يواصل قطاع الثروة السمكية في سلطنة عُمان تعزيز مكانته كأحد القطاعات الإنتاجية الداعمة للتنويع الاقتصادي والأمن الغذائي، وقد سجل القطاع نموا في الإنتاج والقيمة والصادرات خلال الأعوام الماضية، إلى جانب تطور ملحوظ في الاستزراع السمكي، ما يعكس فاعلية سياسات الاستدامة وتنظيم الصيد وتعظيم القيمة المضافة.
وفي هذا الحوار يستعرض الدكتور عبدالعزيز بن سعيد المرزوقي مدير عام تنمية الموارد السمكية رؤية الوزارة لواقع القطاع، وأبرز مرتكزات الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة السمكية، وجهود تنظيم الصيد، وتحقيق التوازن بين حماية المخزون السمكي ودعم الصيادين، إضافة إلى مسارات الاستثمار والتصنيع والتحول الرقمي في القطاع.
كيف تنظر الوزارة إلى واقع الثروة السمكية في سلطنة عُمان اليوم، في ظل المتغيرات البيئية والاقتصادية؟
تنظر الوزارة إلى واقع الثروة السمكية في سلطنة عُمان اليوم بوصفه قطاعا وطنيا استراتيجيا يشهد نموا متواصلا وتطورا على مستوى الإنتاج، والقيمة الاقتصادية، والصادرات، مدعوما بإدارة تنظيمية متدرجة ونهج قائم على الاستدامة وتعظيم القيمة المضافة.
فوفق الإحصاءات المعتمدة لعام 2024، بلغ إجمالي الإنتاج السمكي في سلطنة عُمان نحو 900 ألف طن، مسجلا ارتفاعا مقارنة بعام 2023، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية للإنتاج 580 مليون ريال عماني، مع نمو في القيمة الاقتصادية انعكس إيجابا على مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وعلى صعيد الصادرات السمكية، سجلت السلطنة خلال عام 2024 نحو 333 ألف طن من المنتجات السمكية المصدّرة، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 261 مليون ريال عُماني، محققة نموًا في الكمية بنحو 3%، ونموا في القيمة بنحو 38% مقارنة بعام 2023، وهو ما يعكس تحسن جودة المنتج السمكي العُماني، وتوسع حضوره في الأسواق الإقليمية والدولية، وتعاظم القيمة المضافة للصادرات السمكية.
كما شكلت الصادرات السمكية ما يقارب 37% من إجمالي الإنتاج السمكي للسلطنة خلال عام 2024، وهو مؤشر يعكس قدرة القطاع على تلبية متطلبات الأسواق الخارجية، وفاعلية منظومات التنظيم والجودة وسلامة الغذاء.
وفي موازاة ذلك، يبرز قطاع الاستزراع السمكي كرافد داعم للنمو، حيث سجل إنتاجه في عام 2024 نحو 5507 أطنان بقيمة اقتصادية بلغت 12.4 مليون ريال عماني، قبل أن يحقق في عام 2025 قفزة نوعية بوصول الإنتاج إلى 7.868.2 طن حتى نهاية نوفمبر، وبقيمة اقتصادية بلغت 17.9 مليون ريال عُماني، مسجلا نموا بنحو 43% في الإنتاج و44% في القيمة، إلى جانب نمو صادرات الاستزراع السمكي بـ19%.
وتؤكد الوزارة أن هذا الأداء الإيجابي يعكس تكامل سياسات تنظيم الصيد، والتوسع في الاستزراع السمكي، وربط الإنتاج بالقيمة المضافة والتصنيع، وتحسين منظومات التسويق والتصدير، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ودعم الميزان التجاري، ورفع مساهمة القطاع السمكي ضمن مستهدفات التنويع الاقتصادي.
ما أبرز مرتكزات الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة السمكية وتنظيم قطاع الصيد؟
ترتكز الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة السمكية وتنظيم قطاع الصيد في سلطنة عُمان على رؤية شمولية ومتوازنة تهدف إلى حماية الموارد البحرية، وتعظيم العائد الاقتصادي منها، وضمان استمراريتها للأجيال القادمة، مع مراعاة البعد الاجتماعي ودعم المجتمعات الساحلية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على عدد من المرتكزات الرئيسة، كالإدارة المستدامة المبنية على العلم والبيانات وتنظيم جهد الصيد وحماية المخزون السمكي والحوكمة وتعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي والتحول الرقمي والتقني في إدارة القطاع وربط الصيد بالقيمة المضافة والتصنيع والشراكة مع الصيادين والمجتمع المحلي، إضافة إلى جذب الاستثمار المسؤول وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
حيث تسعى الاستراتيجية الوطنية إلى إدارة الثروة السمكية بوصفها موردا متجددا ذا قيمة اقتصادية عالية، وتحقيق التوازن بين حماية البيئة البحرية، ودعم الصيادين، وتعزيز دور القطاع السمكي كأحد محركات النمو في الاقتصاد الوطني، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040".
-كيف تنعكس الرؤية الاستراتيجية للوزارة على تطوير قطاع الثروة السمكية وتعزيز استدامته؟
تركز الرؤية الاستراتيجية على إعادة هيكلة القطاع السمكي بصورة متكاملة، بحيث لا يقتصر دوره على إنتاج الأسماك فقط، بل يمتد ليشمل سلاسل القيمة المضافة، والتصنيع، والتسويق، والخدمات اللوجستية، بما يعزز مساهمته في التنويع الاقتصادي ويرفع كفاءته واستدامته.
وتنظر الرؤية الاستراتيجية إلى القطاع السمكي بوصفه مجالا واعدا للاستثمار المستدام، من خلال توفير بيئة تنظيمية واضحة، وربط الاستثمار بالاستدامة والقيمة المضافة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص محليا ودوليا.
ما أهم التشريعات والإجراءات التنظيمية التي تم تطبيقها مؤخرًا لضبط وتنظيم نشاط الصيد البحري؟
عملت الوزارة خلال السنوات الأخيرة على تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي لقطاع الصيد البحري، بما يواكب تطور القطاع وحجمه، ويعزز الاستدامة، ويرفع كفاءة التنظيم، ويحقق التوازن بين حماية الموارد البحرية واستمرارية النشاط الاقتصادي للصيادين والمستثمرين.
ويأتي في مقدمة هذا الإطار قانون الثروة المائية الحية وما تفرع عنه من لوائح وقرارات تنفيذية، والذي يعد المرجعية الأساسية لتنظيم أنشطة الصيد، وحماية المخزون السمكي، وضبط الممارسات البحرية، مع العمل المستمر على تحديث آليات التطبيق بما يتلاءم مع المتغيرات البيئية والتقنية.
ومن أبرز الإجراءات التنظيمية التي تم تطبيقها، تنظيم مواسم الصيد وحظر صيد بعض الأنواع، وتنظيم أدوات الصيد والمواصفات الفنية وتطوير أنظمة التراخيص وتنظيم فئات الصيد وتعزيز الرقابة والامتثال وربط التنظيم بالقيمة المضافة والاستدامة، إضافة إلى تعزيز التنسيق المؤسسي.
كيف توازنون بين حماية المخزون السمكي وضمان استمرارية دخل الصيادين؟
تنطلق الوزارة في موازنتها بين حماية المخزون السمكي وضمان استمرارية دخل الصيادين من قناعة راسخة بأن الاستدامة البيئية والاقتصادية مساران متكاملان غير متعارضين، وأن حماية الموارد البحرية تمثل في جوهرها حماية مباشرة لمصدر رزق الصياد على المدى المتوسط والطويل.
وفي هذا الإطار، تعتمد الوزارة نهجًا علميًا وتدريجيًا يقوم على الإدارة الذكية للمصايد بدلًا من الاعتماد على إجراءات آنية أو غير مدروسة، حيث يتم تنفيذ برامج سنوية منتظمة لمتابعة تطورات المخازن السمكية، وتقييم حالتها، وتحديد مستويات الاستغلال المناسبة لكل مصيد، بما يضمن استدامته واستقرار إنتاجه.
وتُستخدم نتائج هذه البرامج في تنظيم المصايد وتحديث القرارات المرتبطة بها، سواء فيما يتعلق بمواسم الصيد، أو أدوات الصيد المسموح بها، أو تنظيم جهد الصيد، وذلك بصورة مرنة تراعي حالة المخزون وتحقق التوازن بين متطلبات الحماية واستمرارية النشاط الاقتصادي للصيادين.
وفي خطوة استراتيجية مهمة، تعمل الوزارة حاليًا على تنفيذ مشروع مسح الموارد السمكية في بحر عُمان وبحر العرب، وهو مشروع علمي متقدم يُنفّذ باستخدام سفن بحثية متخصصة، وبالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ويهدف هذا المشروع إلى مسح وتقييم المخازن السمكية باستخدام منهجيات علمية حديثة، بما يسهم في تحديد الحالة الفعلية للموارد السمكية، تقدير أحجام المخازن السمكية ذات القيمة الاقتصادية، واقتراح مستويات الاستغلال المستدامة لكل مصيد.
وسيعزز هذا المشروع قدرة الوزارة على تخطيط طويل الأجل لإدارة المصايد، وتحقيق التوسع الآمن في استغلال الموارد البحرية دون الإخلال بتوازنها البيئي، إلى جانب تحديد جهد الصيد المناسب لكل فئة من فئات الأساطيل، سواء الحرفي أو الساحلي أو التجاري.
كما يسهم هذا النهج العلمي في تمكين أساطيل الصيد المختلفة من العمل ضمن بيئة تنظيمية مستقرة وواضحة، ويعزز من التخطيط المستقبلي للاستثمارات في القطاع السمكي، عبر توفير بيانات موثوقة تدعم اتخاذ القرار، وتزيد من ثقة الصيادين والمستثمرين على حد سواء.
ما دور أنظمة التراخيص وتحديد مواسم الصيد في الحد من الاستنزاف الجائر للموارد البحرية؟
ففيما يتعلق بأنظمة التراخيص، تعمل الوزارة على تنظيم نشاط الصيد من خلال تحديد نوع النشاط المصرح به، وفئة الصيد، ونوع أدوات الصيد المستخدمة، ونطاق العمل، بما يضمن ضبط جهد الصيد ومنع التوسع غير المنظم. ويُسهم هذا التنظيم في توزيع جهد الصيد بشكل متوازن، ومنع التركز المفرط على أنواع أو مناطق معينة، وحماية المصايد من الاستغلال الجائر.
أما تحديد مواسم الصيد، فيُعد أداة علمية مهمة تهدف إلى حماية فترات التكاثر والنمو للأنواع السمكية، حيث يتم إقرار مواسم الحظر أو السماح بناء على دراسات علمية ومعطيات ميدانية تراعي الخصائص البيولوجية لكل نوع.
وتتكامل أنظمة التراخيص ومواسم الصيد ضمن منظومة إدارة متكاملة تشمل الرقابة الميدانية والتقنية، واستخدام أنظمة التتبع والمراقبة الإلكترونية، بما يضمن الالتزام بالمناطق والمواسم المصرح بها، ويعزز من فعالية التنظيم والحد من المخالفات قبل وقوعها، وليس فقط التعامل معها بعد حدوثها.
كما تستخدم مخرجات برامج الرصد وتقييم المخازن السمكية في مراجعة وتحديث قرارات التراخيص والمواسم بشكل دوري، بما يجعل المنظومة مرنة وقابلة للتكيّف مع المتغيرات البيئية وحالة المصايد، ويحقق التوازن بين متطلبات الحماية واستمرارية النشاط الاقتصادي.
ما أبرز الجوانب البيئية المرتبطة بالثروة السمكية، وكيف يتم التعامل معها؟
تعمل الوزارة على متابعة التغيرات البيئية المؤثرة على المصايد، مثل التغيرات في درجات حرارة المياه، والتيارات البحرية، وجودة البيئات الساحلية، لما لها من تأثير مباشر على توزيع الأنواع السمكية، ومواسم تواجدها، ومعدلات نموها. ويتم التعامل مع هذه المتغيرات عبر ربطها ببرامج تقييم المخازن السمكية، وتحديث القرارات التنظيمية وفقا لذلك.
وفي هذا السياق، تنفذ الوزارة برامج رصد علمية منتظمة تشمل جمع البيانات البيئية والبيولوجية من مختلف مناطق الصيد، بالتعاون مع المراكز البحثية والجهات المختصة، بما يتيح بناء قاعدة معرفية دقيقة تدعم فهم ديناميكية الموارد البحرية، وتساعد في التكيّف مع المتغيرات البيئية بدل الاكتفاء بردود الفعل.
كيف تسهم برامج المراقبة والرقابة البحرية في الحفاظ على المخزون السمكي؟
تسهم برامج المراقبة والرقابة البحرية بدور محوري في الحفاظ على المخزون السمكي وضمان استدامة المصايد، حيث تمثل الذراع التنفيذية التي تُترجم من خلالها السياسات والتنظيمات إلى واقع عملي في البحر وعلى اليابسة.
وتعتمد الوزارة في هذا الجانب على منظومة رقابية متكاملة تجمع بين الرقابة التقنية والميدانية، بما يضمن المتابعة المستمرة لأنشطة الصيد، والتأكد من الالتزام بالمناطق والمواسم والأدوات المصرح بها، وحماية الموارد البحرية من أي ممارسات غير نظامية.
ففي جانب الرقابة التقنية، تم توظيف أنظمة التتبع والمراقبة الإلكترونية التي تتيح رصد حركة سفن وقوارب الصيد في عرض البحر على مدار الساعة، وربط هذه الأنظمة بغرف رقابة مركزية، بما يساعد على متابعة الالتزام بمناطق الصيد المصرح بها، رصد أي تجاوزات محتملة بشكل فوري، وتوجيه الفرق الميدانية عند الحاجة.
أما الرقابة الميدانية، فتنفذ عبر دوريات بحرية وبرية منظمة، وتفتيش موانئ ومناطق الإنزال، والأسواق السمكية، ومنشآت التداول والتصنيع، بما يضمن سلامة سلسلة الإنتاج السمكي من البحر إلى المستهلك، ويعزز الامتثال للأنظمة واللوائح المعتمدة.
وتتكامل برامج المراقبة مع أنظمة التراخيص ومواسم الصيد، حيث تسهم الرقابة في ضمان التطبيق الفعلي للقرارات التنظيمية، بما يحد من الصيد خلال فترات الحظر، ويحمي الأنواع السمكية في مراحلها الحساسة، ويعزز تجدد المخزون الطبيعي.
كما تلعب الرقابة دورا مهما في جمع البيانات الميدانية المرتبطة بأنشطة الصيد، والتي تُستخدم لاحقا في تقييم حالة المصايد، وتحديث السياسات التنظيمية، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة تعكس الواقع الفعلي للمخزون السمكي.
هل هناك مؤشرات علمية أو دراسات حديثة تؤكد تحسن بعض المصايد نتيجة الإجراءات المتخذة؟
نعم، هناك مؤشرات موثقة تشير إلى أن تنظيم مصايد أسماك الكنعد يمثل نموذجا للإدارة المستدامة المبنية على التنسيق الإقليمي والعلم والبيانات.
فقد حرصت سلطنة عُمان، إدراكا للطبيعة المهاجرة لمخزون أسماك الكنعد وتشابك استغلاله بين عدة دول، على تبني نهج الإدارة المشتركة للمصايد بدلًا من المعالجة الوطنية المنفردة. وفي هذا الإطار، بادرت السلطنة إلى اقتراح برنامج مراقبة مصايد الكنعد، والذي تم اعتماده من قبل اللجنة الدائمة للثروة السمكية بالأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
كما اضطلعت سلطنة عُمان بدور محوري في الجانب العلمي والتقني، من خلال استضافة قاعدة البيانات الإقليمية الخاصة بمصايد الكنعد، وتحليل بيانات جهد الصيد لجميع الدول المشاركة، وتقييم الحالة السنوية للمصايد، واقتراح توصيات تنظيمية مبنية على البيانات تُرفع بشكل دوري للجهات المعنية.
وقد أظهرت نتائج البرنامج تقدما ملموسا في الإدارة المشتركة، لا سيما في توحيد مواسم الحظر، وتحسين مستوى الالتزام بين الدول، ورفع جودة البيانات المتاحة عن المصيد وجهد الصيد، وهو ما يعد أساسا علميا لتحسن حالة المخزون على المدى المتوسط والطويل.
ونتيجة لهذا التقدم، حرصت السلطنة على توسيع نطاق الإدارة المشتركة عبر نقل التجربة إلى مستوى إقليمي أوسع من خلال هيئة مصايد الأسماك (ريكوفي) التي تضم في عضويتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية العراق، ليصبح تنظيم مصايد الكنعد إدارة إقليمية متكاملة تعكس التزام سلطنة عُمان بتطبيق أفضل الممارسات الدولية في إدارة الموارد البحرية المشتركة.
إلى أي مدى أسهمت التقنيات الحديثة وأنظمة التتبع والمراقبة في تنظيم قطاع الصيد؟
أسهمت التقنيات الحديثة وأنظمة التتبع والمراقبة البحرية بشكل جوهري في تنظيم قطاع الصيد وتعزيز كفاءة إدارته، من خلال الانتقال من أساليب الرقابة التقليدية إلى رقابة قائمة على المتابعة الإلكترونية والبيانات الفعلية.
وقد حققت الوزارة تقدما ملحوظا في هذا الجانب، حيث بلغت نسبة سفن الصيد التجاري التي تتم مراقبتها إلكترونيا 100%، كما بلغت نسبة سفن الصيد الساحلي الخاضعة للرقابة الإلكترونية 100%، في حين وصلت نسبة تغطية سفن الصيد الحرفي إلى نحو 90%، وهو ما يعكس توسعا كبيرا في نطاق المراقبة البحرية مقارنة بالسنوات السابقة.
وقد أسهمت هذه الأنظمة في متابعة حركة السفن والقوارب والتأكد من التزامها بالمناطق والأعماق المصرح بها، تعزيز الالتزام بمواسم الصيد وفترات الحظر، خاصة في المصايد الحساسة بيئيا، رفع كفاءة توجيه أعمال الرقابة والتفتيش الميداني من خلال التركيز على المناطق ذات الضغط الأعلى، ودعم السلامة البحرية والاستجابة السريعة للحالات الطارئة.
ما دور التحول الرقمي في تعزيز الشفافية ورفع كفاءة الرقابة على أنشطة الصيد؟
نفذت الوزارة برنامجا مرحليا للتحول الرقمي شمل حصر وتطوير خدمات قطاع الثروة السمكية، حيث بلغ إجمالي عدد الخدمات 83 خدمة، منها 39 خدمة معتمدة، و12 خدمة مدشنة فعليا، و4 خدمات مدمجة، فيما تخضع بقية الخدمات لمراحل المراجعة والتفعيل، ضمن خطة زمنية واضحة تمتد عامي 2025 و2026.
وقد أسهم هذا التحول في تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية وتوحيد مسارات تقديم الخدمات، رفع مستوى الشفافية في التراخيص والتصاريح المرتبطة بأنشطة الصيد، والإنزال، والتسويق، وتسريع إنجاز المعاملات وتحسين جودة البيانات المتاحة للرقابة وصناع القرار.
كما شمل التحول الرقمي تفعيل منظومة متكاملة من الأنظمة المساندة، من أبرزها، نظام تتبع المركبات والسفن (VMS)، نظام إدارة العقود، نظام إدارة اللجان، نظام الزيارات الميدانية، ونظام الاختبار الإلكتروني، وهي أنظمة مترابطة تسهم في تعزيز الرقابة، وتوثيق الإجراءات، ورفع كفاءة العمل الميداني والإداري في آن واحد.
ما أبرز البرامج والمبادرات الموجهة لدعم الصيادين وتحسين أوضاعهم؟
يعد برنامج رفع كفاءة قطاع الصيد الحرفي (الدعم السمكي) من أبرز البرامج التنموية التي تنفذها سلطنة عُمان، حيث يستهدف الصيادين الحرفيين والعاملين في قطاع الصيد من خلال تزويدهم بقوارب صيد بمختلف الأحجام، ومعدات وأجهزة مساعدة حديثة تسهم في تقليل الجهد والوقت، ورفع كفاءة عمليات الصيد، وتحسين مستوى السلامة البحرية.
ويهدف البرنامج إلى تمكين الصيادين من رفع قدراتهم الإنتاجية والتسويقية بجودة أعلى، بما ينعكس إيجابًا على دخلهم واستقرارهم المهني، ويسهم في رفع مستوى المعيشة لأفراد المجتمعات الساحلية. كما يشكل الدعم السمكي أداة مهمة في تشجيع الصيادين، وخاصة من فئة الشباب، على الاستمرار في مهنة الصيد، وتبني التقنيات والأجهزة الحديثة، بما يعزز استدامة هذا النشاط على المدى الطويل.
وقد بلغ إجمالي حجم الدعم المقدم للصيادين الحرفيين خلال الفترة من عام 2011م إلى عام 2022م نحو (8.570.441) ثمانية ملايين وخمسمائة وسبعين ألفًا وأربعمائة وواحد وأربعين ريالا عُمانيا، شمل تقديم أنواع متعددة من الدعم، من بينها: القوارب، المحركات، الرافعات، أجهزة تحديد المواقع، أجهزة كشف الأسماك، الخيوط الطويلة، صناديق حفظ الأسماك، وأقفاص صيد الشارخة. وقد استفاد من هذا البرنامج خلال تلك الفترة نحو 6242 مستفيدا من الصيادين الحرفيين.
وقد تم خلال عام 2025م تخصيص مبلغ قدره (336.000) ثلاثمائة وستة وثلاثون ألف ريال عُماني لأعمال الدعم السمكي، خُصصت لدعم محركات قوارب الصيد الحرفي، على أن يستفيد من هذا الدعم 270 مستفيدًا، في خطوة تعكس استمرارية التزام الوزارة بدعم الصيادين وتحسين كفاءة أسطول الصيد الحرفي.
كيف يتم إشراك الصيادين في إنجاح سياسات الاستدامة وتنظيم الصيد؟
يأتي ملتقى لجان سنن البحر كإحدى الأدوات المهمة في هذا المسار، حيث يعد منصة فاعلة لتعزيز التواصل المباشر بين الجهات المعنية وأعضاء اللجان والصيادين، ويسهم في توحيد الرؤى ومناقشة التحديات التي تواجه القطاع السمكي، والعمل على إيجاد حلول مشتركة تدعم استدامة الموارد البحرية وتراعي خصوصية كل منطقة ساحلية.
كما تؤدي لجان سنن البحر دورا محوريا في تنظيم الممارسات البحرية التقليدية، والحفاظ على الموروث البحري العُماني المتوارث عبر الأجيال، إلى جانب تعزيز ثقافة الالتزام بالأنظمة واللوائح، بما يخدم الصيادين والمجتمع المحلي، ويُسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة وحاجات المعيشة.
ما الجهود المبذولة في مجال التدريب وبناء القدرات للصيادين العاملين في القطاع؟
تنفذ الوزارة برامج تدريبية وإرشادية متخصصة تستهدف الصيادين والعاملين في مختلف حلقات سلسلة القيمة السمكية، وتشمل مجالات الصيد المسؤول، السلامة البحرية، جودة التداول والتخزين، الالتزام بالأنظمة واللوائح، ورفع الوعي البيئي المرتبط بحماية المخزون السمكي.
وقد أسفرت هذه الجهود عن تنفيذ 2396 نشاطا إرشاديا، استفاد منها 13832 مستفيدا من الصيادين والعاملين في القطاع، وهو ما يعكس اتساع نطاق البرامج الإرشادية، وتنوعها، ووصولها إلى شريحة واسعة من المجتمعات الساحلية في مختلف محافظات السلطنة.
كما تتكامل هذه الأنشطة مع برامج مركز دعم التدريب والتشغيل، الذي يضطلع بدور محوري في سد الفجوة المهارية وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، من خلال مسارات تدريبية مرنة تجمع بين التأهيل النظري والتطبيق العملي المقرون بالتوظيف، ومنح شهادات معتمدة محليا ودوليا، بما يعزز جاهزية الكوادر الوطنية للعمل في القطاعات الحكومية والخاصة، ويشجع ثقافة العمل الحر وريادة الأعمال.
ويقدم المركز عدة مسارات تدريبية متنوعة، من بينها: التدريب المقرون بالتشغيل، الذي يربط الباحثين عن عمل بفرص تدريبية تنتهي بالتوظيف وفق احتياجات السوق، التدريب على رأس العمل بالشراكة مع مؤسسات القطاع الخاص، بما يتيح اكتساب خبرات عملية حقيقية، برامج ريادة الأعمال والعمل الحر، التي تفتح آفاقا جديدة أمام المستفيدين لتنويع مصادر الدخل، وبرامج العمل الجزئي والعقود المؤقتة التي تعزز المرونة وتكسب المتدربين مهارات مهنية متعددة.
كيف تسهم الاستدامة في تعزيز فرص الاستثمار بقطاع الثروة السمكية؟
تُعد الاستدامة اليوم عنصرا محوريا في تعزيز جاذبية الاستثمار في قطاع الثروة السمكية، حيث إن وضوح السياسات التنظيمية، واستقرار المخزون السمكي، وشفافية آليات الترخيص، تشكل مجتمعة بيئة استثمارية آمنة وقابلة للنمو على المدى الطويل.
وتمثل السياسات الحديثة لربط تراخيص الصيد التجاري والساحلي بالتصنيع السمكي نقلة نوعية في هيكلة القطاع السمكي، إذ انتقلت منظومة الصيد من نموذج يعتمد على بيع المنتج الخام، إلى نموذج متكامل يربط الصيد بالإنتاج الصناعي والقيمة المضافة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد البحرية، ويعزز العوائد الاقتصادية.
وقد أعلنت الوزارة عن فتح باب التقدم لتراخيص الصيد الساحلي بالخيوط للمؤسسات والشركات المستوفية للاشتراطات، ضمن إطار تنظيمي دقيق يراعي أهلية المستثمرين والمؤسسات، الالتزام بالمعايير الفنية المعتمدة لسفن الصيد، الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة، وتشجيع تصنيع السفن في المصانع المحلية المعتمدة، بما يدعم المحتوى المحلي ويوطن الصناعات البحرية.
كما طرحت الوزارة فرصا استثمارية متكاملة في منطقة الصناعات السمكية بالدقم تحت شعار "من البحر إلى التصنيع"، وهي فرص تقوم على إنشاء مصانع متخصصة للمنتجات السمكية ذات القيمة المضافة، مرتبطة مباشرة بتراخيص صيد ساحلي وتجاري، بما يضمن، استقرار الإمدادات من المواد الخام، رفع جودة المنتجات، وتحقيق قيمة مضافة أعلى داخل الاقتصاد الوطني.
وتشمل هذه الفرص الاستثمارية إنشاء مصانع متخصصة في تعليب المنتجات السمكية (أسماك السطحية الصغيرة، السردين، التونة، الأسماك القاعية) شرائح الأسماك، وتجهيز وتغليف المنتجات السمكية، ومشروعات تحويلية أخرى تستهدف الأسواق المحلية والتصديرية.
وقد دعمت هذه الفرص بحزمة حوافز استثمارية واضحة وشفافة، من أبرزها، حصص صيد سنوية واضحة ومحددة تتراوح بين 6.000 إلى 30.000 طن سنويًا بحسب طبيعة المشروع، إعفاءات ضريبية على الدخل لمدة خمس سنوات قابلة للتمديد، إعفاءات جمركية على المعدات والمواد اللازمة للتشغيل، وحق الانتفاع بالأراضي لمدة تصل إلى 50 عامًا قابلة للتجديد، تسعيرة خاصة للكهرباء للمشروعات الصناعية، وتسهيل الإجراءات عبر منصة "ثروات" الرقمية.
ما خطط الوزارة لرفع القيمة المضافة للمنتجات السمكية محليا؟
تنطلق خطط الوزارة لرفع القيمة المضافة للمنتجات السمكية من قناعة راسخة بأن تعظيم العائد الاقتصادي من المورد البحري لا يتحقق بزيادة كميات الصيد، وإنما برفع جودة المنتج، وتنوع استخداماته، وتوسيع قنوات تسويقه، بما يضمن الاستدامة البيئية ويعزز المردود الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على تنفيذ حزمة متكاملة من السياسات والمبادرات التي تستهدف الانتقال بالقطاع السمكي من مرحلة بيع المنتج الخام إلى مرحلة التصنيع والتجهيز والتسويق المنظم، حيث تعمل الوزارة على تشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية السمكية، مثل التعليب، والتجميد، والتجفيف، والتدخين، وإنتاج شرائح الأسماك والمنتجات الجاهزة للاستهلاك، بما يسهم في رفع القيمة الاقتصادية للمنتج الواحد، وتقليل الفاقد والهدر بعد الإنزال، وإطالة العمر التخزيني للمنتجات، وفتح آفاق أوسع للتسويق محليا وخارجيا.
كما تعتمد الوزارة على نهج حديث يقوم على ربط تراخيص الصيد التجاري والساحلي بمشروعات تصنيع سمكي محددة، بما يضمن استقرار الإمدادات من المواد الخام، ويحقق التوازن بين جهد الصيد والطاقة التصنيعية، ويحوّل نشاط الصيد من نشاط أولي محدود العائد إلى جزء من سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة.
إضافة إلى جهود تطوير منظومات التداول السليم بعد الصيد، وسلاسل التبريد والتخزين والنقل، ومرافئ الإنزال المجهزة، والأسواق المنظمة، بما يحافظ على جودة المنتج من لحظة الإنزال وحتى وصوله إلى المستهلك، ويعزز قدرته التنافسية في الأسواق.
كما تولي الوزارة اهتماما كبيرا بتطبيق اشتراطات الجودة والسلامة الغذائية على المنتجات السمكية، وتعزيز أنظمة التتبع والرقابة، بما يضمن مطابقة المنتجات للمواصفات المعتمدة، ويرفع مستوى الثقة بالمنتج العُماني في الأسواق المحلية والدولية، ويسهم في تسهيل نفاذه للأسواق الخارجية.
وتسعى الوزارة إلى توسيع قاعدة تسويق المنتجات السمكية العُمانية وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية، حيث تُصدر المنتجات السمكية العُمانية حاليا إلى نحو 84 دولة حول العالم، تشمل أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، ودول الاتحاد الأوروبي، والأسواق الآسيوية، والأمريكية، إلى جانب فتح أسواق جديدة خلال السنوات الأخيرة. ويعكس هذا التنوع الثقة الدولية بجودة المنتجات السمكية العُمانية، ويعزز فرص التوسع في تصدير المنتجات ذات القيمة
المضافة بدلا من الاقتصار على
تصدير المنتج الخام.