ما أروع القصص، وما أجمل الحَكيّ، خاصةً إذا كان ينعش الفكر ويفيد الإنسان ويُبصره بالحكمة. وعن نفسي أحب القصص جدًا، حتى بصرف النظر عن كون القصة حقيقية حدثت بالفعل أم هي محض خيال مؤلف أو بنات أفكار كاتب، فأنا لا أتوقف كثيرًا لأُمحص كونها حقيقة أم خيال، طالما حققت الشروط السابقة ذكرها من إنعاش وإفادة وتبصير. ومن هذه القصص:
(1) صفعتين
ذات يوم اختلف الأب مع ابنه على موضوع ما، واشتد النقاش واحتدم الخلاف فيما بينهما، فإذا بالابن ينفعل ويرتكب حماقة لا تُغتفر، حيث تطاول على أبيه فصفعه على وجهه صفعة قوية اهتز لها الأب وكاد أن يسقط على الأرض من أثرها.


اغتم الأب كثيرًا وملأه الحزن وذاق مرارة عقوق الأبناء، وعزم على أن يشكو ابنه إلى الشرطة، وبالفعل ذهب إلى قسم الشرطة، وعندما رآه ضابط الشرطة رقّ لحاله لما بدا على ملامحه من علامات القهر والانكسار الشديد، وقبل أن يسمع شكواه دعاه للجلوس وتلطف معه في الحديث.
فجلس الأب برهة يلتقط أنفاسه، والضابط يتفرس في وجهه، فإذا به يجد ملامحه قد هدأت كثيرًا، ولكن حلّ على وجهه علامات الدهشة الشديدة، واتسعت عيناه وكأنه تذكر شيئًا ما. وبعد لأْيٍ همّ الأب أن ينصرف دون أن ينطق ببنت شفة، فاندَهش الضابط منه، وحدثه قائلًا: إلى أين أنت ذاهب؟ وما هي شكواك؟ فرد عليه قائلًا: لن أشكو شيئًا ولن أشكو أحدًا.


فاندَهش الضابط أكثر، وتسائل متعجبًا: لماذا أنت على هذه الحالة؟ ولِمَ أتيت إذن طالما أنك لن تشكو أحدًا؟ عجبًا لك! فرد الأب قائلًا: لقد جئت لأشكو ابني، فقد تطاول عليّ وصفعني على وجهي، ولكني عندما هدأت نفسي تذكرت أنه في يوم من الأيام احتدم الخلاف بيني وبين أبي، وتطاولت عليه وصفعته على وجهه صفعة كتلك الصفعة التي تلقيتها اليوم من ابني!


(2) صدمة
كان رجلًا عربيدًا لا يتقي الله عز وجل، وله صولات وجولات في الحرام وارتكاب الفاحشة، والعياذ بالله، وكان له صديق يسير معه على نفس درب الهلاك، يقيمان السهرات الحمراء سويًا، ويتسابقان في فعل المنكرات والتعدي على حرمات الله عز وجل. وفي ذات يوم قابله هذا الصديق قائلًا له إنه كان قد أعد لنفسه ليلة أُنس ، ولكن أمر طارئ دعاني إلى سفر مفاجئ، فلِمَ لا تذهب أنت إلى بيتي وتقضي الليلة مع هذه المرأة؟ فرد عليه فرحًا بكل سرور: أعطني المفتاح.
فناوله إياه، وعندما وصل إلى بيت صديقه وفتح الباب وجد المرأة في انتظاره بالداخل، وحين نظر إلى وجهها صُدم، فدقق النظر مرة أخرى، فبُهِت وأصابه ذهول شديد، وكاد أن يسقط أرضًا من هول الصدمة، فقد كانت بالنسبة له صدمة تهتز لها الجبال، ويشيب من هولها الفتيان، فما كانت هذه المرأة سوى أخته هو!


(3) طبق
يُحكى أن رجلًا طاعنًا بالسن كان يعيش في كنف ابنه الثرِيّ، وكان الأب كلما جلس على طاولة الطعام في صحبة الأسرة، ونظرًا لكبر سنه، ترتعش يداه حين يُمسك الطبق، فيسقط من يده على الأرض منكسِرًا.
وتكررت هذه الحادثة بضع مرات، فكان الابن يحزن على الأطباق المنكسرة لأنها كانت أطباقًا فاخرة، وخطر على ذهنه فكرة أن يصنع لأبيه طبقًا من خشب ليأكل فيه، وإن سقط من يده فلن ينكسر، وبالتالي يصون الأطباق الفاخرة من الانكسار.


وبالفعل نفذ فكرته، فصنع لأبيه طبقًا من خشب ليأكل فيه، وليحافظ على الأطباق من الانكسار، ولكنه لم يلحظ انكسار نفس أبيه حين قدم له طعامه في الطبق الخشبي! ومرت الأيام والسنوات، وتوفي الأب، وكبر الابن وشاب، ووصل من العمر أرذله، وكان حين يجلس إلى مائدة الطعام كانت يده ترتعش، وتسقط منها الأطباق منكسرة كما كان يحدث من والده.
وهنا تذكر أبناؤه أن هناك طبقًا من خشب مهملًا ومركونًا منذ سنوات في أحد أركان البيت، فسارعوا إليه ليحضروه لأبيهم ليأكل فيه، ليمنعوا انكسار الأطباق!


(4) حلوى
وهو تلميذًا صغيرًا كان يحب معلمه جدًا، ويُكن له في نفسه مكانة كبيرة يملؤها الود والاحترام، وأراد يومًا أن يُكرم معلمه هذا، فطلب من أبيه أن يدعوه إلى وليمة، وأصرّ على أبيه أن يحضر طبقًا من حلوى البسبوسة احتفاءً وإكرامًا لمعلمه.
وكان له ما أراد، حيث قام الأب بتجهيز وليمة فاخرة للمعلم ودعاه إليها، ولم ينسَ شراء طبق من البسبوسة الفاخرة نزولًا على رغبة ابنه.


وحضر المعلم الوليمة، وتناول منها ما لذ وطاب، واختتم طعامه بقطعة كبيرة من البسبوسة قُدمت له في طبق فاخر.
وبعد مرور سنوات عديدة، تخرج ذلك التلميذ من الجامعة، وعمل أيضًا معلمًا، وكان معلمًا ناجحًا محبوبًا من تلاميذه.


وذات يوم دعاه أحد تلاميذه إلى وليمة تكريمًا له، فأجاب الدعوة وحضر الوليمة، وتناول منها ما لذ وطاب من الطعام، وحين فرغ من طعامه إذا به يُقدَّم إليه طبق فاخر به قطعة من البسبوسة، فتناول منها فوجدها طيبة شهية رائعة المذاق، فأثنى عليها شاكرًا تلميذه ووالد التلميذ، الذي كان حاضرًا الوليمة أيضًا.


فتلطف الوالد معه، وأعاد الترحيب به، وأبلغه مازحًا أن ابنه هو الذي أصرّ على شراء هذا النوع الفاخر من البسبوسة احتفاءً بك وإكرامًا لك. هنا شرد ذهن المعلم قليلًا، وكأنه تذكر شيئًا، فدمعت عيناه، وأخذ يترحم على أستاذه!