تعامل العالم مع العولمة خلال العقود الماضية وكأنها حقيقة نهائية لا رجعة عنها، الأسواق مفتوحة، سلاسل الإمداد ممتدة عبر القارات، ورأس المال يتحرك بسرعة تفوق قدرة الدول على المتابعة، وقد نجح هذا النموذج في خفض التكاليف وتعظيم الكفاءة، لكنه في المقابل جعل الاقتصادات شديدة الحساسية لأي خلل، ومع أول اختبار حقيقي من الأزمة المالية العالمية، إلى جائحة كورونا، ثم التوترات الجيوسياسية تبيّن أن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن الاقتصاد الذي لا يمتلك بدائل وقدرة على التكيّف يدفع ثمنًا أعلى عند الصدمات.
ومن هنا لم يعد الحديث عن النمو كافيًا، بل أصبح السؤال: هل اقتصادنا قادر على الصمود؟ وهذا هو جوهر مفهوم المرونة الاقتصادية، ليس الانغلاق، ولا الانسحاب من الاقتصاد العالمي، إنما امتلاك القدرة على الاستمرار عندما تتغير القواعد فجأة، وعندما تتعطل المسارات التي اعتدنا الاعتماد عليها.
وعند النظر إلى سلطنة عُمان، نجد أن الصورة ليست سوداء، لكنها أيضًا ليست مطمئنة بالكامل، من حيث الرؤية الأمور واضحة رؤية عُمان 2040 شخصت المشكلة بدقة: الاعتماد المفرط على النفط، وضعف القاعدة الإنتاجية، والحاجة إلى قطاع خاص أقوى، كما أن الخطة الخمسية العاشرة جاءت في فترة مالية جيدة نسبيًا، بمتوسط أسعار نفط مرتفع، ما وفّر مساحة للحركة لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: لماذا بقي التحول محدود الأثر رغم توفر الرؤية والموارد؟
وقد تزودنا الأرقام في هذا السياق بجزء من الإجابة، تبلغ مساهمة النفط والغاز ما يقارب 33% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة بما يكفي لجعل الاقتصاد حساسًا لأي تقلب خارجي، و في المقابل تبلغ مساهمة قطاعات التنويع الاقتصادي مجتمعة نحو 23%، وهي نسبة تعكس تقدمًا، لكنها لا تزال غير كافية لتغيير شكل الاقتصاد أو تخفيف الاعتماد على مصدر واحد.
وعندما ننظر داخل هذه القطاعات تظهر الفجوة بشكل أوضح، حيث تسهم الصناعات التحويلية بنحو 9% من الناتج المحلي، وهي الأعلى بين قطاعات التنويع، لكنها لم تتحول بعد إلى قاطرة حقيقية للنمو والتشغيل، وقطاع النقل والخدمات اللوجستية يقترب من 6%، مستفيدًا من استثمارات ضخمة في البنية الأساسية، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النشاط المرتبط بالإنفاق العام، ومن ثم الزراعة والثروة السمكية تسهم بنحو 2.5 إلى 3% فقط، رغم أهميتها للأمن الغذائي. بينما السياحة وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن دورها، لا تتجاوز مساهمتها 2% تقريبًا، أما التعدين، فرغم الإمكانات الكبيرة، فلا تزال مساهمته نحو0.6% فقط.
هذه الأرقام لا تعني أن التنويع فشل، لكنها تقول شيئًا مهمًا:مفاده " التنويع حدث، لكن وزنه الاقتصادي ما زال خفيفًا". حيث تمتلك سلطنة عمان بلاشك تنوع في القطاعات ، لكنها لم تصل بعد إلى الحجم الذي يجعلها قادرة على امتصاص الصدمات أو قيادة سوق العمل أي أن هناك تنوع في الأنشطة،و لكن هذا التنوع غائب في القدرة الاقتصادية.
إن جميع ما سبق يصل بنا إلى تحدي هام وهو القطاع الخاص فالحكومة والمجتمع كما هو متعارف عليه قد تتقدم في السن، وستحتاج لأبنها "القطاع الخاص" رغم سلبياته المتمثلة في الإنتاجية المحدودة لبعض الأنشطة، وتركّزه في قطاعات منخفضة القيمة المضافة، والتردد الذي يشوبه في الاستثمار طويل الأجل، لكنها تحديات قد تزول إذا ما تم تزويده بالأدوات الممكنة والتي تساهم في إنضاجه.
فلا يمكن لنا أن نطالب القطاع الخاص بأن يكون ركيزة المرونة الاقتصادية، بينما يظل محصورًا في أنشطة هامشية، أو يواجه صعوبات تمويلية، أو يعمل في بيئة تنظيمية غير مستقرة ولا يمكن في الوقت نفسه أن نستمر في الاعتماد على الدولة كمحرّك رئيس للنمو والتشغيل، ثم نتفاجأ بأن الاقتصاد لا يتحمل الصدمات، وهذا الخلل ينعكس مباشرة على سوق العمل من خلال ضعف جودة الوظائف في القطاع الخاص، وتردد الشباب في الالتحاق به، وهي ليست مشكلة ثقافة أو توقعات فقط بل نتيجة منطقية لبنية اقتصادية لا تزال عاجزة عن توليد وظائف منتجة ومستقرة وبرأيي معالجة هذه الإشكالية بإجراءات جزئية أو دعم مؤقت قد تخفف الألم، لكنها لا تعالج السبب.
أخيرًا، أرى شخصيًا أنه من الصعب تحقيق المفهوم الأدق للمرونة الاقتصادية في سلطنة عُمان بإدارة الاستقرار فقط، ولا من خلال القيام بتحسينات تدريجية تحافظ على الوضع القائم، ما نحتاجه فعلا هو قرارات أكثر صراحة، تعترف بأن بعض المسارات لم تعد كافية، وأن رفع مساهمة قطاعات التنويع في الناتج المحلي وبناء قطاع خاص منتج وقادر على التصدير لم يعد خيارًا بل شرطًا للاستمرار، فالعالم اليوم لا يكافئ الاقتصادات الأكثر كفاءة فقط، بل يكافئ الاقتصادات الأكثر استعدادًا، والمرونة الاقتصادية لا تُبنى بالشعارات بل بالأرقام وبحجم القطاعات وبقدرة القطاع الخاص على الوقوف على قدميه. وإذا لم نبدأ ببناء هذا الابن اليوم، فلن يكون قادرًا على حمل الاقتصاد غدًا، مهما كانت النوايا حسنة.