات الصناعية والقطاعات المرتبطة بها خاصة النقل واللوجستيات والتصدير والبيع بالتجزئة والعديد من القطاعات الأخرى.
وهذا يعني أن القطاع الصناعي ليس قطاعا مستقلا بذاته وإنما مرتبط بمختلف القطاعات الاقتصادية، ويعد محفزا لها ومسهما في نموها، وعلى سبيل المثال فإن معظم المشروعات الصناعية تعتمد على التمويل من القطاع المصرفي وهو ما ينعكس إيجابا على نمو القطاع المصرفي، وتشير الإحصائيات الصادرة عن البنك المركزي العماني إلى أن إجمالي الائتمان الممنوح للقطاع الصناعي من قبل البنوك التقليدية بلغ حتى يونيو من عام 2025 مليارين و41.2 مليون ريال عماني بما يعادل 7.6 بالمائة من إجمالي حجم الائتمان الممنوح من قبل البنوك التقليدية والبالغ 26.8 مليار ريال عماني، وفي مجال فرص العمل يتيح القطاع الصناعي وظائف نوعية متعددة ومستدامة وكلما طورنا هذا القطاع وعملنا على تنويع مجالات الاستثمار والتصنيع فيه فإنه سيوّلد فرصا جديدة لا ترتبط بالقطاع الصناعي وحده وإنما تشمل أيضا مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي قطاع النقل واللوجستيات يُسهم القطاع الصناعي في تحفيز هذا القطاع وتنشيطه في مجالات نقل البضائع والمواد الخام بين المصانع والموانئ ومواقع الإنتاج ومراكز التسوق كما يُسهم في رفع كفاءة واستدامة سلاسل الإمداد وتنشيط الموانئ وتعظيم الاستفادة منها، وفي قطاع الصناعات الغذائية تتميز سلطنة عُمان بوفرة الثروة السمكية والعديد من المنتجات الزراعية التي يمكن من خلال التصنيع زيادة قيمتها الاقتصادية، والأمر ينطبق على العديد من القطاعات الأخرى.
وتمتلك سلطنة عُمان العديد من ممكنات تنمية القطاع الصناعي سواء في مجال التشريعات المنظمة للقطاع والاستثمار فيه، أو في مجال تمويل المشروعات الصناعية، أو في مجال تهيئة البيئة الحاضنة له كالمناطق الاقتصادية والمدن الصناعية التي أسهمت في تطوير هذا القطاع وزيادة الاستثمار فيه واستقطبت استثمارات ضخمة إلى القطاع بالإضافة إلى الحوافز والمزايا والتسهيلات والأراضي المتاحة للاستثمار وبأسعار رمزية مع منح المستثمر المساحات المناسبة لمشروعه وفق دراسات الجدوى المعدة لذلك.
وإذا كان ملتقى «معا نتقدم» قد ناقش أهمية القطاع الصناعي ودوره الاقتصادي والاجتماعي فإن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدا من التركيز على تعزيز تنافسية المنتجات الصناعية وتعظيم مكاسبها الاقتصادية؛ بالتركيز على بناء منظومة صناعية تستطيع تحقيق مكاسب اقتصادية أوسع تنعكس إيجابا على القطاعات الاقتصادية -التي أشرنا إليها سابقا- وتستفيد من إمكانياتها، مع الاهتمام أيضا بالقطاعات الأكثر ربحية، والصناعات عالية القيمة التي يمكنها تعزيز وتنمية السلاسل المرتبطة بها (وليس فقط المنتج النهائي)، إضافة إلى الاهتمام بالصناعات التي يمكنها رفع نسبة المحتوى المحلي، ولديها القدرة على توفير فرص عمل مجزية للشباب العماني وتُسهم في الوقت نفسه في بناء خبرات عمانية في مختلف القطاعات الصناعية، وعلى الصناعيين أيضا تعزيز دور التقنيات الحديثة في زيادة الإنتاج الصناعي وتعظيم الاستفادة منه وتطوير المنتجات الصناعية وبما يؤدي إلى تحقيق التنافسية المطلوبة للقطاع.
إن الإمكانيات التي يتمتع بها القطاع الصناعي يمكن أن تحول سلطنة عُمان إلى منصة صناعية إقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي والأسواق الاستهلاكية في آسيا وإفريقيا، وهو ما يتطلب مزيدا من العمل المشترك بين القطاعين العام والخاص وبما يؤدي إلى تحقيق طموحات الشباب في فرص العمل والتمكين وبناء الخبرات وفي الوقت نفسه تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.