يسأل الشاعر نفسه أحيانا هذا السؤال، (لمن أكتب قصيدتي)؟ هل نكتب لنعبر عن ذواتنا، ومعاناتنا، وننفّس عن ألمنا، أم نكتب لإيصال رسائل للآخرين، أم نكتب من أجل الجمهور الحاضر، أم لا نكتب لأحد؟ فالكتابة دائما تعبير عن الذات، ولكن أي ذات نعني؟ هل هي الأنا الفردية، أم الذات الجمعية؟ أم أن السؤال في حد ذاته مجرد (ترف فكري) لا حاجة لنا به، ولا يضير القصيدة في شيء؛ فنحن نكتب لنوصل صوتنا دون أن نفقد أنفسنا وسط هالة الإعجاب والتصفيق، ودون أن نسقط وسط وحل الاستهلاك المجاني الرخيص.
وقد يكتب الشاعر وفي ذهنه شريحة معينة من الجمهور، وبذلك فهو يبحث عن مفردة بسيطة، وسريعة التأثير، وسهلة التلقي، ولا يكلّف نفسه عناء البحث عن مفردة مكتنزة الدلالات، فهو يوجه قصيدته نحو جمهور المسرح، ويبحث عن التصفيق، والإعجاب بينما يكتب شاعر آخر قصيدته ونصب عينيه جمهور مثقف نخبوي، وهو في هذه الحالة يحرص على البحث عن مفردة مثقفة، وعميقة الدلالة، ليؤثر على ذائقة صعبة التلقي، والتقبّل، ويختار نصوصا ذهنية، أكثر من كونها مشاعر وجدانية، عفوية، وذلك يعني اشتغالا عاليا، ومعقدا، ومتكلفا أحيانا.
وبين هؤلاء، وهؤلاء يكتب شعراء آخرون ما يرون أنه يعبر عن اللحظة، ويلخص المشهد النفسي دون نظر إلى جمهور أو متلقٍ معين؛ فهو يكتب لذاته، يلخص تجربته، ويسلك الطريق الأكثر وصولا إلى القلب؛ فهو لا يتقعر في البحث عن المفردة، ولا يرمي الكلمات كي يتلقى التصفيق، ولكنه يكتب ذاته الخاصة، ويرسم واقعه بعفوية، ودون تكلّف، ويعيش التجربة دون أن يقع تحت وطأة التأثير على الآخرين، ودون أن يهبط إلى مستوى لا يليق به كي يتلقى الإعجاب.
إن الكتابة غاية، وهذه الغاية إما أن تكون مقصودة، ومخطط لها، وهنا تفقد عفويتها، وتلقائيتها، وصدقها، وإما أن تكون غاية ذاتية تنبع من رحم المعاناة، وتعبر عن ذات الشاعر، وتصاحبه في أزمته دون أن تفقد حرارتها، وصدقيتها، وفي ذلك يبقى الشاعر أكثر حميمية، وأمانة في نقل مشاعره الخاصة دون أن يقع تحت وطأة أي مؤثر خارجي.
ولذلك تبقى القصيدة -في كل أحوالها- مراوغة، ومتلونة، ومطيعة لشاعرها، تطوّع نفسها للهدف الذي يحتاجه، وتسير معه إلى الغاية التي يريدها، ولكن يبقى السؤال الأهم (لمن نكتب دون أن نفقد أرواحنا، وإحساسنا، وذواتنا؟!!)، وهنا يقع الفرق.