ترجمة قاسم مكي

لا شيء ساهم في تنشيط التجارةَ الدولية بأكثر مما فعل وعاءٌ بسيط بِطُول 40 قدمًا وعرض وارتفاع ثمانية أقدام.

هذا الوعاء يمكن ملؤه ببضاعة، ورفعه الى شاحنات وقطارات وسفن وطائرات بنفس السهولة. إنه حاوية الشحن القياسية.

ما حققه هذا الصندوق الفولاذي المتواضع في تعزيز العولمة خلال نصف القرن الماضي يفوق كل ما فعلته الاتفاقيات التجارية مجتمعة، حسب مجلة الإيكونومست.

اليوم يُدفَع بالعولمة في الاتجاه المعاكس. وإذا سألت عن السبب سيشير أناس عديدون الى الزيادات في الرسوم الجمركية. غير أن المعايير وليس الرسوم الجمركية هي المسؤولة عن معظم هذا التراجع. وهي المهدد الأكبر للعولمة.

المعايير التي تتعلق أساسا بسلامة المنتَج والمتطلبات البيئية تحدد أية منتجات يمكنها الدخول الى الأسواق وأية منتجات لا يمكنها ذلك. والرسوم الجمركية يمكن تمريرها الى المستهلكين في شكل أسعار أعلى. أو يمكنها أن تستقطع جزءا من الأرباح. أما المعيار الجديد الذي يستخدم كحاجز تجاري ففي مقدوره وقف التجارة تماما، لبعض الوقت على الأقل.

لقد فاقت الإجراءاتُ الفنية غير الجمركية الرسومَ الجمركية كأهم عامل إبطاء للتجارة. ففي الفترة بين تأسيس منظمة التجارة العالمية في عام 1995 وعام 2021 هبطت معدلاتُ الرسوم الجمركية القياسية التي تفرضها البلدان الأعضاء في المنظمة على بعضها البعض بما يقارب النصف.

لكن الحكومات ببساطة انتقلت الى أداة مختلفة لتقييد التجارة؛ لقد تزايد استخدام الإجراءات غير الجمركية. وعوَّض ذلك عن الكثير من التراجع في المعدلات الجمركية.

الآن تؤثر الإجراءات غير الجمركية على 90% من حجم التجارة الدولية أو ستة أضعاف الحصة (المتأثرة بها) من التجارة قبل ثلاثة عقود. وما يزيد عن نصف المعايير التنظيمية التي تأسست خلال العقود السبعة الماضية (أكثر من 30 ألف معيار) لم يكن موجودا قبل بداية هذا القرن.

كانت النتيجة التي ترتبت عن ذلك تقاطعُ القواعد الوطنية والدولية وفي أحيان كثيرة تناقضُها. ويتسبب ذلك في فوضى وزيادة تكاليف الامتثال.

أكبر من يطبق هذه المعايير بلدانُ الدخول المرتفعة. ومن سوء الطالع لكن من المفهوم أيضا أن العديد من البلدان النامية قفزت أيضا الى المركبة وبدأت في تطبيقها. لذلك لا عجب أن تستقبل منظمة التجارة العالمية في عام 2024 ما يقارب 6500 إخطار بحواجز فنية وقواعد جديدة تتعلق بالصحة والسلامة وتغطي التجارة في الغذاء والحيوانات والنباتات. يعني هذا العدد زيادةً في القواعد التنظيمية بحوالي عشرة أضعاف مقارنة بعام 1995.

الإجراءات غير الجمركية ليست حمائية بطبيعتها؛ فهي يمكن أن تكون أدوات مشروعة لحماية الصحة والسلامة والبيئة. مع ذلك، أثرُها على صادرات البلدان النامية كثيرا ما يكون مقيّدا (لتجارتها). ذلك لأن البلدان النامية تصدِّر حصة أكبر من المنتجات الخاضعة لهذه الإجراءات وخصوصا الغذاء والسلع الزراعية.

يتوجب على البلدان المصدرة الآن الامتثال لإجراءات فنية تزيد بأربعة أضعاف في المتوسط عن عددها قبل ثلاثة عقود؛ فالبلدان كثيرًا ما تشدد الإجراءات الفنية بعد فترة قصيرة من تزايد الواردات مما يوحي بأن الغرض الحقيقي للعديد من مثل هذه الضوابط قد يكون حماية المنتجين المحليين.

يمكن أن تكون العواقب قاسية؛ فتوثيق الامتثال قد يكلف المصدِّر 425 ألف دولار وهذا مبلغ «مانع» لمعظم الشركات. وتفتقر البلدان النامية الى النظام الواسع والضروري من المدققين ومرافق الفحص لجعل التوثيق ميسورا. إثيوبيا على سبيل المثال لديها أقل من 100 مدقق للمعايير المرتبطة بالمنظمة الدولية للمعايير (إيزو). ولدى ألمانيا 1200 مدقق. لذلك لا غرابة في أن تواجه الشركات الألمانية تكاليف توثيق أقل تتراوح من 3000 دولارا الى 11500 دولار.

يمكن أن يكون المعيار شيئا جيدا مثلا بتحسينه السلامة والبيئة، وفي ذات الوقت يمكن أن يكون محفزا صامتا للتقدم الاقتصادي وخفضِ التكاليف وتبسيط العمليات الإنتاجية وتعزيزِ الكفاءة والمساعدة على الابتكار. لكن هذا يعتمد على التنسيق والتعاون الدقيقَين. وذلك ما لم يحدث طوال فترة ربع القرن الماضية.

إرساء النظام يعتمد على المشاركة الكاملة لكل البلدان. واليوم نادرًا ما تشارك البلدان النامية في كتابة المعايير وعادة ما يكون السبب في ذلك الافتقار للموارد والخبرة.

علي هذه البلدان تعظيم مشاركتها ببناء القدرات تدريجيا. ومع نمو قدراتها عليها أن توائم (تُطابِق) معاييرَها الوطنية مع المعايير الدولية. وفي نهاية المطاف يجب أن تسعى للمساعدة في إعداد المعايير الدولية.

عندما توضع المعايير بطريقة صحيحة يمكن أن تكون منافعها عظيمة؛ ففي الولايات المتحدة في عشرينيات القرن التاسع عشر أدى قسم الممارسات المبسطة (توحيد المواصفات) الذي أسسه هربرت هوفر وزير التجارة وقتها دور الوسيط المحايد لإرساء معايير طوعية للصناعات.

وبالعمل عبر الروابط والاتحادات الصناعية طبق القسم 173 توصية ممارسة صناعية مبسطة بحلول عام 1939. فالمعايير بزيادتها التوافق (بين منتجات الشركات المختلفة- المترجم) قللت الهدر وحررت رأس المال لتمويل الابتكار.

كوريا الجنوبية من جانبها شيدت استراتيجيتها الاقتصادية بأكملها على أساس من معايير الجودة. ولكي تنافس في الخارج في ستينيات القرن الماضي أنشأت الحكومة بنية تحتية وطنية عالية الجودة. وشجعت القطاع الخاص على تطوير معايير طوعية، ثم عززت المشاركة في المنظمات الدولية كالمنظمة الدولية للمعايير (إيزو) واللجنة الدولية الكهرو-تقنية.

تظهر هذه التجارب أن ما يبدو كتمرين فني هو في الواقع سياسة اقتصادية فعالة. وتوضح أبحاثنا كيف يمكن أن تستخدم البلدان النامية المعايير على أفضل وجه. وهي توصي بمبدأين أساسيين. أولهما أن على الحكومة وضع معايير إلزامية فقط عند الضرورة وللمصلحة العامة كحماية الصحة والسلامة والبيئة. وثانيهما وجوب ترك القطاع الخاص ليضع المعايير الطوعية بنفسه كما كانت هي الحال في كوريا الجنوبية مع تدخل الحكومة فقط عندما يفشل العمل الجماعي. على أن يقتصر تدخلها على الجمع بين الأطراف المعنية.

المعايير يكون أداؤها أفضل عندما تتطابق مع القدرة. لن يرسخ أي معيار إذا لم يكن من الممكن استخدامه بسهولة بواسطة أكبر عدد ممكن من الناس. هذه كانت هي النظرة الثاقبة التي حوَّلت مخترع حاوية الشحن القياسية مالكولم مكلين إلى مهندس غير متوقع للعولمة. فبعد مجيئه بهذه الفكرة سَرَّع تبنِّيها العالمي بسماحه للمنظمة الدولية للمعايير (إيزو) توزيع براءة اختراعها مجانًا. وما حدث بعد ذلك معروف.

إندرميت جيل كبير الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي

الترجمة عن الإيكونومست