في منظور الإنسانية، هناك فوارق لا يمكن إنكارها لمجرد البحث عن المثالية أو تخيل أشياء وهمية، فالمسافة ما بين الغني والفقير كمسافة ما بين السماء والأرض، ومع ذلك يتوهم البعض الحصول على العدالة المطلقة والمساواة التامة في تحقيق الوصول إلى الأهداف بسهولة كباقي البشر.


من لا يملك المال، يصبح مجال تفكيره محدودًا في الحصول على الأشياء الثمينة، ولهذا يذهب البسطاء إلى إقناع أنفسهم بأن المساواة لا تتحقق إلا في حقيقة "الموت" التي لا تفرق ما بين غني وفقير.


لكن هذه النظرة يشكك في صدقها البعض، ويرون بأن التأكيد عليها هو جزء من "الوهم الكاذب" الذي يبيعه الأقوياء لترضية قلوب الضعفاء، بالمقابل يولد آخرون في هذا العالم وفي حياتهم "فوارق هائلة" لا مجال للمقارنة أو حتى المقاربة مع أشخاص آخرين لا شيء في قلوبهم سوى الأمنيات.


أنا من المؤمنين جدًا بمقولة عالمية قرأتها منذ فترة ليست بالطويلة، وقد تكون عبارة عن حكمة ألمانية أو ربما هي جزء من أدب روسي – لم أصل إلى حقيقته – لكنني من أشد المعجبين بهذا القول: "من يبحث عن المساواة فليذهب إلى المقابر، فهناك فقط تنتهي كل الفوارق ويستوي التراب فوق الجميع"، ولكن "لا تصدق من يبيعك أوهام العدالة في هذا العالم، فالبعض يولد وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وآخرون بالكاد يجدون هواء لا يحاسبون عليه... إذن أين المساواة في أن يولد أحدهم على سرير دافئ، وآخر تحت سقف من جوع وخوف؟ أين هي حين يغفر للقوي ما لا يغتفر للضعيف؟"


أرى بأننا جميعًا نموت ونتساوى في التراب، لكن الأحياء يتثبتون بالمقولة الأخيرة وهي: "يغفران الذنوب للأقوياء ما لا يُغتفر للضعفاء".


رضينا أو أبينا، نحن مع قول الحكماء والمفكرين والنجباء عندما يؤكدون أن "الموت هو المساواة الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن تشعرنا بأننا نقف على قدر المساواة، فعند الموت يستوي الغني والفقير تحت التراب، وأن كل ما عدا ذلك في الدنيا مجرد وهم"، مع تأكيد أن العدل الإلهي ينتظر في الآخرة.


ومثلما قال زعيم الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي: "العدالة على الأرض مستحيلة، فالحياة نفسها غير عادلة. العالم لا يسير بالقيم بل بالمصالح. وكلما طال بك العمر زاد يقينك أن الإنصاف خرافة جميلة تروى فقط للفقراء".


عندما انتهيت من حديثي عن المساواة بين البشر، لم يعجب قولي الكثير من الزملاء، بعضهم رأى بأنني شخص ناقم، وآخر أشار إلى أنني أُبطن في صدري الكراهية ضد الغير، لكن أحدهم كان منصفًا فقال بأنها سنة الحياة، ولو لا هذه الفوارق لما سعى الإنسان إلى الجد والعطاء من أجل أن يحقق رغباته ويعلو بسقف طموحاته... وهذا ما كنت أقصده، لكنني كنت أتلمس بعضًا من بواطن الخلل، وهو الغفران للقوي ما لا يحصل عليه الضعيف.