كان نجيب محفوظ هو الرواية بالنسبة لي وأنا فتى، ثم صرت أقرأ اسمه في بداية الأفلام مع أسماء طاقم الفيلم، فصار هو الأدب والسينما معا، وكنت أستمتع كثيرا وأنا الفتى القرويّ، ولعل قراءتي لرواية «بداية ونهاية»، كانت قرب موقد النار. ثم لأستمر في القراءة، وأنتبه عند مشاهدة الأفلام إن كان نجيب محفوظ حاضرا.

لم تمرّ سوى بضع سنوات، حتى صرت طالبا جامعيا في مصر، لأقبل على اقتناء روايات نجيب محفوظ خصوصا من «أكشاك» الصحف والمجلات في محطّات القطار، والمكتبات، ثم لأجد نفسي في إجازة السنة الدراسية الأولى جارا لنجيب محفوظ الذي كان قد مرّ أقل من عام على حصوله على جائزة نوبل للأدب.

أقمنا في حيّ «العجوزة»، وعندما كنت أتردد على «كافتيريا نعمة»، لفت نظري تسمية الشارع الفرعي لشارع النيل باسمه: شارع نجيب محفوظ، وتحت عبارة شارع...سابقا. قلت لأحدهم جميل تسمية الشارع الجديدة باسم كاتبنا الكبير، فقال لي باللهجة المصرية المحببة: « ما هو ده بيت الأستاذ نجيب محفوظ»، تأملت بجزيل الاحترام وما زلت أتذكر أصص الزهور التي وضعت على الشبابيك.

كان ذلك مذهلا بالنسبة للفتى القرويّ الذي كان يقرأ لهذا الكاتب ويشاهد أفلاما اعتمدت على رواياته، والتي وصلت إلى 36 فيلما سينمائيا، عدا عن نصف هذا العدد من أعمال كتبها خصيصا للسينما.

وما زلت حتى اللحظة أتذكر قراءتي حديث الصباح والمساء، كذلك مجموعة قصصية بعنوان «حكايات حارتنا»، وهي عبارة عن متتاليات قصصية إبداعية تجعل النصوص السردية كأنها رواية للمكان والسارد معا. لم أكن مصدّقا أنني أقرأ له وهو هنا أمامي، يحتسي قهوته في كافتيريا فندق شهرزاد، في شارع النيل، بتواضع، وعمق لم أشهد لهما مثيلا.

في سنوات الدراسة، بدأ اللاوعي يخرج إلى الوعي، بحكم دراستي للأدب وقراءتي ما يكتب عن نجيب محفوظ روائيا، وكاتبا سينمائيا، فاكتست متعة القراءة والمشاهدة بالوعي النفسيّ والاجتماعيّ والسياسيّ فالفلسفيّ الوجوديّ.

قراءتي لرواياته، دفعتني لأفلامه، كذلك الحال أعادتني عدة أفلام أخذت من رواياته إلى العودة إليها، واستمر ذلك طويلا، ويبدو أن نجيب محفوظ سيلازمني ما دمت قادرا على القراءة والمشاهدة والاستماع.

لذلك، سررت وغيري كثيرون بشعار معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، في الدورة السابعة والخمسين، الذي يحمل مقولة نجيب محفوظ: «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا»، واختياره شخصية العام في المعرض.

لقد مضى عشرون عاما على رحيل نجيب محفوظ، ولكنه من خلال روائعه الخالدة سيطول تأثيره وحضوره أكثر كثيرا من الـ94 عاما التي عاشها، والتي يبدو أنه قضاها قراءة وكتابة؛ فلم تكن كتابته لمجرد الكتابة، بل جاءت من وعي، لتقدم وعيا عميقا، وهو الذي اختار الرواية ليبوح من خلالها بأفكاره ومشاعره، لا وعاء الفلسفة التي درسها في جامعة القاهرة.

«من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا»!

عبارة عميقة، قد لا تخلو من مبالغة زمنية، لكنّ عمقها البلاغي هو المقصود؛ فالتوقف فترة عن متابعة المعرفة من جميع مصادرها المكتوبة والمسموعة، يعني الوقوع في الاضطراب، وذلك بسبب الحاجة للتراكم المعرفي كمنظومة، فلا تنفع المعرفة مجتزأة ومنفصلة، ولا بدّ للمهتم متابعة اهتمامه، بربط الجديد بالقديم، بل والعودة للقديم بحثا لفهم الجديد.

من يستطيع التوقف عن القراءة أصلا!

لذلك، فإن من يفعل ذلك، بعدم متابعة المعرفة من مصادرها، ومنها المكتوبة، المصدر الرئيس لها، يكون قد حكم على نفسه لا الوقوف بل التراجع إلى الوراء، بما يجرّ عليه ذلك من ارتباك وسطحية والتأثر بالشعبوية الثقافية.

جميل ما فعل القائمون على المعرض، وهو جمال الوعي الثقافي في مصر المحروسة، عاصمتنا الثقافية الدائمة، في اختيار محفوظ شخصية المعرض هذا العام، واختيار مقولته عن القراءة. وهي فرصة لأجيال جديدة، ننتمي لها، في إعادة اكتشاف إبداع نجيب محفوظ والتنوير عليه بما يليق، كذلك زيادة معرفة الجيل الجديد بهذا الكاتب، وتعريف من لا يعرف بما يكفي.

لا أتذكر تماما متى قرأت لنجيب محفوظ، لكنني أتذكر نصا من رواية «زقاق المدق»، تم وضعه في كتاب النقد الأدبي للصف الثالث الثانوي، أي ما يعرف بالصف الثاني عشر الآن، وهو عام شهادة الثانوية العامة «التوجيهي»، حيث كان ذلك بداية الوعي على الرواية، وأنها لا تقتصر فقط على إثارة الاستمتاع، وفي الوقت نفسه، تغّير منظوري في مشاهدة الأفلام كذلك مسلسلات الدراما التلفزيونية. بل وبدأت حياتي تأخذ مجرى آخر؛ باعتبار أن الأدب من الحياة، ولها، من خلال الدور الإنساني والفكري معا، في ظل متعة يصعب وصفها تماما.

صرت أرى الكلمة بعمق جديد، بعيدا عن المحفوظات والوعظ والإرشاد، وحين وقفت في دائرة القبول بالجامعة، استغرب الموظف حين اخترت دراسة الأدب كوني من الأوائل بمعدل امتياز.

والحقّ أنني فكرت وقتها بدراسة الأدب الإنجليزي، وعيا بأهمية مواكبة العصر لأجل تقوية الأدب العربي، ولكنّ قراءة مقال للدكتور طه حسين خلال أيامي الأولى في مصر، غيّر مساري حين علمت من المقال القديم، بأنه في فرنسا لا يسمح بقراءة الأدب الأجنبي، إلا بعد دراسة الأدب الفرنسي أولا.

كذلك، فقد أدخلني نجيب محفوظ، وآخرون مثل توفيق الحكيم وجبران خليل جبران، إلى عالم الوعي جنبا إلى جنب مع الشكل الجمالي المقترح شعرا وسردا وسينما ومسرحا وغناء ورقصا، أي إلى عالم الأدب والفنون.

كانت إبداعات نجيب محفوظ الروائية تتعمق داخلي وفي قلمي كلما تقدمت في العمر، إلى درجة العودة إلى الروايات والأفلام للكتابة عنها؛ فقد كنت أستعيدها، وأعيد القراءة والكتابة من منظور ما تراكم من وعيّ لديّ مثل قراء وكتّاب آخرين، فقد صرنا نرى الرواية والفيلم لا مجرد تصوير لمنظومة المجتمع والحكم والنفوس فقط، بل صرنا نجدها تفكيرا نقديّا من أجل أن يكون الغد أفضل من اليوم، وضمان ألا تتم إعادة إنتاج الماضي، وأخذ العظة من حركة التاريخ، بإصرار ألا يعيد التاريخ الدائرة نفسها بسخرية.

ولعلّ أهم ما نجح فيه نجيب محفوظ هو مواكبة الأدب للتحولات في المجتمع، دون التسرّع بإعطاء أحكام. إنّها تحولات النفس والحياة الاجتماعية في ظل تغيرات نظم الحكم أيضا، حين كشف محفوظ النفس الإنسانية من الداخل دون لوم وعتاب؛ فقدمنا جميعا بما فينا في كل زمان ومكان، ولعلي أزعم أنه بهذا العمق كان ندا لشكسبير.

حين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل، كنت في بداية العشرين من عمري، وقرأت ما وُصِف به بأنه ضمير عصره، وربما التبس عليّ وقتها الوصف، لكن مع «القراءة» التي نصحنا بها نجيب محفوظ، صرنا نفهم عمق الوصف، لا الوقوف عند الدلالة المباشرة. ولعلي أختتم هنا بأن القراءة من جهة، ونجيب محفوظ من جهة أخرى، عمقتا ما بنا من تذوق أدبي ووعيّ فكريّ وسياسيّ، باتجاهات وجودية تلتزم باتجاه الإنسان، وتحافظ على بقائنا الواعي الحرّ.