من السهولة بمكان اليوم أن تكون مناضلا بتغريدات متتالية، أو مقالات متتابعة، أو مقاطع مرئية متسلسلة، تسترق السمع من هنا وهناك، فتثير شعوبا على الحروب غير المدروسة، ليكون ضحيتها أطفال ونساء وأبرياء لا ذنب لهم.
إن الحرب لا تعرف منتصرا فيها، الكل خاسر على المستوى القريب والبعيد، والإقبال إليها إما عن طريق سياسي متهور يدخل أمة في نفق مظلم، ويرجع مجتمعه ودولته إلى الوراء سنين طوال، أو يجبر إليها أمة لا ذنب لهم، فيدافعون لأجل وجودهم وحريتهم.
إن الدفاع عن هذه الأمة التي لا ذنب لها مطلب إنساني عظيم، فأي أمة يعتدى عليها لا يجوز الدفاع عن المعتدي، والسلم لا يجتمع مع الظلم، وإذا كان الجنح إلى السلم مطلب إنساني رفيع، إلا أنه لا يتحقق إلا برفع الظلم، وتحقيق المساواة والعدالة وفق الذات الإنسانية الواحدة.
وهناك فارق كبير بين من يدعو إلى رفع الظلم عن أمة أو دولة لاعتبار انتماء معين وقعت فيه ويشترك معها في الانتماء كعرق أو دين أو لغة أو ثقافة، وبين من يدعو إلى رفع الظلم عن أمة أو دولة باعتبار مشترك كرامة الذات الواحدة؛ هنا ينظر إلى الوجود الإنساني أنها ذات واحدة، فيكون قلبه مليئا بالرحمة لهذا الوجود، يسعد بتحقق السلم عالميا لما يترتب عليه من سعادة الوجود الإنساني ذاته.
مثل هذا: إذا حدثت كوارث طبيعية كحريق أو زلزال أو إعصار في دولة ما لا تشترك معه في الدين والثقافة فيفرح بذلك، ويكون ناطقا عن الله وحاكما عنه في اعتباره من العذاب الإلهي؛ هذه الكوارث الطبيعية، أو البشرية كالحروب الأهلية يكون ضحيتها - في الغالب - من الأبرياء، كالأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، فضلا عن الحيوانات وغيرها.
فلا أدري، أي قلب يسع أن يفرح إنسان لما يحل في أخيه الإنسان من بلاء وكوارث، بينما يعتبره ابتلاء إذا اشترك معه في بعض الانتماءات، ويضيق عندما يكون التحدث باسم الله أو الغيب، فيسقط نصوصا في أمة بعيدا عن العدل والرحمة الإلهية.
عندما يتحدث الإنسان باسم الرحمة الإلهية يجد العالم واسعا رحبا، فالله رب العالمين، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؛ حيث الذات الإنسانية الواحدة مرتبطة بهذه الكرامة الآدمية، والرحمة المطلقة، وما ينبني عليهما من مساواة وعدالة؛ هنا يجد البشر وشعوب العالم واحدة في حقها في السلم العالمي، وفي المشترك الإنساني، فيما يتعلق بحق الحياة، وحق التمتع المتساوي بما فيها من خيرات ونعيم، فلا تظهر في نبرته في هذا أي تباينات انتمائية، فيدافع عن الإنسان كإنسان.
من المؤسف حقا أن يبرر القتل في غزة لأنهم إخوان مسلمون، أو في إيران لأنهم شيعة، أو في بورما لأنهم بوذيون، أو بلد آخر لأنهم ليسوا مسلمين.
إننا بحاجة اليوم إلى بناء أجيال تنشأ على مطلق الرحمة للذات الإنسانية، خصوصا والعالم أصبح لا يحتمل هذه الثنائيات المؤثرة في العيش الإنساني المشترك.
إن السلم والعيش المشترك هو الأصل بين البشر جميعا، في أرض تسع الكل، وأن الحروب والعداوة والصراع أمراض يصنعها البشر طيلة التأريخ، لها أسبابها وسياساتها التأريخية المغلقة، والشهوانية المعاصرة، والسياسية المتهورة؛ فإذا كان كذلك من تهور أحفاد قابيل، فهذا ينبغي أن يواجه بتعقل هابيل.
هناك من السياسيين من يصنع الحروب، وهؤلاء السياسيون ينتمون إلى انتماءات مختلفة ومتباينة، فلا ينبغي أن يجرم من ينتمي إليها لأن من السياسيين من يلبس لباسها، فخطاب التعميم قد لا يقصده العديد من أصحاب المقالات والتغريدات.
لكن العقل الجمعي يكون أحيانا ضحية لمثل هذه المنشورات العامة وغير المنضبطة، لاحظنا أثره السلبي مثلا في لبنان وسوريا والعراق، وهناك من يحاول إثارته في الهند ونيبال أيضا.
إن التعقل في مواجهة الحروب والعداوة والصراع لا ينتج عن انطباعات أو عواطف يثيرها بعضهم وهم آمنون في بيوتهم، مطمئنون في ديارهم، بعضهم لو قطع الكهرباء والماء عنه نصف يوم لثار غضبا، ولو أنقص من راتبه شيء هيجَ ممن حوله. ليس من السهل أن يشرد الآلاف، أو يقتل المئات، أو ترمل النساء، وييتم الأطفال، وهناك من يثيرها لتشتعل وتتمدد بصورة أكبر، وكأنها كرة قدم، وليست حربا لا ترحم أحدا.
إن التأني والتعقل هما رأس الحكمة، ومن يدعو إلى السلم ليس كمن يدعو إلى الحرب، ومن يسعى في إطفاء الحروب ليس كمن يناضل في إشعالها، ومن ينادي بحرمة الذات الإنسانية ليس كمن يسعى في تقسيمهم وإثارة النعرات والصراع بينهم.
ما أسلفت ذكره لا يعني الدعوة إلى تهوين ما يحدث في عالمنا العربي خصوصا من بلاء ودمار في أجزائه، ووجود ذلك لا يعني أيضا أن نكون رهين الواقع لنكون أداة لفساد ودمار باقي أجزائه الأخرى.
علينا ابتداء أن نتحرر من أنانية الانتماءات والأثنيات، علينا أن نكون يدا واحدة في إطفاء الحروب في اليمن والسودان وليبيا وغزة وغيرها، وأن نكون يدا واحدة في إحيائها جميعا بالتنمية والعلم والمعرفة والنهضة بكل معانيها، هذه الروح لا تنطلق من ذات العروبة بقدر ما تنطلق من ذات الإنسان؛ فإذا تهذبت الخطابات الفكرية والدينية والثقافية، وتحررت من ضيق خطابات الانتماء، إلى سعة الإنسان والوجود، سيؤثر ذلك في السياسيين ومن يساندهم؛ فكثيرا ما يتشبثون بالانتماءات لتحقيق مطامعهم وتهورهم، ويستخدمون هذه الأوراق لتبرير إثارة الحروب وإشعالها؛ لا أقول ذلك كعاطفة وأحلام وردية، لكنها ـ في نظري ـ رؤية قد تقودنا إلى شيء من العلاج، عندما نفكر بروح الإنسان والسلم والإحياء، وندرك الرحمة في الذات البشرية، حينها نجد حسن ثمرة ذلك في القريب من الأقطار إلينا قبل البعيدة عنا.