(1)
أثناء بحثي عن الأصول التاريخية لشخصية "جحا" التراثية الشهيرة؛ لفتني بشدة وجود أكثر من نسخة لجحا عربيا وتركيا وفارسيا بل وحتى نوبيا! وقد أدركت أنه لا يخلو تاريخ أي أمة أو أي شعب من الشعوب من نظير أو معادل فني لشخصية "جحا"؛ بمعنى شخصية تؤدي الدور الذي عُرفت به والوظائف الفنية والاجتماعية والثقافية التي ارتبطت بها. ففي كل أمة ثمة من يمارس وظيفة سردية تستهدف مخاطبة الروح، وتشيع في النفس السخرية والمفارقة وإبراز الأضداد تنفيسا عما لحق بها من أحداث تراجيدية والآم وكروب، بل قد يرى بعض الباحثين والمتخصصين أن ظهور هذا النوع الأدبي الحكائي يأتي كرد فعل لازم أو حتمي للواقع المضطرب أو المتوتر أو المرتبك في لحظات تاريخية بعينها..
وقد كان ذلك كله مفاجأة كبرى بالنسبة لي؛ ذلك أن أغلب من سمعوا بجحا أو نوادره وطرائفه قد ترسخ في أذهانهم منذ الصغر أن جحا هذا شخصية فكاهية شعبية ذو سمت هزلي وله مواقف وطرائف ونوادر ودعابات أصبحت مضرب الأمثال وذاعت شهرتها وطبقت الآفاق في كل مصر وعصر.
وبرغم الحضور الهائل لهذه الشخصية فإنها لم تسترع الانتباه البحثي والتأمل التحليلي إلا منذ عقود قليلة للغاية؛ فطوال القرن العشرين بأكمله لم يتوفر على دراسة هذه الشخصية وجمع نوادرها سوى ثلاثة فقط من أعلام الثقافة العربية؛ أولهم المحقق التراثي الرصين عبد الستار فراج الذي كان أول من توفر على دراسة وتحقيق تاريخ هذه الشخصية المثيرة وجمع نوادرها وذلك في كتاب (أخبار جحا ونوادره) وهو أول من تنبه إلى المأثور الجُحوي في كتب التراث، فجمعه وحققه، ونشره مقدمًا بذلك خدمة كبرى من خدماته الجليلة للغتنا الجميلة في مجال نشر التراث وتحقيقه، على نحو ما هو معروف..
أما الثاني فهو الكاتب الأشهر عباس محمود العقاد في رسالته الموجزة الطريفة «جحا الضاحك المضحك» وقد صدرت في منتصف القرن تقريبا. أما ثالث هؤلاء، وأهمهم على الإطلاق من وجهة نظري؛ فهو الرائد الفولكلوري الكبير وصاحب الدراسات المرجعية المعتبرة في التراث الشعبي والأدب الشعبي المرحوم الدكتور محمد رجب النجار والذي ترك لنا مؤلفه العمدة بالغ الأهمية والقيمة «جحا العربي» الذي صدر للمرة الأولى عن عام 1978، وهو محل حديثنا اليوم في (مرفأ قراءة)..
(2)
ربما كان هذا الكتاب أهم دراسة كُتبت بالعربية عن شخصية "جحا" التراثية الشعبية، بقلم الرائد الفولكلوري الجليل الراحل الدكتور محمد رجب النجار، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1978 عن سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية، ثم صدرت طبعة أخرى منه في تسعينيات القرن الماضي عن سلسلة "آفاق شعبية" عن قصور الثقافة المصرية، وقبل سنوات قليلة أعاد معهد الشارقة للتراث ضمن مجموعة منشوراته المصاحبة لفعاليات ملتقى الراوي التراثي إصداره في طبعة جديدة ممتازة.
عالج كتاب «جحا العربي» (يقع في 386 صفحة من القطع المتوسط في طبعته الجديدة) شخصية "جحا" بين التاريخ والتوثيق والترميز والتخييل الفني، ومأثورها الشعبي من ثلاث زوايا؛ الأولى "التاريخية" وكيف تطورت شخصية جحا من واقع تاريخي إلى رمز فني واعتمد فيها المؤلف بشكل كبير على مجهود المحقق التراثي الراحل الأستاذ عبد الستار فراج في كتابه «أخبار جحا» (1954)، وتحقيقه لكتاب "نوادر جحا" أيضًا.
والثانية "الناحية الموضوعية" وهي تُعنى بدراسة موضوع فلسفة نموذج جحا في ضوء نوادره، وتتمثل هذه المعالجة، في تصنيف النوادر الجحوية تصنيفا موضوعيا، وتناولها بالتحليل وبيان وظائفها الحيوية وعناصرها المحورية في ضوء الفلسفة الجحوية العامة.
والثالثة والأخيرة "الناحية الفنية"، وهي التي يقول عنها المؤلف بنصه: "وأظن أنني عالجت فيها -لأول مرة- الشكل الفني للنادرة الجحوية، وما تتسم به من سمات وملامح فنية، ووضعها في مكانها الصحيح من فنون التعبير الأدبي، وبخاصة "الحكاية الشعبية المرحة" إلى جانب بعض أشكال الإبداع الشعبي الأخرى (كالمثل، واللغز، والحكمة) وعلاقتها جميعها بالأسلوب الجحوي في التعبير، وخصائصه الموضوعية والنفسية".
(3)
يؤكد الدكتور النجار -في صدارة كتابه- أنه ليس هناك شخصية تراثية فكاهية اتفق الجميع عليها منذ أزمنة بعيدة وحتى وقتنا الحاضر سوى شخصية "جحا" من حيث الفكاهة والتندر والسخرية وقصص الخداع والتحايل الظريف، ويلفت إلى أن تلك الشخصية قد نالت على مر السنين اهتمامًا في مختلف الثقافات، وإن كان حضورها العربي عموما وفي التراث العربي بالأخص راسخا ومتجذرا وعميقا،
ولكن وفي الوقت نفسه، فإنه في ضوء غلبة الرمز الفني للنموذج الجحوي في الأدب العربي، غاب عن بال الكثير من الدارسين أن "جحا العربي" شخصية حقيقية ذات واقع تاريخي، وأن نسبه ينتهي به إلى قبيلة فزارة العربية الشهيرة؛ إذ ولد "جحا" في العقد السادس من القرن الأول الهجري، وقضى الشطر الأكبر من حياته في الكوفة.. وبذلك تخبرنا كتب التراث العربي الشهيرة، وبخاصة كتب الأدب والأخبار والتراجم والسير والطبقات، وقد أشارت إلى اسمه، وما يشتهر به من نوادر وحكايات، هو صاحبها..
وعلى الرغم، من اضطراب أخباره أحيانا في تلك المصادر إلا أنها تُجمع في النهاية على وجوده «التاريخي» بسمته وملامحه المعروفة بيننا. وفي ضوء تلك الأخبار وما نسب إليه من نوادر وأقوال يقدم الدكتور النجار جهده المرجعي الكبير في الجمع بين هذه الأخبار والنوادر والمأثورات في نسيج واحد يكشف عن حقيقة تلك الشخصية، ونصيبها من الواقع التاريخي والفني معا.
(4)
ومن الغريب أنه لم يُلتفت أيضا إلى الجانب الشعبي أو الفولكلوري من جحا قبل أن يسلط عليه الدكتور النجار الضوء في عمله الكبير هذا؛ يقول الدكتور النجار:
"وعنايتنا بالواقع التاريخي لجحا، أو بالأحرى للنموذج الجحوي قد لا تجد من يؤيدها من دارسي الفولكلور، الذين يحتفون عادة بالرمز الفني ودلالاته ووظائفه الحيوية أكثر من احتفائهم بالواقع التاريخي للشخصية، ما دامت قد تحولت إلى نموذج فني، ورمز قومي، يحمل في أعطافه جانبًا من جوانب التعبير عن الجماعة، وقد اتخذ أسلوبا مميزا في الإبداع الأدبي الشعبي هو أسلوب الحكاية المرحة التي عرفت في كتب التراث باسم «النوادر»".
وإن كان ذلك لا ينفي عناية الدكتور النجار بالواقع "التاريخي" وبالتأصيل "التوثيقي" المرجعي الدقيق لتلك الشخصية، مبررا ذلك بأنه جاء لأكثر من سبب، فالوقوف عند تاريخ هذه الشخصية -ما دامت حقيقية-يشكل حلقة من حلقات تطورها إلى نموذج فني قومي، ويحسم في الوقت نفسه، ذلك الخلق أو الاضطراب الذي يلحق بالنموذج الجحوي وأصالته في تراثنا العربي عامة، ومأثوراتنا الشعبية خاصة، وما يترتب على ذلك من نتائج تساعد في تحليل البواعث التي أدت إلى نمو هذه الشخصية وتطورها إلى رمز فني، يقول الدكتور النجار "ولسوف نرى عند التناول التاريخي بعض الحقائق الأدبية والفنية التي اقترنت بهذا النموذج، وصارت معلما مشتركا بين النموذج العربي وبين النماذج الجحوية اللاحقة؛ وبخاصة النموذجين التركي والمصري".
لقد كان هذا الجهد وهذا التناول للدكتور النجار ممهدا الطريق إلى إمكانية تتبع النوادر المنسوبة إلى النموذج الجحوي بعامة، ودراستها ومعرفة أصولها، ومن ثم مقارنتها، والوقوف على مدى ما أصابها من حذف أو تغيير أو إضافة في ضوء المزاج القومي الذي أبدعها ورددها تراثا شفهيا أو مدونا لأجيال متعاقبة وقرون متطاولة.
(وللحديث بقية)..

**media[3286076]**