لا يحتاج السودان إلى مزيد من الخطب والبيانات، يحتاج إلى خطوة واحدة ولكن واضحة وحاسمة؛ وقف تدفق السلاح الذي يجعل الحرب ممكنة، يوما بعد يوم. ينهار السودان منذ أن بدأت هذه الحرب الظالمة أمام أعين العالم ثم يُعاد تصنيف هذا الانهيار باعتباره «تعقيدا» يصعب التدخل فيه. لكن هناك نقطة تدخل معروفة، من دون سلاح جديد، تقل القدرة على التوسع، ويضيق هامش ارتكاب الفظائع، وتزداد كلفة الاستمرار في القتال.
ما يجري في السودان ليس صراعا معزولا داخل حدوده، إنه حرب لها رئة خارجية تغذيها كل يوم؛ لذلك من غير المفهوم أن نتحدث عن عجز المجتمع الدولي في وقت نرى فيه أسلحة حديثة تدخل السودان كل يوم، وتتغير تبعا لهذا السلاح طبيعة الحرب ومستواها. وأمر دخول الأسلحة إلى السودان لم تعد غائبة عن أحد؛ لذا فإن المشكلة الأساسية ليست في غياب المعلومات والبيانات الواردة من السودان، المشكلة تكمن في ضعف الإرادة على تحويلها إلى إجراءات. وكل يوم يتأخر فيه ذلك، يتحول المدنيون إلى هدف سهل، ويتحول النزوح إلى نمط حياة، وتصبح المخيمات نفسها ساحة تهديد وتصفية.
أما الأرقام المخيفة التي تعلنها المنظمات الدولية عن الوضع في السودان فلا تهدف إلى التأثير العاطفي بقدر ما تهدف إلى كشف مستوى الفشل السياسي العالمي هناك. فارتفاع الجوع وسوء التغذية، واتساع النزوح الداخلي واللجوء عبر الحدود، وتراجع الوصول الإنساني تحت ضغط العنف والقيود، كلها مؤشرات تكشف عن حجم الفشل والتواطؤ أحيانا مع تجار السلاح والسياسة.
سيقال إن حظر السلاح لا يوقف التهريب. هذا صحيح، لكن الحظر يمكن أن يعمل عندما يُعامل كمنظومة إنفاذ تمتلك أدوات المنع ومراقبة التهريب. وهذه الأدوات موجودة ويمكن عبرها استهداف شبكات الوساطة والنقل وشركات الواجهة، وتشديد الرقابة على إعادة التصدير وشهادات المستخدم النهائي، وتتبع الأدلة المفتوحة المصدر بصورة مؤسسية، والتعاون الإقليمي الفعلي عند نقاط العبور والمطارات، ثم ما هو أبسط من ذلك: إعلان كلفة واضحة على أي طرف يثبت تورطه في الإمداد، بدل الاكتفاء بمناشدات عامة لا تغيّر شيئًا.
إن جوهر المشكلة التي تحدث في السودان اليوم هي أن العالم يمول جهود الإغاثة، لكنه يترك مصادر إضرام الحرب مستمرة في تمويل الحرب.. يدين الانتهاكات لكنه يفشل في قطع الطريق الذي يسهّل ارتكابها. يرسل مبعوثين، ثم يترك فكرة «الحسم العسكري» مفتوحة أمام أطراف ترى في السلاح وعدا لا ينتهي. والحرب بهذا الشكل تتجاوز فكرة المأساة لتصبح صفقة قابلة للاستمرار والضحية الشعب السوداني الذي ذاق الأمرين.. والسودان الذي ما زال يتمزق منذ سنوات طويلة.
الأولوية الآن إن كان العالم جادا في وقف مأساة السودان ونزيف الدماء فيه أن يعمل المجتمع الدولي بشكل جماعي أو حتى عبر تحرك المجموعة العربية لإغلاق طريق السلاح حماية للسودان وللمنطقة بأكملها. وعندما ينقطع الإمداد العسكري عن قوات الدعم السريع ستتغير حسابات القتال، وعندما تتغير الحسابات ستكون التسوية أسهل وأقرب إلى المنطق.
لكن لا يمكن للعالم أن يتعامل مع السودان باعتباره مأساة بعيدة، ثم يتفاجأ بارتداداتها وبأثمانها الإنسانية. السلاح الذي يطيل الحرب يصنع نزوحا يضغط على دول الجوار، والانهيار يفتح أبواب اقتصاد حرب عابر للحدود. ووقف تدفق السلاح ليس حلا كاملا؛ لكنه على الأقل الحد الأدنى من المسؤولية، والشرط الأول لإيقاف الجرائم من التحول إلى روتين يومي.