ترجمة: أحمد شافعي
يسري الرعب في أوصال حكومات أوروبا من تهديدات دونالد ترامب للتجارة ولجرينلاند ولمستقبل الناتو. لكن التهديد الأكبر لا يتمثل في أن يغزو ترامب حليفا أو يترك أوروبا تحت رحمة روسيا، وإنما في حركته الأيديولوجية التي قد تغير أوروبا من داخلها.
بعد سنة من رجوع ترامب إلى البيت الأبيض، تشع «ثورته الأمريكية الثانية» إلى الخارج فتصل إلى أوروبا. وتكشف ملفات إبستين كيف بدأ هذا بداية خرقاء في عام 2018 مع ستيف بانون، ثم بات شراكة أشد تعقيدا مع مجيء ترامب الثاني وصعود جيه دي فانس إلى السلطة.
فقد دعت استراتيجية الأمن الوطني التي نشرها البيت الأبيض في نوفمبر إلى تقوية النفوذ المتزايد للأحزاب الأوروبية «الوطنية» من قبيل حزب الإصلاح في المملكة المتحدة وحزب البديل من أجل ألمانيا وحزب التجمع الوطني برئاسة ماري لو بان وحزب فيدس في المجر، وحزب فوكس في إسبانيا.
وشأن الحركات الشيوعية في زمن الحرب الباردة، لا يمكننا فهم هذه الأحزاب القومية الشعبوية، بل اليمينية المتطرفة في بعض الأحيان، أفضل الفهم إلا بوصفها تعبيرات عن مشروع فكري مشترك، وليس بوصفها ظواهر قومية معزولة؛ فهي حركة باتت تحظى الآن -بدرجات متفاوتة- بدعم من قوى أجنبية.
وغالبا ما يجري تصوير هذه الحركة باعتبارها متخلفة أو رجعية، عازمة على استعادة ماض خيالي، بينما تكمن قوتها في واقع الأمر في كونها معاصرة جذريا، وشديدة التناغم مع الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية في القرن الحادي والعشرين.
ولقد قضيت الشهور الثمانية عشرة الماضية في محاولة لأن أفهم هذه الحركة، وأتحدث مع الجميع من المثقفين المجريين ذوي النظارات إلى السياسيين الشباب حليقي اللحى في حزب التجمع الوطني في فرنسا، ومن أساتذة الفلسفة السياسية اليهود الأرثوذكس إلى أنصار حركة ماجا في الولايات المتحدة.
وبناء على هذا البحث، بت على قناعة بأن هذه الحركة أبعد ما تكون عن الوقوع في أسر الماضي، فهي حركة فائقة الحداثة يمتلك حملة راياتها تحليلات لإخفاقات الديمقراطية الليبرالية ولديهم مسار واضح للوصول إلى السلطة، ومن هنا يصح تصنيفها بـ«اليمين الجديد».
ويرتكز في صلب فهم هذه الحركة لذاتها زعم بأن الليبرالية قد فشلت، ومعها النظام العلمي القائم بقوة على تبادل دول العالم الاعتماد بعضها على بعض، أي النظام الذي حظي بالترويج في ما بعد الحرب الباردة.
ووفقا لروايتهم، شهد المواطنون ثقافاتهم واقتصاداتهم الوطنية تبلى تحت وطأة سلسلة صدمات ناجمة عن فرض الليبرالية liberalization من قبيل الأزمة المالية العالمية سنة 2008 وأزمة منطقة اليورو بعد سنتين من ذلك، وأزمة اللاجئين سنة 2015 ووباء كوفيد سنة 2020 والصعود الحاد في تكاليف المعيشة بعد غزو روسيا لأوكرانيا سنة 2022.
وتذهب الحركة إلى أن كل أزمة كانت تفضح قصور الحكم الليبرالي، وتثقل كاهل الدولة، وتثير الشكوك حول المصالح الحقيقية التي تخدمها الحكومات. إذ توضح الحركة أن الحكومات كانت تنقذ البنوك لكنها تقلص أجور الرفاه وتسمح بمصادرة بيوت الناس. ودفعت الشعوب الثمن التراكمي لهذه الأزمات بفقدان الناس لوظائفها أو بتدهور الخدمات أو بارتفاع الفواتير، بينما كانت النخب محمية من العواقب.
ومن أوضح أنصار هذه الرؤية بينيدكت كايزر الذي تم اتهامه ذات مرة بالانتماء إلى دوائر النازيين الجدد والذي تبنى السياسات الانتخابية وبات من أهم الأصوات في النطاق الفكري لحزب البديل من أجل ألمانيا.
لقد قال لي كايرز إن جماع هذه الأزمات قد استنزف شرعية النظام الليبرالي في ما بعد الحرب والأحزاب الأساسية وأحدث فرجة جوهرية لسيطرة المتمردين السياسيين على الأجندة السياسية.
في أعقاب هذه الأزمات، شرعت الحركة في إقامة تحالف انتخابي جديد، يروق أول ما يروق للناخبين المنتمين إلى الطبقة العاملة ممن شعروا بالتهميش وعانوا من تراجع نسبي في الدخول والأمن والوضع الاجتماعي.
وانتهت هذه الجاذبية إلى أجندة سياسية واضحة تشمل الهجرة والتجارة والسياسة الخارجية وإصلاح الدولة، مجتمعة كلها حول الوعد باستعادة هوية وطنية مشتركة؛ فباتت الحدود وسيلة لتمييز أبناء الأمة «الحقيقيين» من الغرباء.
وأعيد تصوير الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لإعادة بناء الإنتاج المحلي وإعلاء كرامة العمل، واختزلت السياسة الخارجية في المصلحة الوطنية الضيقة، وانهزمت المقاومة المؤسسية بمهاجمة «الدولة العميقة» والتشكيك في سمعة الخبراء بحسبانهم حرسا للنظام الليبرالي المعيب.
يقوم أيضا نجاح اليمين الجديد على براعته في التعامل مع البيئة الإعلامية المتشرذمة، واستعماله فضاء المعلومات الخوارزمي. ففي ظل انقسام الفضاء العام إلى ثقافات فرعية على الإنترنت، تعلم هذا الفضاء أن يتجاوز الصحافة التقليدية والمنصات الرقمية المهيمنة. وبدعمه تفسيرا متساهلا لـ«حرية التعبير»، صاغ تحالفات مع أساطين التكنولوجيا من أمثال إيلون ماسك فأغرق فضاء الإنترنت بسردياته وشعاراته.
وبتسلحه في أكثر الأحيان بـ«المعلومات البديلة» والميمات الحادة، بات اليمين الجديد يسيطر الآن على اقتصاد جذب الانتباه.
ولقد حاورت الكاتب الأمريكي المحافظ رود درير فاستشهد بقضية إيزابل فون سبروس، وهي الناشطة المسيحية التي تعرضت مرتين للاعتقال في بريمنجهم لأدائها الصلاة أمام عيادة للإجهاض لتبين أن اليمين الأساسي واليمين الرقمي يعيشان في واقعين مختلفين تمام الاختلاف.
وبرغم أن فون سبروس أصبحت شخصية آسرة في فضاء اليمين الجديد المعلواتي، فإن أغلب قراء صحيفة ذي جارديان لا يسمعون بها.
ولعل أشد مناوراتهم فعالية هي أنهم أرغموا أحزاب اليمين الأساسية على موقف لا يمكن أن يحققوا فيه انتصارا، إذ أظهروهم بمظهر المدافعين عن النخب لا عن العمال وعن الاستمرارية لا عن التغيير. ولوقت طويل للغاية، هونت الأحزاب الراسخة من حجم التهديد.
ولما استجابت له، كانت في غالب الحالات تلجأ إلى محاكاة خطاب اليمين الجديد الخلافي، وبخاصة في ما يتعلق بالهجرة. غير أن المحاكاة كانت في الغالب تحقق أثرا عكسيا بتقوية الخصوم بدلا من تحييدهم.
وإذن فلا بد لأي استجابة فعالة أن تبدأ بالاعتراف بقوة نقد اليمين الجديد لليبرالية. ولا بد أن يكون هذا مشفوعا بمشروع سياسي يتناول مخاوف الطبقة العاملة ويستعمل أساليب الاشتباك الجديدة، وهذا نهج تكلل بالنجاح في الدنمارك وهولندا، وكذلك في ولايتي كنتاكي ونيويورك الأمريكيتين.
ولعل أوضح الدروس هو الذي يمكن استخلاصه من شخصيات من قبيل مارك كارني وأنطوني ألبنايز اللذين أدركا أن ارتباط الشعبويين في بلديهما بثورة ترامب قد يكون عبئا عليهم.
إذ تشير استطلاعات الرأي التي أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن الترامبية قد تتبع مسارا مماثلا: ففي البلد تلو الآخر، ثمة الآن أغلبيات واضحة ترى في إعادة انتخاب ترامب ضررا.
فلو استفاقت قوى الوسط إلى التهديد الدولي الذي تمثله الثورة الأمريكية الثانية واحتشدت حول استراتيجية تجعل من نقاط قوة اليمين الجديد نقاطا للضعف، فستبقى فرصة سانحة لأن يعيد الوسط السياسي اختراع نفسه بحيث يكون هو المدافع الحقيقي عن السيادة الوطنية، ويستعمل الروابط القائمة بين أحزاب اليمين الجديد وترامب في الانتصار عليها.
مارك ليونارد كاتب تقرير «اليمين الجديد: تشريح ثورة سياسية عالمية» وهو مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومقره برلين.
الترجمة عن ذي جارديان