«عمان»: يستخدم مفهوم عدم اليقين غالبًا لوصف التقلبات العامة في الاقتصاد، أو للإشارة إلى صدمات كبرى تؤثر في الأسواق والنشاط الاقتصادي، إلا أن ورقة «عدم اليقين في بيئة الأعمال في الدول النامية والناشئة» تنطلق من زاوية مختلفة، كونها تضع عدم اليقين في صلب قرارات الشركات نفسها وخاصة في الكيفية التي يدرك بها المدراء المخاطر المحيطة بأعمالهم، وكيف تنعكس هذه الإدراكات على الاستثمار والنمو الاقتصادي على المدى الطويل. وقد أظهرت الورقة في نتائجها الأولية وجود تباين واسع في مستويات عدم اليقين بين الدول ففي المتوسط يواجه المدراء في الدول منخفضة الدخل مستويات أعلى من تقلب المبيعات الفعلية ويعكسون ذلك في توقعاتهم حيث تكون توزيعات الاحتمالات أوسع وأكثر تشتتًا، وعلى العكس تنخفض مستويات عدم اليقين المُدرَك كلما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بما يعكس بيئات أعمال أكثر استقرارًا نسبيًا في الاقتصادات الأعلى دخلًا.
وتنطلق الورقة من سؤال مهم مفاده «إلى أي مدى تؤثر تصورات المدراء لعدم اليقين في قرارات الاستثمار» ، وبالتالي في الأداء الاقتصادي الكلي؟» ورغم أن الأبحاث الاقتصادية تربط منذ زمن بين ارتفاع عدم اليقين وتراجع الاستثمار إلا أن معظمها اعتمدت على مقاييس غير مباشرة للتقلب، مثل تذبذب الناتج أو تقلبات الأسواق المالية، أما هذه الورقة، فتنتقل إلى مستوى أدق عبر قياس عدم اليقين كما يراه المديرون أنفسهم، لا كما يُستنتج من البيانات اللاحقة. وتستند الورقة إلى مسوح واسعة شملت أكثر من 31 ألف مدير في 41 دولة نامية وناشئة، جُمعت عبر مسوح «نبض الأعمال» ومسوح «المنشآت» التابعة للبنك الدولي والتي من خلالها يُطلب من المديرين تقييم مستقبل مبيعات شركاتهم خلال الأشهر المقبلة عبر ثلاثة سيناريوهات: متفائل، ومرجّح، ومتشائم، مع تحديد احتمال وقوع كل منها. ويتيح هذا الأسلوب قياسًا مباشرًا لتوقعات المديرين، ولدرجة عدم اليقين التي تحيط بهذه التوقعات.
غير أن أهمية الورقة لا تتوقف عند رصد هذا التفاوت، بل تمتد إلى الكشف عن فجوة منهجية بين ما يعتقده المديرون حول المخاطر التي يواجهونها، وما يحدث فعليًا على أرض الواقع، إذ تُظهر المقارنات بين التوقعات السابقة والنتائج المحققة لاحقًا أن المديرين في مختلف الدول، يميلون إلى التقليل من حجم التقلب الحقيقي في مبيعات شركاتهم، أو بعبارة أخرى فإنهم يبدون ثقة أكبر بدقة توقعاتهم مما تبرره البيانات الفعلية.
وتُعرف هذه الظاهرة في الأدبيات السلوكية باسم «الثقة الزائدة في الدقة» وهي لا تقتصر على بيئات معينة بل تظهر كظاهرة عالمية، إلا أن الورقة تكشف مفارقة لافتة، فهذه الثقة الزائدة تكون أشد في الدول الغنية ذات التقلب المنخفض، مقارنة بالدول الفقيرة التي تعاني من تقلبات أعلى، أي أن المديرين في البيئات الأكثر استقرارًا يميلون إلى تجاهل جزء أكبر من المخاطر المحدودة التي يواجهونها، في حين يكون المديرون في البيئات الأكثر تقلبًا أقل مبالغة في ثقتهم، رغم صعوبة الظروف.
ويضع هذا الاكتشاف أو هذه الورقة تحديدًا مفهوم عدم اليقين في سياق جديد فهو ليس مجرد انعكاس لبيئة اقتصادية مضطربة، بل نتاج تفاعل معقّد بين الواقع الاقتصادي وتصورات المديرين عنه، ومن هنا تمهّد الورقة للانتقال من توصيف عدم اليقين إلى تحليل آثاره العميقة على قرارات الاستثمار، وعلى الفجوة المستمرة في مستويات رأس المال بين الدول.
كيف يقيس المديرون المخاطر؟
ولا تكتفي الورقة بتأكيد وجود عدم يقين مرتفع في بيئات الأعمال بالدول النامية والناشئة، بل تتعمق في كيفية تشكّل هذا عدم اليقين لدى المديرين أنفسهم وفي الأدوات التي يستخدمونها لتقييم المخاطر المرتبطة بأداء شركاتهم، ويُعد هذا الجانب محوريًا لأن قرارات الاستثمار لا تُبنى على التقلبات المحققة لاحقًا بل على ما يتوقعه المديرون قبل اتخاذ القرار. وتُظهر البيانات تباينًا واسعًا داخل البلد الواحد وبين البلدان، فحتى داخل البيئة الاقتصادية نفسها تختلف تصورات المديرين للمخاطر اختلافًا كبيرًا، ما يعكس تباينًا في المعلومات المتاحة، والخبرة الإدارية، وطبيعة القطاعات، ومع ذلك تبقى الأنماط العامة واضحة عند النظر إلى المتوسطات على مستوى الدول ومجموعات الدخل.
وعند مقارنة التوقعات بالنتائج المحققة فعليًا في فترات لاحقة، ترصد الورقة فجوة منهجية بين ما يتوقعه المديرون وما يحدث على أرض الواقع، ففي معظم الحالات تكون الأخطاء في التنبؤ كبيرة وتشير إلى أن التقلبات الفعلية في المبيعات أعلى مما كان يتوقعه المديرون عند اتخاذ قراراتهم، ويعني ذلك أن عدم اليقين الحقيقي الذي تواجهه الشركات أكبر من عدم اليقين الذي يُدرَك مسبقًا، وتُظهر هذه الفجوة سمة مشتركة عبر مختلف الدول وهي أن المديرين يميلون إلى التقليل من حجم التقلب المحتمل حتى في البيئات التي تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، ويعكس ذلك نزعة عامة إلى الاعتقاد بأن المستقبل يمكن التنبؤ به بدرجة أكبر مما تسمح به البيانات الفعلية، وهو ما يضع قيودًا على دقة التخطيط واتخاذ القرار.
غير أن اللافت في نتائج الورقة هو أن هذا الخطأ في التقدير لا يتوزع بالتساوي بين الدول، فبينما يواجه المديرون في الدول الفقيرة تقلبات أعلى في الواقع فإنهم يكونون في المتوسط أقل مبالغة في تقدير دقة توقعاتهم مقارنة بنظرائهم في الدول الغنية، وعلى النقيض يُظهر المديرون في الاقتصادات الأعلى دخلًا مستويات أقل من عدم اليقين المُدرَك، لكنهم في الوقت نفسه يقللون من المخاطر الفعلية بدرجة أكبر. وتشير هذه النتيجة إلى أن الاستقرار النسبي في بيئات الأعمال المتقدمة قد يدفع المديرين إلى بناء ثقة مفرطة في قدرتهم على التنبؤ ما يجعلهم أقل انتباهًا للمخاطر المتبقية، وفي المقابل يظهر المديرون في البيئات الأكثر تقلبًا درجة أعلى من الحذر، حتى وإن ظل تقديرهم للمخاطر دون المستوى الذي تعكسه البيانات الفعلية.
ومن خلال هذا التحليل تنتقل الورقة من توصيف عام لعدم اليقين إلى تفكيك مكوّناته السلوكية، فعدم اليقين لا يعكس فقط خصائص الاقتصاد بل يتأثر أيضًا بكيفية تفسير المديرين لهذه الخصائص وبالانحيازات المعرفية التي تحكم عملية التوقع واتخاذ القرار وتمهّد هذه النتيجة للانتقال إلى سؤال أعمق حول كيفية انعكاس هذه التصورات الخاطئة على الاستثمار، والفجوات المستمرة في تراكم رأس المال بين الدول؟
عندما يضلل اليقين قرارات الاستثمار
كشفت بيانات الورقة أيضًا أن الفجوة بين ما يتوقعه المديرون وما يتحقق فعليًا ليست عشوائية بل تعكس نمطًا سلوكيًا متكررًا في بيئات الأعمال المختلفة، ففي معظم الحالات يميل المديرون إلى الاعتقاد بأن قدرتهم على التنبؤ بمستقبل شركاتهم أعلى مما تسمح به الوقائع وأن نطاق النتائج المحتملة أضيق مما يظهر لاحقًا في الأداء الفعلي ويظهر هذا السلوك في ميل واسع إلى التقليل من حجم التقلب المحتمل في المبيعات، حتى في البيئات التي تتسم بعدم استقرار واضح، فبدل التعامل مع المستقبل بوصفه مجالًا مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تُبنى التوقعات غالبًا على تصور ضمني بأن النتائج ستدور حول مسار محدد يمكن التحكم به. ويؤدي هذا التصور إلى تضييق نطاق المخاطر في ذهن متخذ القرار، ما يحدّ من دقة التخطيط.
واللافت أن هذا الميل لا يتوزع بشكل متساوٍ بين الدول، ففي الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، حيث تكون التقلبات الفعلية أقل نسبيًا يُظهر المديرون ثقة أكبر في دقة توقعاتهم، ويقللون بدرجة أوضح من المخاطر المتبقية، أما في الدول النامية والناشئة ورغم ارتفاع التقلبات الفعلية، فإن المديرين يكونون أقل مبالغة في تقدير قدرتهم على التنبؤ، وأكثر وعيًا بحدود السيطرة على النتائج، كما تعكس هذه المفارقة أثر البيئة الاقتصادية في تشكيل السلوك الإداري، فالاستقرار النسبي قد يولّد شعورًا زائفًا باليقين، في حين تفرض البيئات المضطربة قدرًا أكبر من الحذر والانتباه للمخاطر، ومع ذلك يظل التقليل من حجم التقلب سمة مشتركة، حتى في السياقات التي يفترض أن تكون أكثر حذرًا.
ولا تقتصر آثار هذا السلوك على مستوى التوقعات بل تمتد إلى قرارات الاستثمار نفسها، فعندما يُنظر إلى المخاطر على أنها أقل مما هي عليه في الواقع قد تُتخذ قرارات استثمارية في توقيت غير مناسب أو تُبنى خطط توسع على افتراضات متفائلة لا تصمد أمام الصدمات، وفي المقابل قد يؤدي تصحيح هذه التوقعات بعد وقوع الصدمة إلى تراجع مفاجئ في الاستثمار، مما يفاقم التقلب بدل الحد منه. وبهذا المعنى، لا يصبح عدم اليقين مجرد سمة خارجية لبيئة الأعمال بل عنصر يتفاعل مع تصورات المديرين وانحيازاتهم ويؤثر بصورة مباشرة في مسار الاستثمار وتراكم رأس المال. ويهيئ هذا الفهم الأرضية للانتقال إلى سؤال أوسع حول الكيفية التي تُترجم بها هذه التصورات مجتمعة إلى فجوات مستمرة في الاستثمار بين الدول.
لماذا تبقى بعض الاقتصادات عالقة؟
ولا تقتصر آثار عدم اليقين وسوء تقدير المخاطر على قرارات الاستثمار قصيرة الأجل، بل تمتد لتؤثر في مسار النمو الاقتصادي على المدى الطويل، فحين يتكرر تأجيل الاستثمار أو يتسم بالتذبذب وعدم الاستمرارية، ينعكس ذلك على قدرة الاقتصاد على رفع إنتاجيته وبناء طاقات إنتاجية قادرة على توليد نمو مستدام، وتُظهر القراءة طويلة الأجل أن الاقتصادات التي تعاني من مستويات مرتفعة من عدم اليقين إلى جانب تصورات غير دقيقة للمخاطر تميل إلى تسجيل معدلات أضعف في تراكم رأس المال مقارنة باقتصادات أكثر استقرارًا ولا يعود هذا التباين إلى غياب الفرص الاستثمارية بالضرورة، بل إلى ضعف القدرة على تحويل هذه الفرص إلى قرارات فعلية بسبب الغموض المحيط بالعوائد المستقبلية.
وفي هذا السياق يصبح عدم اليقين عاملًا يحدّ من كفاءة تخصيص الموارد، فالشركات قد تحجم عن التوسع في القطاعات الأكثر إنتاجية أو تؤجل إدخال تقنيات جديدة خشية تقلب العوائد أو صعوبة التنبؤ بالطلب، ومع مرور الوقت يؤدي هذا السلوك إلى تباطؤ في نمو الإنتاجية الكلية وإلى اتساع الفجوة بين الاقتصادات التي تنجح في استغلال الفرص الاستثمارية وتلك التي تبقى أسيرة الحذر والانتظار، وتشير النتائج كذلك إلى أن استمرار التقلبات لا يؤثر فقط في حجم الاستثمار بل في نوعيته أيضًا، فالمشاريع طويلة الأجل التي تتطلب التزامًا رأسماليًا كبيرًا وتحقق عوائدها على مدى زمني ممتد تكون أكثر حساسية لعدم اليقين، وفي البيئات غير المستقرة تميل الشركات إلى تفضيل استثمارات قصيرة الأجل أو منخفضة المخاطر حتى وإن كانت عوائدها أقل مما يحدّ من التحول الهيكلي المطلوب لرفع مستويات الدخل.
ويتعزز هذا الأثر عندما تتقاطع التقلبات الاقتصادية مع تصورات مفرطة في الثقة أو غير دقيقة فالتقليل من حجم المخاطر قد يؤدي إلى سوء تقدير جدوى بعض المشاريع في حين يدفع تصحيح هذه التقديرات لاحقًا إلى تراجع حاد في النشاط الاستثماري، وبدل أن يعمل الاستثمار كمحرك للنمو يتحول إلى مصدر إضافي للتقلب، وعليه لا يتم إلى الفجوات في النمو بين الدول بوصفها نتيجة فروق مؤقتة في الأداء بل كنتيجة لمسارات طويلة تتشكل عبر تفاعل مستمر بين بيئة الأعمال وسلوك متخذي القرار داخل الشركات، وتوضح هذه الورقة أن معالجة ضعف النمو لا تتطلب فقط تحسين المؤشرات الكلية بل فهم العوامل السلوكية التي تؤثر في كيفية استجابة القطاع الخاص لهذه المؤشرات.
عدم اليقين قيد خفي
على الاستثمار والنمو
ختامًا، أظهرت الورقة أن عدم اليقين في بيئة الأعمال ليس مجرد انعكاس لتقلبات اقتصادية خارجية بل عامل مركزي يتشكل من تفاعل الواقع الاقتصادي مع تصورات المديرين عنه، فقرارات الاستثمار لا تُبنى على التقلبات المحققة لاحقًا بل على ما يعتقده متخذو القرار حول حجم المخاطر وحدود السيطرة عليها، وعندما تكون هذه التصورات مشوبة بالتقليل من حجم التقلب أو بالثقة الزائدة في دقة التوقعات تصبح قرارات الاستثمار أكثر هشاشة، حتى في البيئات التي تبدو مستقرة ظاهريًا.
وتشير النتائج إلى أن الفجوات المستمرة في الاستثمار وتراكم رأس المال بين الدول لا يمكن تفسيرها فقط بالاختلافات في التمويل أو المؤسسات بل ترتبط أيضًا بسلوكيات إدارية وانحيازات معرفية تتكرر عبر الزمن، ففي الدول النامية والناشئة تتقاطع التقلبات المرتفعة مع صعوبة التنبؤ ما يدفع إلى تأجيل الاستثمار أو تجزئته بينما تؤدي الثقة الزائدة في البيئات الأكثر استقرارًا إلى تجاهل مخاطر قائمة وإن كانت محدودة.
ولا يعني ذلك أن عدم اليقين يُفضي دائمًا إلى نتائج سلبية بل إن طريقة التعامل معه هي العامل الحاسم، فغياب الوضوح واستمرار التقلبات يحدان من قدرة الشركات على التخطيط طويل الأجل، ويقيدان الاستثمارات ذات العوائد الممتدة، مما ينعكس على الإنتاجية والنمو، ومع تراكم هذه الآثار، تتكرس مسارات نمو متفاوتة يصعب الخروج منها دون معالجة الجذور السلوكية إلى جانب العوامل الاقتصادية التقليدية.
وفي المحصلة تعيد هذه الورقة وضع عدم اليقين في موقعه الحقيقي بوصفه قيدًا خفيًا على الاستثمار لا يُقاس فقط بالمؤشرات الكلية بل بكيفية إدراكه داخل الشركات، ومع أن تحسين بيئة الأعمال يتطلب استقرار السياسات وتعزيز الأطر المؤسسية، فإن فهم سلوك متخذي القرار داخل القطاع الخاص يظل عنصرًا أساسيًا لفهم لماذا تستثمر بعض الاقتصادات أكثر، ولماذا تبقى أخرى عالقة في مسارات نمو أقل ديناميكية رغم تشابه الفرص المتاحة على الورق؟
أعدت هذه الورقة البحثية من قبل إدغار أفالوس، وخوسيه ماريا باريرو، وإلوين ديفيز، وليوناردو ياكوفوني، وجيسيكا توريس. ويعمل المؤلفون في مؤسسات أكاديمية وبحثية دولية، من بينها البنك الدولي، والمعهد التكنولوجي المستقل في المكسيك (ITAM)، ومدرسة هيرتي للحوكمة في ألمانيا.
عُرضت الورقة في المؤتمر السنوي الخامس لشبكة البحوث الإقليمية للبنوك المركزية في منطقة MENAAP، الذي استضافه البنك المركزي العُماني في مسقط خلال فبراير 2026.